قراءة في رواية القاضي و البغي –  أو عقم المتناقضات و افلاس الحقيقة

img

بقلم :- وفاء خليل – 

تراودنا الحياة أحيانا عن مواعيد لم نضربها و تعيد فتح نوافذ كنا قد أغلقناها قسرا أو سهوا لا فرق. لم أعرف الروائي من قبل و سعدت بقرائته و معرفته عبر السطور و عبر الحكايا الجانبية الحافة بكتابة النص.

بدأت القراءة هازلة و أنهيتها ثقيلة القلب يؤرقني غد لا يجيء و حاضر ملبد برماد الحقيقة.
في النص كثير من قاص تتبعت آثاره من خلال كلماته فتقاطع القاص و القصة أحيانا و تنافرا أخرى. بدات القراءة لعبة و موعدا ضربته مع صديق في آخر الطريق و آنتهت بي وحيدة أمام نفسي و قبالة واقع قميء ينشب في الأظافر.

منذ البدء جمع العنوان – بواو العطف – عالمين مختلفين من الناحية الرمزية على الأقل. فالقاضي استدعاء لجملة من المبادئ المفترضة من قسط و نزاهة و استقامة و توافق مع النواميس الوضعية و الاجتماعية من جهة و من جهة ثانية البغي بماهي رمز الخروج عن قيم “الجماعة” و اخلاقهم “المعلنة”.

بدا الموضوع طريفا و في التناول جدة و بحث. و لعل ما شدني هو النساؤل الضمني الذي تردد في كل منعرجات النص بمستويات مختلفة : ما الأخلاق ؟ ما العائلة ؟ ما الحقيقة ؟ ما الوطن ؟
اصداء عدة لحقيقة واحدة غائمة آنسلخت عن ماهيتها الاولى و آنخرطت في بحث جديد عن “كنه” مبهم لا يطال.
عوالم منفتحة على ذات القارئ و واقعه المشترك مع القاص و لكنها توغل احيانا في تفاصيل اليومي اللصيق بحقيقة الروائي الشخصية فيتداخل العالمان حينا و ينفصلان أحيانا أخرى و يلتذ للقارىء -بينهما- تتبع خيط الرواية و رفعة تاخله و تناصه مع “الحقيقة” في مواضع عديدة.
رواية بصيغة الجمع، تروم الالتفاف على الحدث بنهم و الألمام بتفاصيل فارهة لواقع ملتبس المعالم. هذا التداخل طبع بفوضاه عوالم النص فآلتبس الاجتماعي بالسياسي و الاخلاقي و الثقافي و القانوني و حتى الامني و الاقتصادي لا سيما في نهاية النص.
هي فوضى “وطنية” عارمة شخصنها الروائي فصارت فوضاه و صار وطنا.
و لكن “الوطن” هرب من نفسه عندما آحترقت أطراف أصابعه و اوجعته اللا”حياة”.

انسلخ “الوطن – العدل – الرمز – القيمة ” عن نفسه و “هرب”.
هل هي نهاية رجل شجاع معكوسة ؟ أم ان العفن استشرى بحيث لم يعد هناك بد من الرحيل و بيع ما تبقى “لنا” من هذا الوطن ؟

فتات من وطن تنازعه الهموم و تنهشه ذئابه من كل الجهات و قد رحل عنه طيبوه.
قتامة الصورة تشي بحلكة الآن و لا تترك للحلم بصيص نور كما صورها الروائي و لكننا نترك الباب مفتوحا لقراءة آملة و فعل جديد ليخط رواية جديدة لوطن يستحق نسخة أخرى منه، نسخة تشبهه و لا تخون آماله.


الصّادق بن مهنّي :كلمات عن رواية “القاضي والبغيّ” للمنّوبي زيّود

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.