قراءة في رواية “للاّ السيدة”، ذات الجائزتيْن

img

 

بقلم : آمنة الرميلي

الجائزة الأدبيّة إجازة للنص واعتراف له بحقّ القراءة والانتشار. ومن حقّ الأدباء والكتّاب الحصول على الجوائز إن استحقّت نصوصهم ذلك. والحصول على الجائزة فيه من الاعتبار المعنويّ ما فيه بما أنّ الأمر قائم على المنافسة والمقارنة والاختيار. وفي تونس توجد مجموعة من الجوائز الأدبية المهمّة في معناها في انتظار تحسين مردودها المادي الضعيف جدّا إلى حدّ الآن.وتبقى جوائز الكومار من أهمّ الجوائز الأدبية في تونس وأكثرها قدرة على استقطاب الرأي العام ولفت عناية الكتّاب بما أنّها مخصّصة للفنّ الأكبر في السرد: الرواية.

ولكن علينا في تونس أن نفصل بين الفرح بتتويج كاتب وظهور روايته ظهورا قويّا فيه الأضواء والجمهور والاحتفال وحقّنا في إبداء الرأي والقراءة إمّا بإبراز نقاط قوّة الرواية المتوّجة أو إظهار نقاط ضعفها وحتى الاحتجاج على تتويجها  إذا ما كان الأمر يستدعي ذلك.

في رواية “للاّ السيدة” لطارق الشيباني:

حصلت هذه الرواية على جائزة معرض الكتاب 2019 ثم على الكومار الذهبي 2019، وإن كنت أتمنّى أن يُكتفى بتتويج واحد حتى نفسح المجال أمام روايات أخرى فإنّ للّجنتين لابدّ مبرّرات لهذا التتويج الثنائي. ونقرّ أنّ الحكاية في رواية ّللاّ السيدة” مشوّقة في كثير من سياقاتها، ذاك التشويق البسيط المبني على نمط الشخصية المختارة المتحرّكة في فضاءات يتعاطف معها القارئ بسهولة مثل الطفولة غير الشرعية واليتم والظّلم والفقر. وهي أيضا شخصية تجوس في عوالم مثيرة عادة، مثل عالم الدّعارة وعالم الجوسسة. وقد كان لموضوع اعتناق الشخصية التونسية المسلمة الدّيانةَ المسيحية أيضا دور فاعل في تحريك اهتمام القارئ واستفزاز ثوابته. ويبدو أيضا أنّ الكاتب قد عمل على التقاطع مع نصّ عالميّ هو “مذكّرات غايشا” للكاتب الأمريكي “آرثر غولدن” وهو تقاطع يحسب للكاتب لأنّ “التناصّ” من جوهر الفعل السردي.

ولكن “للاّ السيدة” في ما بدا لنا رواية لم تخل من عثرات في أكثر من سياق.وأوّل ما يلفت الانتباه فيها هو التعثّر اللغوي اللّافت وانتشار الأخطاء غير المتوقّعة في نصّ حاصل على جائزتين متتاليتين، أخطاء في اسم العدد (ص ص 117 ـ 125..)، وأخطاء في النحو (ص ص 138 ـ 140 ـ 159 ـ 162 ـ 172 ..) وفي التركيب (شائعة) وفي الرسم (41 ـ 42 ـ 126 ـ 140..). بل ارتكبت في الرواية أخطاء فايسبوكية لا تغتفر مثل “لك ما طلبْتي” (ص 193)  و”لكن كما قلْتي” (ص 220).وإن كنّا نقرّ أنّه لا يكاد يخلو نص من أخطاء خاصة في نسخته الأولى والكاتب مصروف تماما إلى الفعل التّخييلي فإنّ الكتابة محو ومراجعة وتدقيق. وهي مسؤولية الكاتب بالدرجة الأولى لأنّ دار النشر تعيد دائما النسخة الصفر إلى الكاتب حتى تتمّ المراجعة النهائيّة.

