قراءة انطباعية في رواية من أوراق مسعود اللفتي لــ سالم دمدوم

img

قراءة انطباعية في رواية من أوراق مسعود اللفتي

لسالم دمدوم

بقلم الهادي عرجون

 

لا شك أن هذا النشاط الكتابي الذي عرف به سالم دمدوم خاصة و أنه أصدر منذ سنة 2000 إلى حد الآن مجموعتين قصصيتين و 3 روايات آخرها ” من أوراق مسعود اللفتي ” التي سنتناولها و نكشف خباياها، و نتيجة للمخزون الثقافي والفكري المتراكم الذي تماهى في ذهنية الروائي سالم دمدوم كان يكبر ويتفاعل في فكره ومخيلته مع تقدُّمه في السن، ولعل كثرة ما يكتب الآن مقارنة بالقلة التي عُرِفَتْ عنه في الستينات و السبعينات حيث نشرت له عديد النصوص القصصية بمجلة الفكر مثل ” إمرأة من الريف ” و التي ضمها لاحقا في مجموعة قصصية تحت عنوان ” زعرة “، ولكن التعطش المستمرّ للإنتاج القصصي و الروائي، ما لبث أن خرج من حصار الوظيفة الروتيني الثابت حتى تقاعده و هو ما جعله متفرغا للكتابة ، و التي كانت ثمرتها روايات و مجموعات قصصية أثرت المكتبة الأدبية التونسية و العربية عموما.

في بداية الرواية يضعنا الراوي في الإطار الذي بنيت عليه الرواية مبينا تعقيداتها و عدم انسجامها بقولة لألبرتو إيكو” إذا كانت عوالم التخييل السردي بالغة الضيق فلماذا لا نحاول بناء عوالم سردية، تكون بالغة التعقيد، و متناقضة و مستفزة شبيهة في ذلك بالعالم الواقعي ” (1).

و للإشارة فإن الكتابة الروائية أو القصة القصيرة لم تعد ترتكز على مقوماتها التقليدية فحسب بل طورت أساليبها و اتخذت مسارا جديدا في الكتابة تمثل في التجريب أو الكتابة التجريبية التي تمثل بالضرورة الفصل و الانقطاع عن وسائل الكتابة التقليدية التي كان يتبعها كتاب الرواية والقصة القصيرة في العالم العربي و العالم عموما، لذلك سعى  رواد الرواية الحديثة إلى البحث عن وسائل جديدة تسهم في تطوير الأشكال التقليدية لفن الكتابة السردية، و هو ما جعل الأديب المعاصر يستثمر التراث و التاريخ و الأسطورة في كثير من الأعمال الأدبية المختلفة؛ رغبة في إنتاج تجارب فنية متميزة و متفردة.  و هو ما ساهم في ظهور موجة جديدة في الفن الروائي و القصصي ليكون توظيف التراث بكل مجالاته التاريخية و الثقافية و الأسطورية في هذه المرحلة أحد التيارات الأساسية لعملية التجريب الفني في الحركة الروائية العربية المعاصرة.

إنّ ما يميز الكتابة عند الروائي سالم دمدوم في هذه الرواية هو مقدرته الواضحة على المزج ما بين الواقعي و التراثي من ناحية و المتخيل و الافتراضي من ناحية أخرى فهو يبحر بنا في مسارب نجهلها دليلنا فيها هو ذلك القبس من النور و العصا التي تقود صاحبها إلى حيث يريد دون أن يخطئ الطريق ذلك هو سالم دمدوم يدخل بنا نحو طلاسم روائية لا يتقن كنهها إلا هو فهو مسعود اللفتي تارة و تارة دانيل و تارة ذلك الفتى الذي راقب باحثة الآثار تبحث عنه في كل شخصيات الرواية ليزرع أنفاسه في شخصياتها يتمرد عليها تارة بقصص تراثية ألبسها جبة الواقع و مرر أنامله بين ثنايا التاريخ و قبض قبضة من آثار الأولين و الآخرين لينير لنا رغم ما يكتنف هذه الرواية من غموض طريقا نكتشفه مع تعدد قراءاتنا للرواية التي نكتشف فيها عمق ما يرمي الإفصاح عنه.

فرواية ” من أوراق مسعود اللفتي ” هي عبارة عن جملة من المتناقضات و الأشكال الروائية التي تمردت على الشكل التقليدي للرواية العربية عموما فتوظيف التراث الثقافي و الأدبي، يعده أغلب النقاد من أهم  الظواهر المميزة في الأدب العربي الحديث؛ فالتراث أصبح مصدرًا أساسيًا، ومكونًا من مكونات العمل الأدبي وتكمن أهمية التراث الأدبي في أنه: “غدا ثقافة متداولة فهو ينطوي على مادة نثرية وشعرية غنية فيها قيم إنسانية صالحة للبقاء والتداول” (2).

و هذا ما جعل الرواية تتأسس على التنوع و التباين و الفوضى و الغموض تطرح علينا أفكار الكاتب بطريقة مشوشة و هو نهج من الكتابة اعتمده عدد من الروائيين العرب و نأخذ على سبيل المثال لا الحصر الروائي صنع الله ابراهيم خاصة في روايته ” ذات “.

فالرواية شملت في جوانحها جملة من الفنون ( قصا و إخبارا و شعرا بالإضافة إلى الأسطورة ) معتمدا على الوصف الدقيق للأشياء مما جعل الراوي كأنه ينقل لنا أحداث فلم سينمائي أو يظهر لنا جوانب دقيقة من صورة فوتوغرافية أراد تجسيدها في لوحات الرواية التي جمعها من كل شيء بطرف يرتبها و يركبها كلعبة البازل و هو يشدها تارة و يسوي تعاريجها ليضعنا في قالب الأحداث السياسية التي واجهتها تونس و المتناقضات التي عاشتها و التي انعكست بصورة سلبية على أفراد المجتمع التونسي و على نفسية الكاتب عموما الذي يعيش شعورًا مزيجًا من الإحباط والحزن و التمرد و الرفض.

فسالم دمدوم جعل من التاريخ و الوثائق و الشهادات الواردة بأوراق مسعود أللفتي مجرد خلفية للتعبير عن آرائه بغوصه في عمق الواقع الأليم و الخيال و هذا ما يجعل شخصيات الرواية لا يمكن تجسيدهم فـــي شخصيـــات معينـــة و لا يمكن حصرهم في إطار مكانـــي و زماني معينين  فهو يقفز بنا من زمان إلى زمان و من مكان إلى مكان يشق بنا مسالك التاريخ  مما جعل الرواية تعج بقصص تراثية و أحداث تاريخية حيث بدت هذه الشخصيات تتستر وراء ستار التراث و التاريخ لإخفاء وضع سياسي و اجتماعي في حقبات زمنية مختلفة.

ومن هنا يعني توظيف التراث تحديدًا ” الاستفادة من الخامات التراثية في الأعمال الأدبية وشحنها برؤى فكرية جديدة لم تكن موجودة في نصوصها الأصلية الغفل، والمتاح من أشكالها فنيًا وجماليًا”(3).

وأمام هذه النكسات السياسية و التقلبات الاجتماعية ، اتجه سالم دمدوم إلى استدعاء التراث و توظيفه غير أن الهدف من استدعاء التراث لم يكن لمجرد المعايشة النفسية فحسب، وإنما كان من أجل نقد الواقع بصورة ساخرة داخل المجتمع دون أن يقحم آراءه بل ترك القارئ ببساطته و عفويته للتخلص من الغربة داخل المجتمع و تفاديًا لمواجهة المجتمع المحافظ بأعرافه وتقاليده. ويتجلى ذلك في الحديث عن أخبار حارس السوق ” خليفة المزة ” و كيف عومل لأنه منع السارقين من السرقة، و الذين اتضح أنهم من أيان البلدة و من ذوي الجاه و الحضوة ( حاميها حراميها ) ” و لما جرى البحث و التحري معهم تبين أن ثلاثة منهم من رجال الوجق و أثنين من أبناء رجال الدرك و واحد ابن خالة الأمير. و أطلق سراحهم جميعا، و حبسنا الأمير شهرين كاملين …” (ص92).

كما أن نظرة المجتمع إلى بعض القضايا؛ أدت إلى تعامل الراوي مع الرموز و الحكايات المستوحاة من التراث في هذا الإطار؛ رغبة في عدم مواجهة المجتمع بكل ما فيه من سلبيات و تناقضات و استعمال الدين كوسيلة للضحك على الناس و استغلالهم ” لقد حضرت مرة درس الشيخ برهان الرحمان الشعشعاني، فسمعته يقول: من طالت لحيته حتى تجاوزت سرته بشبر، دخل الجنة …” (ص96).

كما تتبين سخريته خاصة في – أخبار برهان الرحمان – حين يعرج على شيوخ الإفتاء الذين يفتون بأشياء ما أنزل بها الله من سلطان لمجرد التكسب و إرضاء السلطان ” جربت طرقا كثير، و وسائل متعددة، فلم أجد وسيلة أمضى من الدين للإحتيال على الناس، وجعلهم يصدقون كل شيء…” (ص98).

و هذا ما ذهب إليه الدكتور أحمد الودرني في تقديمه لمجموعة “كتابات على أجنحة النوارس” بذلك يخلع الكاتب على حياة الإنسان رداء العبث الصفيق. أليست القصص ذات البداية غير المقنعة و النهاية غير المعروفة اختصارا فلسفيا دقيقا لحياة ملؤها العبث؟ و إلا بما نفسر الكلام على قانون الصدفة و على الأقدار التي لا سيطرة للإنسان عليها؟ هل اختار الإنسان بداية حياته و نهايتها حتى يختار بدايات قصصه و نهايتها؟ فلا غرابة أن يعتري القارئ شعور بأن دمدوم بنى نهاية الرواية على آفاق مفتوحة”(4).

و لكن المهم في شخصية البطل مسعود اللفتي أن هذا الرجل جاء بالغموض كله فهذه الشخصية هي إحدى شخصيات روايته ” خبر النقيشة ” و هو الشخصية الملغزة في المجموعة القصصية ” كتابات على أجنحة النوارس” في أقصوصة ” البحث في أوراق رجل مفقود ” كأن الراوي هو الباحث في أوراقه يجمع ما كتبه منذ سنوات يرتق بعضها و يزيد من بعضها إلى بعضها و هذا يمكن أن يكون لشخصية الكاتب دور كبير في ابرازه حين نتحدث عن لا وعي الكاتب فهو يكتب منذ السيتينات و لم تصدر كتاباته إلا في بداية الألفية الثالثة و هو ما ولد لديه زخم كبير من الأفكار و المخطوطات.

و هذا ليس بالغريب إذا تبين لنا التشابه في اسم الشخصية المحورية ( الدكتور مسعود اللفتي ) الذي نراه في أوراق رواية خبر النقيشة رجلا مجنونا يسمى أحمد عنبة يعاني من مطاردة امرأة وهمية كانت جارية أندلسية فاتنة و مسعود اللفتي في هذه الرواية فكليهما يبحث في أوراق يحاول قارئها تصفيفها و إخراجها في إخراج رائق يجمع فيها تلك الأوراق المبثوثة في ذلك الملف الذي نفض عنه الغبار ليروي لنا محتوى الأوراق و نكتشف مع الراوي شخصية البطل و ما مرت به من أحداث و أفكار، و هو ما يجعلنا نعتبر أن رواية من أوراق مسعود اللفتي هي امتداد لرواية خبر النقيشة في أفكارها و في منعرجاتها التي بنيت على غير معمارها المألوف. حلزوني زئبقي عصي على الضبط و المحاصرة مما يحيلنا على أن هذه الرواية مجرد مذكرات أخذ صاحبها ما علق منها بذاكرته و ترك بعضها و غير شخوصها و أحداثها.

و لا يفوتنا التشابه كذلك في شخصية مسعود اللفتي في رواية ” من أوراق مسعود اللفتي ” و شخصية الدكتور عارف في أقصوصة ” البحث في ملفات رجل مفقود ” يقول الراوي: ” مكتبة كبيرة مليئة بالكتب … كم هو جبار الرجل الذي استطاع أن يستوعب كل هذه المؤلفات” (ص78) و رواية مسعود اللفتي ” … ثم اتجهت مباشرة إلى المكتبة، كنت متوترة أبحث عن شيئ غير واضح في ذهني “( ص40 ) فكلا الرجلين مثقف له مكتبة و كتب كثيرة.

كما يزيد في تقابل هذه الشخصيات هو ارتباطها بشخصيات تتغير فيها الأسماء لتبقى الاحداث في مسارها و هذا ما بدا في رسالة جاكلين: ” آسفة يا حبيبي اعتذر عن هواجسي، فأنا عندما أكون بعيدة عنك تغتالني مخاوف و شكوك لا مبرر لها…” (ص 102) و رسالة صوفية في “كتابات على اجنحة النوارس”: ” لا ترحل عني يا عارف لا تتركني شهقة عذراء في فم الحيرة و الترقب، و في يم الضياع تمزقا و اغترابا” (ص97) و هنا نتبين أن كلا الشخصيتين أجنبيتين ” و جاكلين بما منحها الله، و الريف الفرنسي، عاصفة تنحني لها أعتى الأشجار لا يستطيع ابن الريف الشرقي الطباع مقاومة إغرائها” (ص73) و كذلك المحقق في كتابات على أجنحة النوارس الذي قرر البحث في حياة الدكتور عارف للتعرف على هوية صوفية المغرمة بالدكتور:” …فإذا فيه خصلة شعر لسيدة شقراء، ناعمة كالحرير و معطرة…” (ص97). مع العلم أن هاتين الشخصيتين تتقنان فن الخطابة و الشعر و هو ما يجعل أنهما نفس الشخصية غلبت على أفكار الراوي لتكون ثابتة في شخوص رواياته وأقاصيصه أو ربما تجربة شخصية و ذاتية يحن إليها الراوي أو جزء من ماضيه.

و هنا أعود إلى ما قاله “جان كلود رونو” في كتابه ” كلام الراوي “: ” إن أولى أدوات الراوي هي ذاته، لا أقول صوته فقط و لكن شخصيته، جسده، مدى اللذة التي يشعرها حين يروي”.

و رواية ” من أوراق مسعود اللفتي” تأخذ من هذا الشيء الكثير فهي رواية متنوعة المشارب والأنواع سافر بنا صاحبها بين روحه و أفكاره ليجمع لنا نصا تنوعت فيه الأصوات وتعددت في ثناياه أنماط الكتابة بمختلف مشاربها فجاءت فسيفساء أدبية و هو بذلك ينزاح إلى ضرب من التحليل النفسي لشخصياته التي تبدو شخصيات مركبة بثت خواطرها وأفكار صاحبها بأدوات فنية جمعت بين الخبر الصحفي و الأدبي و بين المذكرات و الحكايات العجائبية والأسطورية و كذلك بين الرسالة و الشعر …

و هو ما يمكن اعتباره تمردا على نمطيّة الكتابة الروائية التقليدية السائدة باعتماد على تقنيات جديدة و أسلوب سردي غير مألوف موغل في التجريب الذي يرفض الاستناد إلى قواعد معينة و هو يعتبر من الأشكال التجديدية في كتابة الرواية الحديثة باعتماد وسائل فنية جديدة تثري العمل الأدبي، وتسهم في توضيح فكرته؛ فيوظف الرمز الأدبي، ويستغل التراث القصصي لإبراز فكرة معينة يرمي إليها الراوي ليستغل دلالتها الإيحائية؛ لتحمل مضامين عصرية جديدة ” إن توظيف النصوص التراثية الأدبية في النصوص الأدبية الحديثة هو نوع من أنواع التناص يحدث بصورة مقصودة واعية، ويستهدف توجيه تلك النصوص؛ لنقل رؤى، وأفكار معاصرة “(5).

من أوراق مسعود اللفتي للروائي سالم دمدوم تعد محاولة جريئة مختلفة عن السائد المألوف و عن الرواية التقليدية التي نعرفها فهي مغامرة في الكتابة السردية محورها البحث في أوراق مسعود اللفتي و حقيقتها نقد الواقع و الخلاص من أدرانه باستعمال أدوات فنية و تصويرية تعكس تمكن الراوي من الرواية التجريبية الحديثة التي اكتسحت بتقنيتها الجديدة الرافضة للقوالب الروائية التقليدية في الأدب العالمي و العربي و التي يصفها الدكتور محمد الباردي: ” هو الذي يشخص فترات القطيعة في التواصل الإبداعي، ويوافق بالنسبة إلى الكاتب والقارئ تحررًا من المصطلحات السائدة” (6).

و في الختام لا يمكنني قراءة هذه الرواية دون أن تحفزني إلى الكتابة عنها فسالم دمدوم سارد صعب المراس يتجول بين ثنايا السرد يبني للرواية بيتا ليحدثنا عن غربة الإنسان في وطنه و عالمه و صعوبة التواصل مع الآخر المقنع الذي يبث سمومه في المجتمعات بآراء و أفكار غريبة عنا تنخر جسد الوطن العربي.

 

 

 

 

 


  • ألبرتو إيكو: ست نزهات في غابة السرد.
  • جابر قميحة. التراث الإنساني في شعر أمل دنقل، القاهرة: دار هجر، 1987. ص 13 و 14.
  • الرشيد أبو شعير. دراسات في المسرح العربي، دمشق: دار الأهالي، 1997 ، ص 45-46.
  • أحمد الودرني تقديم المجموعة القصصية (كتابات على أجنحة النوارس ص19).
  • حسن المخلف، توظيف التراث في المسرح، ص
  • محمد الباردي، الرواية العربية والحداثة، ص

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: