قراءة في رواية “بروموسبور” لحسن بن عثمان-سُوف عبيد

img

 قراءة في رواية بروموسبور” لحسن بن عثمان

 الرواية تكتب صاحبها

بقلم سُوف عبيد

ثمة من زعم أن الرّواية هي أمّ الفنون المكتوبة، وأنا أقول على لسان حسن بن عثمان في بروموسبور (ص127) إن كرة القدم هي أم الفنون المشهدية جمعاء بلا منازع، فيها يلتقي التقاء عبقريا الفن التشكيلي بالموسيقى وعروض السينما بعروض المسرح وعروض الرقص، فأخصّ خصائص هذه الفنون تستحوذ عليها المقابلات الكروية الناجحة فتختلط متعة البصر بالتناغم مع الموسيقى مع كل لعب مرتّب، فيه تأليف وتنسيق ينحو مرّة نحو البساطة، وأخرى نحو التعقيد، ويتمازج التشويق مع الصراع مع البطولة، فتطير الألباب مع تطاير الكرة وتصير الأقدام الفذّة تركل الكرة وتتدافع في الملعب في رقصات متتابعة تضفي على العفوية رونقا وجمالا مضاعفينكل مقابلة كروية هي أنشودة تحيط بكل ماهو جميل وأصيل في الإنسان لأنها أنشودة البدايات، ترتفع عن المأساوي وعن التراجيدي وعن الكوميدي وتتنزه في مناطق أخرى من الوجود حيث البراءة سيدة مطلقة، إن لغة كرة القدم هي لغة محض مثل الأصوات المحض والألوان المحض، بدون دلالات ولا معان لأنها تعود إلى الزمن الإنساني الأوّل حيث اللعب والمرح هما كل شيء، ورواية حسن بن عثمان بروموسبور قائمة على فصول خمسة هي القواعد الخمس للفوز في لعبة الرّهان الرياضي :

– عقد النيّة وإقامة الرجاء

– شراء القصاصة الخاصة

– تعمير القصاصة كيفما اتفق

– الحرص على تتبع نتائج المباريات

– عدم اليأس وتكرار العملية من جديد

إن الإدمان على هذه اللعبة مأتاة إيمان ـ عبّاس وهو أحد الشخصيات المحورية– بجدوى الحظ في حياته التي بدأت ترسم خيوطها الكبرى عن طريق القرعة، وذلك عندما رغب خاله في تقديم المساعدة إلى أخته بتبنّي ولد من أولادها، فجرى الِاختيار عن طريق القرعة عندما جيء بعشرة أعواد ثقاب سبق إشعالها إلا واحدا منها، ووضعت في علبة وقيد ثمّ يتناول الإخوة في كل مرّة أحدا منها وهي مخفية وعندما وصل دور عباس وكان الخامس سحب المطلوب منها فكسب الرهان وصار في كفالة خاله الذي بادر بتربيته وتعليمه(ص149) بل إن عباس قد تفاءل كثيرا عندما تعرّف على الإمام سعدون عن طريق الوقيدة ذات صباح باكر.

أمّا شخصية ـ سيسي ـ الكاتب فهي نمط واضح لفئة بعض الأدباء في هذا العصر الذي جاء إلى عالم الأدب عن طريق المصادفة، كي يتمكنوا من الربح أوّلا وآخرا، وهو يتابع كتابة روايته فصلا بفصل حتى ينشرها بسُلفة من الإمام سعدون ممنّيا نفسه بالفوز في الرّهان الرياضي أو بالفوز بجائزة أحد البنوك الأدبية، رغم اِحترازه على مكانة أصحاب لجنة التحكيم الذين يتميزون بشأن خاص بهم وهو الإحباط الأدبي (ص99) إذ قلّ وندر أن تجد من بينهم عضوا له اِعتزاز إبداعي بما أنتج مثلما لا تجد من بينهم على من فاز فوزا بيّنا لا شبهة فيه في حياته الأدبية لذلك فهم ينطوون على حقد دفين يجعلهم يزيّفون الفوز حين ينتقون له أكثر النصوص قابلية للموت.

في مقطع آخر من الرواية (ص100) ثمّة تعريض واضح بهؤلاء السّاهرين على الحظوظ الأدبية ضمن الجوائز واللجان الأدبية، فقد اِنطبع في ذهن سيسي الكاتب أنهم من أصحاب النصوص المهملة السقيمة ويتصفون بالانتهازية والتملّق، يمضون أوقاتهم في الاتصالات بالجهات النافذة لتمكنهم من موقع هنا وهناك… وهم أكاديميون يلهثون وراء أجور إضافية في أعمال لا يفقهون منها شيئا، متحفّزون دائما يهرولون بإشارة منه وإن كانت إشارة وهمية ويشدون نظاراتهم إلى أنوفهم

إنّ هذا التصوير اللاذع والكاريكاتوري لهذا الصنف من المثقفين يندرج ضمن فضح القيم الجديدة التي يستند عليها الناس في عصر كرة القدمإنها قيم المال والجنس التي تبيح كل شيء وتجعل الممنوع مباحا، ومن المباح منعا باتاولعل شخصية الإمام سعدون تُعتبر خير مثال على التناقض الصارخ بين المقدّس والمدنّس، وكيف يحاول إيجاد الخيط الواصل بينهما في اِجتهاد وتلفيق بين متطلبات حياته وواجبات عقيدته.

رواية الرواية

رواية حسن بن عثمان تمثّل رواية الرّواية نفسها، من بدء التفكير في مشروعها إلى تحبير فصولها الواحد تلو الآخر حتى النهاية، بالإضافة إلى تضمنها نبذة نقدها الذاتي حيث ينبري كاتبها ـ سيسي ـ هذا في ترصُّد شخصياتها قائلا (ص122) : “فكّر سيسي أن روايته مليئة بالشّذوذ في العلاقات الزوجية علاقة الإمام بزوجته وبفائزة، علاقة عبّاس بنفيسة وسلمى علاقة سيسي بطليقته صفوة كلها علاقات معطوبة، وعلى غير ما يرام، النساء هّن الضحية الأولى والرجال هم ضحايا بالتبعية.

إذا كانت وضعية أغلب النساء في هذه الرواية تدلّ على اِستغلال المرأة واِعتبارها في أسفل الترتيب بل ونعتها في كثير من الصفحات بما يثير الِاشمئزاز والقرف، فإن امرأة منهن هي زوجة عباس نفسه تبدو على كثير من الوعي والجرأة عندما طرح عليها مسألة تعدّد الزوجات ص(164)رغم ثقافتها العامة، فهي تؤمن إيمانا بديهيا بالمساواة بين الرجل والمرأة، ولو طرحت عليها المفاضلة بينهما لاِختارت المرأة وبوّأتها موقعا أفضل من موقع الرّجل، لأن المرأة لديها هي الأصل، فالأنوثة هي رحم العالم، حيث هناك يتشكّل كل شيء (ص165) إنّ ـ نفيسة – ولعلّ الإسم مقصود الدلالة– أنموذج المرأة التي تتحدّى الظروف وتقهر الصعاب وتدافع بالقوة وبالمكر عن شرفها وتكسب رزقها بالتعلّم والعمل وتذود عن بيتها وأسرتها في همّة وكبرياء.

المبدع ذو عاهة

إن اِنتصار ـ سيسي ـ الكاتب لروايته أمرٌ واضح لا شكّ فيه فهو يعتبرها، سلاحه الأخير حين اِنعدمت لديه جميع الأسلحة الأخرى (ص116)، ولكن هذا الاِنجذاب إلى الكتابة وإلى الأدب لم يمنعه من النظر إلى فئة الأدباء نظرة الرّيبة حيث يرى أن كل الفنانين والمبدعين عامّة هم أناس مرضى وسقيمون ومعقّدون، وهو يستشهد بأبي نواس في قوله:

تعجبون من سَقميصحّتي هي العجب

ويرى أن أولئك الأدباء يحوّلون سُقمهم إلى بضاعة جذّابة ويتاجرون بها فيشبهون حينئذ المتسوّلين ذوي العاهات الذين يعمدون إلى إبراز عاهاتهم بطرق مبتكرة لاِستدرار العطف والشّفقة ليحصل لهم اِبتزاز ضحاياهم من الناس الطيّبين فالفنانون والمبدعون كما أورد حسن بن عثمان على لسان صاحب روايته أنّهم ذوُو عاهات (ص 129).

ثمة إذن حدّة في التناول ومكاشفة في التشريح فب مواقف الشخصيات التي يستبطين أفكارها ويجوس عوالمها إلى حدود التّماهي والتماثل معها في كثير من الأحيان عندما تختلط أوراق الرواية الأصل بالرواية التي ترويها وعندما يتقمّص حسن بن عثمان شخصية سيسي الكاتب الذي يدّعي أنه عضو باِتحاد الكتاب والواقع أننا لا نعرف كاتبا يحمل هذا الإسم، فهل هو القناع الذي يخفيه مرة ويتقمصه مرة؟ خاصة في المواقف التي نقرأ فيها نقدا مباشرا للأدب وللمثقفين مثل (ص100) : “قد اِنخرط في عضوية اِتحاد الكتّاب واِكتفى بالفرجة على تناطحات الكتّاب والشّعراء متابعا إشاعات وأخبار مداولات اللجان الأدبية ونتائجها في مقاهي العاصمة حيث يتحلّق يوميا الكتاب العاطلون عن العمل وما أكثرهم وهم العاطلون عن كل عمل منتج ونافع، عدَا أنشطتهم المحمومة في الوقيعة بين بعضهم البعض وشتائمهم العالية الصوت، ينالون بها كل من هبّ ودبّ…”

وجه وقناع

الرّواية إذن متن وحاشية، ووجه وقناع، وأصل وفرع بالإضافة إلى ثنائيات أخرى في مستوى الضمائر والزمان والمكان، فتستحيل إلى حكاية عن الحكاية، وعندها يتقاطع الأسلوب من الحديث الأدبي الفني إلى الكلام النقدي في شعابه المتنوعة حيث اِستطاع حسن بن عثمان إتقان لعبة التجلي والاختفاء بمهارة تدلّ على إحكام صنعة ودقة تناول في تسيير الأحداث وتصعيدها إلى الأقصى .

إنّ هذه الرواية تقترب من فنّ السيرة الذاتية في بعض فصولها، وهي تلامس التحليل الاِجتماعي والحضاري في غضون بعض فقراتها، وهي بين هذا وذاك تمثّل صوت الجيل الجديد في الرواية العربية الذي اِستفاد من تراثه القديم في القصة والخرافة والأخبار بالإضافة إلى اِستفادته من منجزات الرّواية العربية، مما يجعل هذا الجيل يراهن على فتح البوابات الجديدة على مصراعيها باِستعمال تقنيات المسرح والسينما والسيناريو بالإضافة إلى أسلوب الشّعر فتستحيل الكتابة إنشاء آخر هو توليفة الفنون والأساليب كلّها.

إنّ حسن بن عثمان في روايته بروموسبور” قد شرع في السيرعلى طريق طويلة عليه أن يواصلها بكثير من الدّأب.

إنّ ـ مسافة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى ـ كما يقول المثل الصّيني.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.