شبكة الزّمن:

أغرب ما يعترضنا في رواية “للاّ السيدة” الشبكة الزمنية! فـ”السيّدة” هي البطلة الساردة، تحكي حكايتها للصحفي التونسي حين بلغت الستين من عمرها (ص14 : ” أنا الآن في الستّين من عمري”). وتذكر في أكثر من مناسبة أنّها من مواليد 1958 إذ تقول في الصفحة 55: “وأصبح لي شهادة ميلاد وهويّة كتب عليها: السيدة التونسي من مواليد 1958). وقد تمّ ضبط هذا التاريخ بعد بحث وتقصّ من معلّمي المدرسة الريفية التي أدخلت إليها الشخصية. ولتأكيد هذا التاريخ تذكر الشخصية ــ وهي تبحث عن والدها البيولوجي الألماني الذي عاش قصة حبّ مع والدتها ثم تركها حاملا بها واختفى ــ هذه المعلومة على لسان “المحقّق الخاص” المكلّف بالبحث: “إذن قلتِ ليإنّه (والدها) قد يكون حلّ كسائح ألمانيّ على نزل في مدينة طبرقة.. وذلك بين سنتيْ 1957 و1958” (ص 213)، وهو التاريخ الذي تمّ فيه الحمل بالسيّدة / الشخصية. ولكن المشكل أنّ الكاتب قد أعطى للأحداث تاريخا آخر مختلفا دون أيّ مبرّر. فقد جاء في الصفحة 70: “لقد دخلتُ المدرسة سنة ألف وتسعمائة وثمان وخمسين”. فما هو التاريخ الذي يأخذ به القارئ ولمَ هذا الارتباك؟ فإذا ما كانت الشخصية مولودة سنة 1958 كما هو مذكور في الرواية في أكثر من مناسبة فإنّ كلّ البرنامج السردي يسقط تماما في التهافت والتّداخل،إذ نجد أنّ الشخصية تدخل العاصمة وعمرها 14 سنة (ص 77) ويكون ذلك سنة 1964 لأنّها ستعيش آثار التّعاضد على البيت الذي تعيش فيه سنة 1966 (ص 90)، وتعيش آثار حرب 67 في الشارع التونسي، وتدخل عالم الدّعارة وعمرها 17 سنة (ص 102)، وهذا لا يستقيم طبعا إلاّ مع التاريخ المذكور بالصفحة 70. وقد حاولنا أن نجد تبريرا لهذا الخلط في التواريخ فقلنا لعلّ الشخصية تقصد أنّها ولدت حين دخلت المدرسة ولادة معنويّة ولكنّ إصرار الكاتب على أنّ الحمل بها وولادتها قد تمّا في 1958 قد منعنا من فتح باب هذا المبرّر.

في الوعي التاريخي:

حين تكون الرواية واقعية ملتفتة إلى تفاصيل التاريخ فعليها أن تحترم ذلك لتحترم ثقافة القارئ. وقد وجدنا كثيرا من الخلط أيضا في هذا الجانب داخل رواية “للاّ السيدة”، نكتفي بذكر بعضها:

ـ ص 40: الحديث عن انتصار بورقيبة على فرنسا وعلى إجباريّة التعليم، وهذا تمّ سنة 1958 حين بعث قانون التعليم التونسي فكيف ستعيشه الشخصية وهي المولودة في تلك السنة؟

ـ ص 58: تقول الراوية:”نحيّيه (العلم) كلّ صباح على أنغام النشيد الوطني”، هل كانت المدارس مجهّزة وقتها بآلات تسجيل؟ وهل كان جيل الخمسينيات والستينيات يرفع النشيد الوطني (وقتها كان “ألا خلّدي”!) قبل دخول الأقسام؟

ـ تذكر الشخصية أنّ التعاضد تسبّب في انقطاعها عن الدراسة حين فقدت العائلة التي تأويها في العاصمة مورد رزقها وبدأت تعمل في أحد الفنادق سنة 1966 (ص 90). وحين تتحدّث عن “التعاضد” فبمعلومات دقيقة وكأنّها كانت عضوا في حكومة أحمد بن صالح وبتفاصيل مكاتب الحكومة والرئاسة في تلك المرحلة من تاريخ تونس، وهو ما يعني أنّ الكاتب يفيض بثقافته ومعلوماته على الشخصية ويحمّلها فوق طاقتها. وحين تتحدّث عن آثار حرب 67 تتذكّر أنّها وهي تذهب إلى العمل وتعود منه عرفت “هذا المدعوّ بعبد الناصر”، سمعته في الإذاعات ورأته في “التليفزيون” الموجود في المقاهي. فهل كان التليفزيون منتشرا في تونس سنة 66 ـ 67 إلى هذا الحدّ؟! وهل كانت تجد الوقت والإمكانية لتجلس في مقهى وتتابع خطب عبد الناصر وتصفه بأنّه”كان رجلا طويلا أسمر بشوارب سوداء”؟

ـ ص 125: تستذكر “السيدة” القصّة العائلية لإحدى البغايا فتقول: “كانت سعيدة الأنثى الوحيدة بين أربعة من الإخوة الذّكور، ارتدت الخمار أو أجبروها على ذلك وهي لم تبلغ السادسة”. فهل كان للخمار والحجاب وجود في تونس خلال السّتينيات؟

ـ ص 156: يعترينا بعض الاستغراب من المعلومات الواردة في حكاية “السيدة” حين تقول: “انتظرته عند ناصية شارع باب سعدون.. بعد ساعة تقريبا والسيارة تطوي المسافات دون توقّف غادرنا العاصمة باّتجاه الطريق السريعة للجنوب”. فنستغرب من طول الوقت الذي تستغرقه “سيّارة فخمة” تسير بهذا الشكل لمغادرة العاصمة في بداية السّبعينيات (1974)، ونستغرب أكثر حديث الكاتب عن “طريق سريعة” بين العاصمة والجنوب آنذاك!

الارتباكات التاريخية كثيرة ولكن أكثر ما يزعج فيها هو أنّ الشخصيّة بعد أن تخرج من عالم الدعارة وعالم الجوسسة تجد نفسها فجأة ـ لا ندري بأيّة معجزة ـ مترجمة في “جامعة الفنون الجميلة بإيطاليا” (ص193 ـ 194)، بل يأتي على لسان الشخصية قولها: “أغلب ما أترجمه هو آيات قرآنية نقشت أو رسمت على جدران المساجد..” هل يمكن أن نقتنع بهذا التحوّل العجيب في حياة الشخصية؟ من سنوات الدّعارة إلى سنة أو أكثر بقليل في الجوسسة ثم تقفز هكذا فجأة بمجرّد أن هربت إلى إيطاليا إلى مترجمة مخطوطات في أعرق الجامعات الإيطاليّة؟ كلّ هذا يتمّ بشهادة ابتدائية قديمة هي شهادة السيزيام وسنتيْ دراسة في بيت “سي الطاهر” لا حضور لهما في البرنامج السردي غير إشارة لا تتجاوز جملة واحدة هي: “لقد مرّ على وجودي الآن في بيت سي الطّاهر سنتان دراسيتان” (ص 90). فهل يؤهّلها هذا لتلك المرتبة العلمية الأكاديمية في كلّية الفنون بإيطاليا خاصة؟بل هي تفرّق في صنوف الخطوط العربية وتحدّث مخاطبها عن خطوط “ابن مقلة”، وعن المخطوطات العباسية النادرة (ص 196)..

كان بالإمكان أن تكون رواية “للاّ السيدة” لطارق الشيباني أقلّ تعثّرا وأشدّ تماسكا لو حظيت بمزيد المراجعة والتدقيق وخاصة بمزيد المحو.

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: