قراءة في ديوان “عودة البرابرة” لجلال حمّودي

img

 

و أنا اقرأ نصّ جلال حمّودي أصيل أرض مدنين معتمدية بني خداش, أستشعر في لحظة ما نكهة الماء و قسوة الطين الذي تشكلت به القصائد تباعا حتى نهاية الكتاب. و لعل هذا أشد ما يميّز ديوانه “عودة البرابرة”  الصادرة عن دار مومنت بالمملكة المتحدة حيث تتمخض عن الصلصال البربريّ صور عديدة تطير بالقارئ من المكان و الزمان الذي تجذّر فيه لتغرسه في بيئة أخرى ضاربة في الأرض و قديمة في الزمن.

“عودة البرابرة” يأخذنا منذ البدء حتى الختام إلى الجنوب الطيّب .. إلى هوائه الجاف و جبله العتيد و عطوره النادرة.

هناك أين يعيش الشاعر حربه و سلامه .. صخبه و سكونه .. شغفه و حبّه و آلامه.

هناك أين يشغل الشاعر الرقعة الجغرافية الضيّقة بأفكاره المحلّقة و الحرّة و مشاعره الجياشة التي تتوق للانعتاق من التراب نحو الفضاء الرحب.

يقف الشاعر نبيّا في حضرة الجبال و الماء و الحبيبة ..  يمرّغ وجهه طويلا في الوحل و في الكتب القديمة و يهتدي بنور قلبه وحده.

يقول: “هذا حديثك يا جبال فصدّقي، قول الجبال إذا تسامى وحيها

و تنزّلت آياتها في الروح تطفئ جمرها”

 

ربما يتراءى للقارئ من التصفح الأول للكتاب أن جلال حمودي واصل في طريق بدأه الشعراء منذ ازل في وصفهم لأوجاعهم و تجاربهم في علاقة بالمرأة و الوطن و لكنّ الزاوية التي التقطتها عين الشاعر كانت زاوية نادرة و سباقة.

حيث ارتفع هذا الأخير بمواضيعه حدّ انصهار الشخوص في بعضها البعض.

حتى أن قراءتك لبعض السطور الشعرية لن تكفي أبدا لسلّ الخيط الناظم بينهما أو لدحر اللبس اللذيذ الذي يتعمّده الشاعر ربّما لفرادته و استقلاليته.

يقول الشاعر ” من ذا الذي يهب الجبال وريده كي تلبس الأشعار دفء ثيابها

أنثى و هذا القلب يألف وردة أقصى الشمال و يحتمي بجنوبها ”

 

أين يظهر هذا التناص الشديد بين الأرض و الأنثى و تنسى المسافات و الحدود و تذكر المشاعر التي لا قيود تشدّها و لا طرق تحتويها.

هنا نجد الروح البربرية بطيبتها و قسوتها .. الروح المتأصلة في تاريخنا المنسي و ثورتنا المنطفئة المشتعلة.

يحدّثنا بعفويّة عن توقه لغريبة ربما تكون أرضه او حبّه أو حلمه.. يحدّثنا عن الأساطير القديمة في الزمن المحدثة في عصرنا .. يحدثنا عن الأنبياء و سفك الدماء الذي لا يزال خريره متواصلا .. يحدثنا عن معارك الهواء و الريح .. عن الصبايا الناضجات و الحبيبات السلطانات .. يحدثنا كثيرا عن كل خلجات صدره و عقله دون الانفلات ولو لحظة عن روح الجنوب الطيّب و قلوب البرابرة “المليئة بالحب”.

 

“عودة البرابرة” لم يكن أبدا امتدادا للقسوة التي عهدناها في كتب التاريخ في حديثها عن البربر بل كسرا للصورة النمطيّة المعهودة لبيان الجوهر الحقيقي للإنسان.

يميط جلال حمّودي من خلال هذه العودة الوجه الآخر للشخصيات التي اختارها أبطال ديوانه فيفضح هشاشتها و ضعفها أمام عنف الطبيعة و الحياة.

يتقمص دور “البربري الصغير” ليحوك من “عطر سرى بين الضلوع فراشة” .. يصنع دهشة الأشياء و يربك “نبض المكان و ملكه”.

ولعلّ التدرج من المعنى إلى المبنى في حديثي عن شعر جلال حمودي لا يستقيم أبدا إذ يصوّر لنا هذا الأخير ما لانراه في ما نراه.

يتمكّن جلال  من القصيدة العمودية و قصيدة التفعيلة دون أن يشعر القارئ بشيء من التعقيد. و رغم أنّ بعض الناقدين يعتبرون أن القصائد الموزونة تظل عالقة في إطارها الكلاسيكي الا أنّ جلال تمكّن من دعم الوزن دعما يصب في خانة التجديد و الحداثة.

يقول الشاعر “مروى هديل حمامة حطت على وقع القصائد كلها

متكامل إيقاعها .. خطواتها متفاعل متفاعل ..

لا علّة في نصّها ..”

هنا, يظهر جليا انسياب الصوت في الصورة حتى أنّ القارئ لهذه الأسطر سيندمج بحواسه كلها لتذوق الكلمات و اللحن. فتفرّ التفعيلات من دورها التقليدي نحو دور تشكيليّ ترسم به الصورة كاملة دون الحاجة إلى وسائل شعرية أخرى.

و لعلّ الشاعر قد أراد بذلك درء الصورة النمطية التي تنطبع في وجدان القراء عن الشعر العمودي و الشعر الحرّ و الانعتاق من سطوة الماضي بتجديده و تطويره بما يتناسب مع الذوق العام و الخاص على حد السواء.

و ليس الإيقاع وحده هو المحرك الرئيسي في ديوان “عودة البرابرة” بل ان الشاعر لم يبخل بشن حرب على قلبه ليخرج كل ما في جعبته من أحاسيس فياضة تظهر تباعا من خلال المشاهد المقتناة بعناية و الصور الشعرية المتراصة وفق انسيابية صوتية و حسيّة عالية.

يختار جلال حمودي زاوية رؤيته بعناية .. يجلس متأملا كل تفصيل و كل حركة في الطبيعة و في الإنسان. يخلّص نفسه من المادة أحيانا و يطير كالهواء. يعود إلى الأرض أحيانا أخرى و ينغمس في التربة. يخرج برابرته من الحجارة و الشجر و يصعد بهم الجبال و يطوف بهم الوجود.

يطوّع الصلوات و الرهبان و الكهان و الرسل و “يحج إليها .. و به من جراح المسافة ضوء” .. يصلب نفسه على عمود الوحدة و المواجع ليخرج نصا بهيّا و يغمس وجهه في كلّ الديانات ليحكي لنا أن الديانة حب.

يصعد البرابرة من جراحه .. يصعدون حفاة و لكن محبّين. تتغيّر الصورة فجأة لتؤم أنبل المشاعر الإنسانية التي يحملها رجال الجنوب و تقدح في القارئ نار المحبّة.

يبحث الشاعر عن ذاته .. يعود بنا إلى الأسئلة التي لا تهدأ في الليل. يقلّب عينيه و شفتيه و يديه ليشعر و يحلم.

يجلس “لا شيء يشغل باله ..

الله و الأسماء و الشعراء و الآيات و الخيبات و الآهات و الملكوت و الاموات

حوله مثلما الأفلاك ساعة صحوها

هو جالس و الوقت يقرأ نصه ملء الحضور”.

 

“عودة البرابرة” ليس ديوانا لتوثيق الحياة أو لتخليد الذكريات فقط, بل هو تجربة شعرية جديدة تسلّط الضوء على الإنساني المفقود .. على المشاعر التي تعرّي حقيقتنا  رغم قسوتنا و على كلّ ما كان نقيّا.

يخط فيه جلال حمودي بدم القلب سطورا حكيمة نابعة من تأمل عميق و يحاول ببساطة دغدغة صدورنا و ضخّ حياة أخرى نسيناها أو تناسيناها وسط كل هذا الضجيج.

 

آلاء بوعفيف – طالبة ماجستير اختصاص قانون

08/02/2019

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “قراءة في ديوان “عودة البرابرة” لجلال حمّودي”

  1. قراءة رائعة رغم تحاول ان تختصر القصائد في شرح يصل للقارئ بطريقة سلسة ودون اي تعقيد
    تحية حب لكما الشاعرة آلا بوعفيف والشاعر جلال حمودي .

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.