قراءة تأملية في رواية الصمت (سكيزوفرينيا) للروائية التونسيةهند الزيادي

img

بقلم : رنا خالد 

أستهل هذا المقال باقتباسٍ شهير للفيلسوف جان جاك روسو: ” وُلِد الأنسان حُرًّا وفِي كلِّ مكان، هو الآن يرسف في الأغلال.”

بطبيعةِ الحال، ثمة ضرب من الأغلالِ والقيود يتفوق في قساوته على غيره من الأغلال؛ يفرضها المجتمعُ على الفرد ليرزح تحتها دون أن يرسم له طريقَ الخلاص منها، وكأني بتلك الأغلال هي ذاتها التي تمثلت في رواية الصمت، بكل جبروتها ، بكل مااختلقته من معاناةٍ وأوجاع.

رواية الصمت هي الرواية الثانية التى كنت قد وصلتُ فيها إلى ضفاف الخاتمة بعد أن أرسلتها لي الصديقة هند مشكورةً ، وكنت قد قرأتُ لها سابقًا روايتها المتميزة جدًا ( لافييت) والتي كانت أول عهدي بمؤلفاتها …

كما أسلفتُ أعلاه ، هند من أصلٍ تونسي ، تتميز بتنوع نتاجها الأدبي ، تُشعر القارىء دائمًا فيما تكتب بتحملها لعبء القضايا التي يضج بها مجتمعها والتى تشكل على ماأرى جزءًا من قضايا الوطن العربي ككل بحكم تقارب العادات والتقاليد؛ وليس بالأمرِ العسير أن يلمس القارىء هذه الخصلة التي تتمتع بها الكاتبة بين صفحات الرواية.

وقد أعلنتُ سابقًا عن هذه الرواية غير أنني أرسلتُ وجهة نظري فيها بشكلٍ شخصي لصاحبةِ الرواية..
أحببتُ اليوم في هذا السياق وعلى هذا الفضاء أن أدون رأي بها .

تكشف روايةُ الصمت عن ظاهرةٍ مجتمعية خطيرة جدًا ، شديدة الحساسية (زنا المحارم) ؛شكلٌ من أشكال الإجرام بحق القاصرات إذ تدور مجرياتها حول تصرفات الوالد الشاذة تجاه جسد ابنته التي أودت بها إلى الإنتحار كوسيلةٍ للتخلص من الشعور المتأصل بالإهانة، رافعةً بذلك الستارَ عن ظاهرةٍ أخرى مرتبطة بما ذُكر أي طريقة التعاطي مع الفتيات المظلومات .

وكَمْ ساهمتْ الأُسَر ولازالتْ في وضعِ هذه الظاهرة ضمن إطار المحظور ، الممنوع من التحدث عنه أو حتى الإشارة إليه ، فما كان النتاج إلاّ أنها حصدت الكثير من المآسي في نهاية المطاف…

(الصمت) خطوةٌ أصفُها بالجريئة في إطار مجتمعات محافظة لم تتغير فيها الموروثات الاجتماعية البالية قيد أنملة ؛ تتقاطع أحداثها عبر قالب لايشوبه أي نوعٍ من التعقيدات ؛ هادفةً بذلك إلى وصله بالواقع بشكلٍ مباشر وإظهار حقيقة الآفة التي تتغذى عليه طبيعةُ هذا النوع من الإجرام.

وفِي الوقتِ الذي تزج فيه الكاتبة قدرًا هائلاً من الألم البشري المسكوت عنه ، نجدها وببراعة تحوِّط الأحداثَ بالكثير من الرغبة في تجاوز الواقع وتغييره ، متطلعةً بالأساس إلى ترميمِ الخراب النفسي للشخصيات وإعادة بناء الذات.

وقد أبدعت الكاتبة في تناول الجانب النفسي وأجزمُ أن ذلك مرده لنوعٍ من النشاط الاجتماعي والنفسي التطوعي الذي خاضته والذي كانت قد أفصحت لي سابقًا عنه ، حيث قامت من خلاله الروائية بالتواصل مباشرةً مع المواطنات والإنصات لمشاكلهن وهمومهن ، هذا علاوةً على تفوقها في صياغة أسلوبٍ مثيرٍ للحوارات بين شخوص الرواية بما يُضفي الكثيرَ من الواقعية ويبتعد بها وبنا كقرّاء عن فضاءِ الخيال.

ومابين أحداث الغرفة المظلمة الباردة التي شكلت إحدى المشاهد الرئيسة في الرواية، وذكرياتٍ مشوشة لطفلة تحاول انتزاعها من ماضيها ساعيةً لإعادة علاقتها السوية بجسدها ؛ للتكيّف معه واحترامه كوسيلة تمكنها فيما بعد من مواصلة حياتها بطريقةٍ سوية ، مرورًا بانتحار طفلة أخرى أضحت فيما بعد مجرد رقم في ملفٍ على رفٍ من أرفف مستشفى الأمراض العصبية والنفسية المهملة ، وختامًا بمحاولةٍ جادة للفكاكِ مِن براثن المعضلة على النحو الذي وضعته الكاتبة وأرادت به إنهاء الرواية دون إقفال لباب القصة، بما يحفز القارىء على إعادة التفكر مليًا في صلب المشكل.

يقول بليز سندرار الروائي والشاعر الفرنسي- السويسري: “عندما أكتبُ لا أغمس ريشتي بالمحبرة بل في صميم الحياة ” ، وأحسبُ أن هذه الرواية لم تكن لتولد وتعيش لو لم تستزرع فيها هند الزيادي شريانًا من شرايين الحياة المُعاشة، وذلك ما أختمِ به.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.