قراءة في الرواية زهرة العوسج للكاتبة راضية قعلول 

img
Share Button

(زهرة العوسج) 
تخرج داعشي من الظلمات و تعيد له أمل الحياة 
قراءة في الرواية الثانية للكاتبة راضية قعلول 
بقلم عمر دغرير

سؤال بات يؤرقني بعد قراءة العديد من الكتب التي أفرزتها ما سمّيتْ بالثورة وهي ليست ثورة : هل أن ( طائر مينرفا لا يظهر بالفعل إلا آخر النهار ) كما قال هيقل ؟ و يأخذني الحديث الى أن أدب هذه المرحلة المتقلبة لا يظهر قبل أن يعيش المبدع الحقيقي كل التراكمات و الإرهاصات المختلفة التي تتميز بها هذه الظروف الزمكانية و التي قد تكون فاتحة لأدب جديد و هذا وارد جدا .
وهذا الأدب قد يختزل في محاولات ابداعية لأسماء جديدة عن الساحة الأدبية و قد تصبح فلتات خارجة عن النمط اليومي السائد موصوفة بالتمرد والرفض و الإبحار بعيدا في الأحداث الكبرى التي يهملها المؤرخون و كذلك التّفاصيل التي لم تطرقها كثير من الرّوايات الأخرى حتى تحفظها من التلف و النسيان . و لعلها بعد كل هذه الظروف سوف تكتسب القدرة على ابتكار أدوات البحث السردي والارتقاء بها من مجرد تقنيات فنية إلى كتابة نصوص تمتاز بالجرأة في تناول الموضوعات العادية البسيطة وتحويلها إلى أحداث فارقة في تاريخ الشعوب. وو تمتاز أيضا بالذكاء في التعامل مع المقدسات و التابوات المسكوت عنها. وقد تساهم في تحويل المشهد السردي عموما إلى فاعل حقيقي في الحياة اليومية للقراء .
(… أنا تركيبة غريبة سالكة لطرق مهدمة و الأرصفة تعربد فيها الريح و يحتفل فيها الموت بالمارين رافعا راية النصر …) هكذا تبدا حنان ( زهرة العوسج و الشخصية الأساسية في هذه الرواية ) مغامرتها وسط هذه الظروف الصعبة التي مرت بها تونس في السنوات الأخيرة .
هي إبنة البارون خالد رجل الأعمال التونسي و المالك للقصور و العقارات في كل أقطار العالم . وهي طبيبة سبق أن عملت في منظمة أطباء بلا حدود و قد تفرغت لإدارة مشاريع والدها التي لا تحصى و لا تعد . و ذات يوم وهي في فيلا نسيم الشرق المطلة على سد بني مطير دخل عليها ( حسيب ) شاب في مقتبل العمر فارع الطول عريض الكتفين بلحية خفيفة و عينين جميلتين ملأهما الرعب و الدم ينزف بغزارة من ذراعه . هذا الشاب هو في الحقيقة داعشي عاد من سوريا عبر المناطق الجبلية و هو مطارد من قبل قوات الأمن و قد تعرض الى رصاصة في ذراعه تسلل على اثرها الى هذا المنزل .
اهتمت به حنان دون خوف و عالجت جرحه .بل عالجت كل جراحه . و مكنته من الراحة و الطمأنينة و كانت البداية لقصة حب جميلة انتهت بالزواج .
( حسيب) الذي أصبح في فترة لاحقة (مروان) باقتراح من حبيبته (حنان) للهروب من مطاردة الشرطة . يقول في صفحة 17 :
( … لك وحدك أهدي كل أحلامي و آمالي يا امرأة أنقذت حياتي … يا امرأة أنبتت فيّ واحة ظليلة … يا من عيناها مسقط عشقي … أنا المتعدد الجنسيات بداخلي أنسج قصة حب يا عفراي …بثينتي و عشتاري …)
و من خلال تسلسل أحداث الرواية نكتشف أن حسيب هو ابن رجل الأعمال التونسي الصادق الدهماني الملقب بكارلوس و الذي توفي اثر عملية ارهابية في تونس .
و لعل الرسالة التي تريد الكاتبة ايصالها للقراء هي أن الإرهاب لا يستقطب الفقراء و العاطلين عن العمل فحسب و انما يختار ضحاياه أيضا من بين العائلات الثرية و أصحاب المال و الأعمال .
لقد مرت تونس و بعض البلدان العربية بلحظات أليمة جدا من العنف والقتل والدمار من أجل الدفاع عن الحرية و الكرامة . وقد وقعت مظاهرات ومواجهات مع الشرطة و عمليات ارهابية في كل مكان وفتحت المجال أمام المؤلفين والكتاب ومن لديهم الموهبة الفطرية للكتابة والتأليف لرصد هذه الأحداث من وجهة نظرهم . و بالفعل ظهرت بعض الروايات الجديدة التي تتحدث فقط عن هذه الأحداث .
و هذه ( زهرة العوسج ) واحدة من الروايات التي ساهمت في تشكلات جديدة للمشهد السردي في تونس.بي
وهي الرواية الثانية بعد (رتيبة) للكاتبة راضية قعلول و قد تكون الثالثة في الطريق حتى تكون الثلاثية الأولى للكاتبة في ما يعرف بأدب الثورة .
صدرت الرواية عن دار الثقافية للنشر في أكثر من 170 صفحة من الحجم المتوسط و هي موزعة على 12 فصلا . و في كل فصل حكاية مختلفة و لكنها تستمد جذورها من الحكاية التي سبقتها . هذه الرواية لا تخلو من عنصر التشويق وتعيد الأمل لمن ضاع في الطريق و فقد البوصلة . و قد تخرج الداعشي من الظلمات و تعيد له أمل الحياة .

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً