قراءة في ديوان”طريق لا تشبه الترومبيت” لــ عبد الرحمن تمام

img

مصباحٌ سِحْريٌ يكشفُ القَتَلة 

قراءة في ديوان”طريق لا تشبه الترومبيت” لعبد الرحمن تمام

بقلم/ مؤمن سمير.مصر

من بين التمايزات العديدة التي تتعالق مع إنتاج الشعرية في ديوان” طريق لا تشبه الترومبيت ” للشاعر المصري الشاب عبد الرحمن تمام، تظل الاقتراحات الجمالية المرنة والمتسعة والمنفتحة على الشعريات المتاحة والمتجاوزة للكثير منها في الحقيقة، في القلب من عملية تكوين ورصف البناء القصيدي ، حيث يفتح شاعرنا قوس المؤثرات والمنطلقات التي تنبني من خلالها كياناته الشعرية ومن ثَمَّ ينفتح أفق التلقي وينهض باحتمالاتٍ وقراءات عدة. إن منتج النص يكاد لا يُغْفِل قيمةً رؤيوية أو جمالية يحدس أنها قد تصلح لوضع لبنةٍ في التكوين الكلي ، للكيان المسمى ب “طريق لا تشبه الترومبيت ” أو الجزئي ، للنصوص المفردة، إلا ويطرقها ويقاربها ويعتصرها…وبهذا فإن المتلقي لهذا الديوان قد لا يتردد كثيراً في اعتناق فكرة ويقين امتلاك الشاعر للجسارة والجرأة الفنية التي تنأى به عن التردد في تجربة واختبار كل ما يُظَن أنه قد لا يصلح في حد ذاته لإنتاج الشعرية وتفجيرها ، وبعدها سيحاول أن يمتلك جسارة وجرأةً مكافئة تؤدي به لفتح بوابات الروح والمخيلة والوعي ليقترح هو الآخر دلالاتٍ ومفاهيمَ غير تقليديةٍ ويتبنى أو ينقض أو يكمل فراغات النصوص بحرية تامة ، ليصح بعدها أن نصف العملية الإبداعية بالتفاعل المنتج لآثاره.

تصدر القصائد عن وعي يدرِك ويقبض على فكرة التجاور الفكري بين فلسفات وأديان وتقنيات تشكيلية وسينمائية وأساليب لغوية وإنشائية وتكوينات أسطورية وخرافات وأماثيل تخص الثقافة المُنْتَجة في منطقتنا الجغرافية أو في ثقافات أخرى ، حيث أنها بالأساس تخرج من معين إنساني واحد ومشترك ،وبالتالي صلاحية هذه القيم لأن تجتمع وتنضغم معاً للمساهمة في إنتاج نصٍ متعدد المداخل والمشارب وصنع بنيته ، كما أنه وعيٌ ،بالضرورة، متيقظٌ لرحابة واندياح قصيدة النثر،تلك القصيدة التي تتيح لمعتنق فكرة صلاحيتها لاحتواء تجربته، أن يقترح ويجترح ويجرب وفق أطرٍ لا حد لثرائها وتعددها وصولاً لإنتاج نص يشبهه هو وينتمي لمنطلقاته الفكرية ويقينياته الفنية ورحلة ذاته واشتباكاتها في الزمان والمكان ، بمشروعية تامة قد تصل لنتيجة صنع تجارب ومشاريع تتعدد بعدد منتجي هذا القصيد..ويظهر اتساع هذه المنطلقات الفنية هنا بداءةً من عنوان الديوان الذي يشي بزاوية النظر الخاصة في مقاربة العالم حيث نلتقي بقيمةٍ حديثةٍ هي (الترومبيت) والتي هي آلة موسيقية من آلات النفخ النحاسية ولكن في حال رفدها وتهجينها برمز قديم مرتبط برؤية وجودية ذات توجه رومانسي، متجذرة في الوعي الجمعي هو الطريق، حيث يتحرك الإنسان في مسيرة حياته بين نقطتين هي البداية والنهاية : يسير في طريق العمر ويمر بطريق الأحلام ويهفو إلى طريق الحب وفي النهاية تظهر رحلة الإنسان على حقيقتها وهي أنها مجرد ومضة خاطفة في طريق الموت، ما علاقة هذا بالموسيقى وبالموسيقى التي تنتجها هذه الآلة بالذات ؟ هل يحدد الشاعر طريقه على أنه الطريق التي تستعير من الموسيقى التحليق وانطلاق الخيال والشفافية والوحدة والاغتراب في الآن ذاته؟ أم أن طريقي بدونك يا حبيبتي هو طريق بلا ظَهير ولا حائط ولا ظلال لأنه يخلو من أختي الشقيقة في هذه الدنيا وهي الموسيقى؟ وغير ذلك مما يرد في الذهن من احتمالاتٍ، ستكون هي سؤالك الأول الذي تورطك فيه منذ اللحظة الأولى هذه الشعرية ، لتتحدد علاقتك بهذا الديوان على طريقة التشارك والتفاعل وليس بآلية سكب الشعر في روحك وأنت مطمئن وواثق ،  وبهذا يتحصل لدينا انطباع بدئي يؤمن بشكل لاواعي بتلك الفلسفة وهذا النهج الفني الذي تتبناه شعرية الديوان وهو الجمع بين كل القيم الفنية والثقافية ، بغض النظر عن التمايزات التي قد تنتمي (للثقافة) ولكنها لا تنتمي وفقاً لهذا التوجه (للشعر)، وذلك لسبك جملة شعرية تؤدي بالتالي لاحتمالاتٍ شتى في التأويل،حيث أن الكلمات والجمل – نتيجةً لهذا الجمع وتلك المجاورة – تكتسب حمولاتٍ معرفية وجمالية أكثر انفلاتاً من التأطير وتبتعد عن تبني اليقين الجاهز بقدر اقترابها من الاحتمال وإلماعاته. 

يقدم شاعرنا إهداءً يربط بين قيمتين رئيسيَّتيْن بالنسبة لشعرية الديوان وهما “المرأة” و”الموسيقى” ، يُتبعهُ بتصدير ينقل المتلقي لأفق أبعد حيث يقدم مشهداً من (متون الأهرام) نقابل فيه بطلاً أو شبحاً منبوذاً ومحروماً من الخروج للنهار حيث تختار الآلهةُ له الليلَ مسرحاً وطريقاً للهجرة للمجهول الذي هو هنا أرض القصائد القادمة وسماءها الحُبلى بالدهشة ، والتي عندما ندلف إليهما نقابل الجملة الأولى في القصيدة الأولى(صندوق جرامافون) والتي تقول:”جدي لم يكن قاتلاً..” لتحدث لنا تهيئة أخرى تتسق مع الطرح السابق الذي يجمع وفقاً لفكرة الصندوق الموسيقِي- بين أطياف وذكريات متوالية لا تستدعيها الذاكرة تبعاً لوطأة حالات الحنين والهروب إلى الماضي فقط ، وإنما لتقوم كذلك بتفكيكها وإعادة طرحها من جديد ، فالجد الذي قَرَّ في المخيلة أنه شخصية محددة بزمان ومكان وبِسِمات شخصية تؤدي لأن يكون دوره في دراما الوجود هو القتل ،إنما هو في الحقيقة مجرد روح حرة وفكرة تختصر العلاقة بين السماء والأرض وبينهما الإنسان ،تتنقل بين أماكن عدة كالإسكندرية وتعز وطنجة وأريحا الخ مُسْقطةً بذور الموسيقى لتطلع وتنمو وسط شعوب وجماعات بشرية لها حمولاتها المعرفية وأساطيرها، لتعود الأنغام كل حين بأشكال وأحلامٍ وصور، تتحور فينا وتتحول بلا انقطاع.إن للشعرية في هذا الديوان وشائج وصلات قُربى تعلن عن ذاتها بجلاء مع: الموسيقى ،والجسد وتمثلاته الحسية والروحية ..وبالأسطورة ،وبالماضي في تجليه الشخصي أو عندما يأتي بمعنى التاريخ العام الذي يتحرك في إطار الزمن السَيَّال..تقول الشعرية في قصيدة “شامة تحت الإبط”:(ومثل كلبٍ أجرب/أعضُّ على عظم الأغاني وتواريخنا القديمة/فاطمئني/مازلتُ أعرفُ الطريق إلى النهر/وأخفُّ وسط أشباهي – ذاهلاً- كالرماد/ليتك تعرفين أن الصبح يقف أمام غرفتي عادة/ كطواشيٍ بائس/ولا يلحس من بين شفريها العتمة والدخان/ وهاأنذا/ أنحرُ أرانب الذكرى مع “فيفالدي”) وهو مقطع دال على الجمع بين غالبية القيم التي أشرنا إليها وكذلك على تفجير الدلالة عن طريق توسيع المسرح الذي تقيمه الذات للذكريات وللأفكار ثم تزجي الوقت في مشاهدة الشخصيات وحيواتها وهي تذوب ،دون إحساسٍ بالندم وإنما بقدر متجذر من نشوة مراقبة الانهيار الذي قد لا يعني هنا إلا إعادة الخلق من جديد..يقول النص في قصيدة” لثغة الفوتوغرافيا” والتي تومئ لصورٍ نفسيةٍ باهتةٍ ،حيث ما نحياه ليس نحن وإنما هي تصوراتنا الوقتية وغير الثابتة،عنا وعن ما نمثل أو نحمل من رؤى:(أتحرك وسط الغرفة/كأن قارة بأكملها مربوطة بساقي/كأنني عشت ألف حياة/أتذكر/أني كتبت إلى الله رسالة على علبة سجائر/حينما كنت صغيراً/وحدفتها لأعلى فلم تسقط!/وفعلتها ثانية على ورقة(بفرة)/ وأحرقتها/وفعلتها للمرة الأخيرة وكتبت:/”شكراً لأن الموسيقى ضريرة يا رب/فلولا هذا ما تعثرت كل ليلة تحت حائط صدري”).

يمتلئ الديوان بالأسئلة الحارقة التي تشك في كل شئ ،سواءً أكان محسوساً أو متخيلاً ولا تقترح الشعرية أية إجابات وإنما تتسلى بترك الأسئلة تتساقط في الطرقات أوفي ملابس المارة حيث يتلهى البطل عنها وعن وطأة وجوده ، حيناً بالتعاطي مع الجسد باعتباره حاوياً لقوى نفسية وخيالية تسمح بالهروب والعودة والحركة الحرة في الزمان والمكان :(لنتوقف إذن عن رمي السماء بالأسئلة الأولى/رائحتكِ لم تزل تموء على سريري) ، (وهاهو خشب استعاراتنا مبلول بالأسئلة/فأيُّ جدوى إن لم نؤانسَ ناراً؟!) وحيناً يعلن القطيعة منتوياً السفر والتجوال في الذاكرة  باعتبارها مرفأً مضموناً حتى لو كان انتقائياً ومزيفاً بالضرورة :(صدقيني لن ننجو إلا بتفاصيل بسيطة/تكفي لنخبز حكاية دون أن يقضموا أرغفتها/لنرسم مثلاً : سبع غنمات /وبئراً/ ثم نرتب الأحداث على مزاجنا)

يؤكد الشاعر طاقته الشعرية في اللعب مع المقدس واستعارة قدراته في إعادة خلق الأشياء من جديد بعد عجنها في إناء الموسيقى ،يقول:(ما القمر/إلا جِلْدة رقيقة/قطعها الله من صدر سمكة بيضاء/كان اصطادها ذات يوم في عطلة/وهي تبلبط قرب الأبدية/ثم ترك دباغتها للشعراء/فصارت دُفاً) ثم يعلن أن الجسد هو أقرب الطرق إلى المقدس وأصحها ،هو القوة الدافعة التي تمس بحواسها ما لا يُمَس ، الجسد هو المطلق في تجليه الأرضي :(الجسد سبُّورة الله /فلم لا نخطُّ بطبشور الرغبة إذن/طواسين وأجبيةً ومزامير) ، (السُرَّةُ ركوة الرب/التي أعد فيها قهوته عند بدء الخليقة) لكنهُ يقدم في قصيدة “هكذا تكلم عبد الله أو الوصايا العشر” وصاياه التي تعيد تأويل وصايا الرب لموسى في الكتاب المقدس ولكن من بوابة الجسد ،إنها وصايا الرب القريب وليس النائي خلف الجبال ،وصايا الأنثى أو الربة الحقيقية ،القديمة والدائمة على مر الأزمان ، وينشد هو متقمصاً النبي سليمان نشيد أنشاده رافعاً صوته للوجود وفاتحاً ذراعيه لتطولان السماوات:(حبيبتي – ياخلقُ- طاهرةٌ كالندى/عذبةٌ كالينابيع/ ومشرقة مثل فجرٍ مدججٍ بالضوء والأعراس) لكن قلبه المحترق من رغبته في دوام النشوة للأبد واقتلاع الزمن من اللحظة المكتملة – يتماهَ مع الشعب المختار الذي عوقب بالتيه ومضت عليه السنوات وهي تمزق أحشائه وتكوي يقينه: (تعالي يا عِزي وتُرْسي /يا من كان خِصْرُكِ كحقول الأيارو/وشفتاك غابتيْ حليبٍ وعسلٍ مُصَفَّى/يا كاملتي!/فقد تهشمت سواقي الروح من التيه ولم يعد جسدي ينامُ على رجاء) هذه الأنثى التي هي سؤال الشاعر وأرقه ليست جسداً مترعاً بالبهجات دائماً إنما تطل أحياناً لتكرس الظمأ عندما تتقمص هيئة وصيغة السؤال:(كل ليلةٍ أشوف امرأةً في الحلم /تمشي وسط صحراء قاحلة) حيث لا تمد يديها له وسط الهجير سوى الأسطورة ويبقى التخييل ليقدم حياةً جديدةً كل لحظة:(ورعاةً تصطلي الأناشيد وسط ضلوعهم /مثلي تماماً/تتحول الأحرف على ألسنتهم إلى بنات آوى) ثم لا يفتأ البطل يُنزل الأساطير من عليائها ، لأرضه هو، للخشونة والجوع والقسوة:(يرى الأساطير تفقس على الأرصفة/حين تمر شرطة المرافق والدوريات) إنهُ وحيدٌ في الحقيقة ولا يكون ممتلئاً إلا بالحيوات التي تخلقها الفلسفات والأساطير والحكايات المرتبطة بالكتب ، يدخلها ليستمد طاقةً للحياة التي يراها محضُ كومةٍ تستحق الحريق لتصحو على أنقاضها مدائنه هو ،المترعة باللذة والخوف في نفس الآن :(لن يكتمل الأمر إلا بكم يا أصدقائي/فاتركوا حبسة الرفوف قليلاً/ وانزلوا ببطءٍ واحداً تلو الآخر).

تحت مظلة النوستالجيا يقيم الشاعر خيمته جاعلاً من الذكرى وروائحها وأصواتها وطَعْمها المستعاد في الحلق بوابةً لرسم وجود آخر ،معقد بما يكفي ، للعزاء وبما يكافئ أثر الحسية على الروح : إنها تزيل الجلد وتقشر الحواجز الوهمية، ليكتشف البطل ويعاين فكرة وحدة الوجود بنفسه ،إنه يبصر عن طريق هذه الفوضى ما تحت السطوح ويعيد لضمها كقلادة على الجسد الحارق :(أنا ابن خولي القرية/كانت أمي تدسُّ ساعة الفجر في كيسي/رغيفيْن وقطعة جبن/ثم أخرج مع أبي مرغماً إلى الحقول الواسعة/لم أشأ الركض مثل بقية الصبية تحت عباءة الليل/تسليتي الوحيدة كانت هناك/عند مقام “الزعفراني”/حيث يدور الدراويش حول أنفسهم ألف مرة/تسَّاقط دموعهم لتتهشَّم على الحُصْر كأنها فوانيس من زجاج/بينما صاحبهم يغني/”زدني بفرط الحب فيكَ تحيُّرا..”).

تعد الحرب سؤالاً مؤرقاً لمبدع النص، ولا أقصد تلك الحرب التي تمسخ أرواح البشر وتحولهم لآلاتٍ موجهة بلا مشاعر ولا إنسانية، فليس ثمة حرب نظامية في النصوص وإنما هي الحرب التي تكون طرفاً في ثنائية الحب والحرب ،وذلك من جهة تجلياتهما ووجوههما المتوالية في الحياة اليومية وفي الذكريات والحكايات:( القصيدة إشبينة الحرب/فحتى متى نصنع الأعراس؟!) ، (وأمي/تؤمن مثلي /أن الحب أقدم من الحرب /لكن الرصاصة في حقيبة فرد الأمن /أوفى من الأوركيدة في دفتر شاعر ) ، (بينما تعد أمي العشاء/على نار الكانون/كنتُ أصنعُ طائرةً ورقيةً خلف المخيم/ ثم توقف أحد الجنود مبتسماً أمامي/حين مرت دورية الليل/هل تلعب معي يا عم؟) يحاول البطل هنا أن يقدم اقتراحاته من خلال وضعيته كشاعر- لمساءلة غرابة الحرب ولا معقوليتها ، في تجلياتها كافة،عن طريق الشعر كأداء يصعد بالإنسان إلى درجة مميزة وعن طريق اللذة أو حتى عن طريق أنسنة هذا الوحش وتفكيك هالاته المرعبة وتمزيق أرديته .. هذه الوضعية التي يراها رغم قسوة السواد العالق بسبورة العالم ، وضعيةً مميزة ، ويكمن ألقها في القدرة على النفخ في روح العالم وفي تحفيز إنسانيته مرةً أخرى ، الخيال الذي يمتطيه الشاعر هو التجلي الأسمى للقدرة الإلهية في رغبتها المنسية والمهملة لإنقاذ العالم ،وهي النفخة التي تجعل من الشاعر حارسَ خراب يتحصن بالموسيقى ليشوف النور المقتول في قلب خوفنا الأصيل:(قصصتُ فأنبئني الآن وقل لي/إذا مات شاعر/مَن يرمم هاتيك الشروخ/وكيف يحتمل العالم كل هذا /ا ل ب ي ا ض/ الآسن) هذا الشاعر الذي يحمل – في ذهنية النص الذي يشوف الأنثى إلهاً وخالقاً ، والشعرَ كتاباً مقدساً – صليبه في روحه وفي قلبه مصباحاً سحرياً يسلطه على العالم فيحاصر القبح ويكشف القتلة…وعندما نغلق الغلاف الأخير للديوان سنفاجئ بنص غير مدرج في نصوص الديوان يقول فيه: ( سيجئ نهارٌ آخر/نتحرر فيه من شهوة القبض على فضاء اللوحة /ونتركها هكذا/بيضاء من غير سوء/تكونين عُرْسي وصلاتي/ وأكون الذي لم أكنه/أُورِقُ بكِ /وتُورقينَ بي) لنستدعي تصدير الديوان والشبح المحكوم عليه بالليل وبالطريق الذي تغيب عنه الموسيقى ،فلا يشبه الترومبيت ، حيث نتخيل البطل جالساً تحت شجرةٍ محترقٌ جذعها يحلم بالنهار البعيد الذي يكون مزداناً بالحبيبة التي لا مثال لها ، لتكتمل عندها رحلة الديوان ودائرته.

تجمع الأداءات الجمالية إذن في هذا الديوان بين قيمتي الامتلاء والتجريد: الامتلاء كلما اكتشفنا أو وضعنا بأنفسنا ،مشروعيةً للوصل والربط بين مالا يجُمع ،هي مشروعية الشعر ذاته ،ثم التجريد عند الاتكاء الدائم على الموسيقى باعتبارها نظرتنا الشعرية للوجود حيث هي التجريد الأسمى لكل الأشياء والتي نعتاد على أن نتحصن بها كلما لاحَقَنا نفيرُ العدم، لنشفَّ ونكتمل مرةً أخرى.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: