قراءة في مجموعة ” لم ير وقع خطـــــاه ..”للقاص أحمد بن إبراهيم خليفي                                       

img

 

قراءة في مجموعة ” لم ير وقع خطـــــاه ..”

للقاص أحمد بن إبراهيم خليفي                                          بقلم :رجاء محمد زروقي

منذ أشهر قليلة أطلّت علينا ” سمفونية ” جديدة مفرداتها نعرفها ولا نعرفها أضواء وهالات ( مقدّسة ) ألوان تجعلنا نتحدّى متاهاتنا الكثيرة والعسيرة لنسأل عن فتنتها هذه ” السمفونية الجديدة ”  والمتمثلة في المجموعة القصصية ” لم ير وقع خطاه ” ..

للأمانة لست منظّرة و لا ناقدة أكاديمية فقط هي قراءة عفوية برؤية شخصية لبعض النصوص التي أجلس على حافة ناصيتها وأُدلي بدلوي فيصبح الوطن وشيكا ..

لم ير وقع خطاه ..أو  ما يعترينا من موت حتى نستوجع الحرف فنستولد من الحياة حيــــــاه ..

لم ير وقع خطاه هي المجموعة القصصية التي وصلتني مؤخرا وتلقيتها بصباحات من الجمّار والأغاني القديمة للقاص أحمد بن إبراهيم خليفي والصادرة بتاريخ 2018 عن دار بدوي للنشر تونس ..

لاحت لي  ذات الكاتب حركة لا تهدأ وهي تعيش ( عراك  جوّاني ) في رؤى واسعة حركات بدت لي مدروسة حينا وغاضبة أحيانا ولكن بدايتها عميقة وكذلك بلاغتها عزم على إستيعاب اللّغة ومواضيع الساعة وما تحمله من موضوعية وغرابة في آن .. وهذا السبيل يوخز جمجمة الكاتب منذ سنين عديدة وجع الوطن وجعه .. الإبداع في قاموسه تضحية من أجل الجمال .. كل هذا وأكثر مما يعتري الكاتب من فيوض  وغموض ومن رضوض الحكي عن كل ما يتأبط هذا الوطن المحموم بالوطن ..

كلنا نعلم أن الخمرة شراب مصنوع من عصير الفاكهة المُخمّر ، يُسكر شاربه ويُغيِّب عقله إلاّ أن الخمرة التي لعبت بعقول شخوص الكاتب أحمد بن إبراهيم مادية معنوية في الآن ..

 فمن يدخل بوابة القراءة لهذه المجموعة يرى الخمرة تلعب برؤوس أغلب شخوص قصص الكاتب .. فأن يسقي الكاتب شخوصه خمرة مادية كانت أم معنوية فذاك يعني أنه يشحنهم حرّية تمكنهم التحرك بطلاقة على خشبة مسرح  النص ..

خمرة يصطلي بلظاها كل من إعتنق مستطاب ومستطرف الحياة / الممات .. خمرة إعتصرها الكاتب من خالص خلاصات المـا بين الحياة والحياة لخلق مناخ الحكي الأقل قتامة وسوداوية.. كما كانت ” الخمرة ” أداة إستعارية لخرق جدران الإنسانية في محاولة لملامسة كل ما هو صلب في الكائن البشري وإزالة الأدران العالقة بدوافع إختيارية أو جبرية في الصراع من أجل البقـــــاء ..

الخمرة تطلق العنان للأحداث أن تبيح وتشي بفسيفساء الذات الكاتبة وتقوم بتعرية ما هو على العين المجردة خفي .. وما على القراءة المتواضعة لهذه القصص عصي .. خمرة بلسان سليط وصوت جريء يتناول إحتياجاتنا الحياتية ويكشف القناع عن وجه رغباتنا ويقوم بتعرية أخطائنا ومغالطاتنا لذواتنا ولسلسال الروح والوطن والأمنيات ..

ضخ الكاتب شخوصه خمرة فتلاءمت مع الدور المنوط بها إذ يلتمس القارئ ويشعر بحركية الأحداث ودينيماكية الفكرة وتفاصيل المواضيع إن كانت إيديولوجية .. سياسية ..  إجتماعية أو ثقافية .. فتتعدد دلالة الفكرة إلى عديد الأفكار وتنزاح إلى أكثر من معنى ومغزى ..

خمرة تجمّلت بفنون الحكي و بلاغة الصورة المرئية لتشكل اللّوحات والصور التي تستفز وتحفز خيال القارئ ليستنطق ما وراء السطور ويشرع في مسايرة التغيرات الزمانية والمكانية المكهربة على المستوى الثقافي الإجتماعي الإقتصادي والسياسي ..

خمرة تناولت المواضيع السياسية المتكلسة والواقع الأبتر والأحلام الضائعة المتبخرة ففي قصة *خطوات حول القصر… خمرة البستاني العجوز الثمل المترجرج تُدحرج القارئ حيث رجل السياسة ( سي السيد ) الهارب من الموت إلى الموت حيث ينزوي بنفسه وحقيبته الدبلوماسية في قعر الماجل ولا يدري أن الموت لا يستثني أحدا وكما أن الموت لا يستثني أحدا كذلك خمرة العشق.. خمرة الأحاسيس والحب.. لا تستثني أحدا في تجلياتها المشعّة بأسئلة قدّت من نور مخصوص على شاكلة ” القصيدة ” وقد نقّعت في لحظة مكاشفتها الأبدية ..

 خمرة  ” العشق ”  لا تخضع لبرمجية مسبقة وهذا يتجلى في أقصوصة  ” المعلمة التي عشقت تلميذها “

هو عشق ربما ينعت في ثقافاتنا  ” بالشذوذ ” كان عشقا قد كسّر عاداتنا وتجاوز تقاليدنا وتخطّى فارق السن وتعدّى الحواجز..حتى أنه تجلّى مخترقا كل ما هو معتاد وغض الطرف وصرف النظر عن الفوارق والمفارقات ..

إنّها خمرة الحياة ..  خمرة الكتابة .. كتابة الأحداث إن كانت من صلب التاريخ أو من عمق الواقع في صور تتحرّك ضمن برنامج فني مدروس التفاصيل.. ترصد التوتر القائم بين المجاز والواقع لتعالج قضايا تستفز القارئ وتدعوه أن يحضر على خشبة النّص ويندمج في صور أدائية سردية فينبثق إيقاع لحظات الحقيقة ليغير لحظات المجاز  .. فيكون بذلك الظلّ من جملة ظلال النص وأخيلتها ..

خمرة تنشط لها الشخصيات وتتلائم وتتناغم ومناخات السرد والحكي فتشحن المتلقي بكم هائل من الدلالات – العامرة – بالترميز ليشرع أبواب التأويل والتساؤل ..

 خمرة تستحق المواكبة النقدية فهي تعالج الكثير من المواضيع وتختلف بإختلاف مذاق صروف الزمان وتقلباته .. خمرة تقول الكثير بقليل من الكلام إلاّ أنّها تضخ المتلقي بوابل من الأسئلة حتى يكتمل النص ….

 أعيد وأهنئ أخي الفاضل أحمد بن إبراهيم كما أعتذر له عن هذه القراءة المستعجلة ..

وفي النهاية أقول بالرّغم من إكراهات اللّحظة وظروف حال الوسط الثقافي المرتبك المفلس مصداقية والمقصر في حق كثير من الأدباء بتغييبهم وإهمالهم وتشجيع أشباه الأدباء الذين اشتروا الساحة بالمغالطات الفادحة والتنازلات البائسة ستظل أقلامنا تنزف وحناجرنا تعزف للإنسانية والمصداقية .. والوطن والربيع والأغنيات ..

                             أختكم في الله والوطن والقصيد ..

                                            رجاء محمد زروقي

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.