في نون النسوة شعرا (عن نص النساء لهدى الدغاري)

img

الإهداء

إلى الفقيدة التي بكيتها وحيدا : ميّة الجريبي أيقونةً  في أثير النساء  ( ماي 2018  / مارس 2019)

 

في نون النسوة شعرا (عن نص النساء لهدى الدغاري)

بقلم : أحمد بن زايد 

  ahmedzayed67@yahoo.fr  

تطاوين .مارس 2019

ونحن ندرس الشعر في دراستنا الجامعية توقف بنا أستاذنا محمد الهادي الطّرابلسي طويلا عند الايقاع مكوّنا للشّعر. ولكنّه لم يكتف بإفهامنا الايقاع العروضي أوالصوتي أوالجَرْسيّ والذي يسمّيه إيقاع النّصّ بل أكّد كثيرا على أنّ إيقاع الشّعر أعمق من مجرد الأجراس الصّوتيّة  في الأوزان . بل هو أساسا إيقاع في النّفس ووقْعٌ فيها يخرج  بنا من عوالم الواقع إلى عوالم الشّعر ،وهي عوالم تخييليّة  وإلى آفاق وجودية غير التي نعيشها ونراها ،وهي آفاق الحياة بما فيها ومن فيها عبر الزمان والمكان وفي الوعي والفكر والثقافة.

ونحن نواصل الاطلاع على تلاعب الإنسان باللّغة نكتشف مع لايكوف وجونسون –[1]– أنّ  الاستعارة ليست مجرد زينة لغوية ولا هي تحلية للكلام بالغريب أو الطّريف .بل هي  أساس من أسس التّفكير ومنطلق من منطلقات الرّؤيا .والاستعارة في ما يتم تداوله، مجاز إلى عوالم أخرى تخلقها لغة تجافي اللغة اليومية وتناقضها بل وتعاديها . ولكنّها في عمقها الحقيقي استجلاب عوالم خياليّة إلى عوالم الواقع. فليس فيها سفر بالخيال وتجاوز للحقائق مجردا محضا بل فيها تأثيث لعالم الواقع بشيء من مجالات الخيال . فالمجاز والاستعارات كما بصورها الدرس العرفاني” شكل من أشكال  التّعبير والتّواصل  في حياتنا اليومية وليست حكرا على اللغة الشعرية  (من  المقاربات العرفانية وتحديث الفكر البلاغي  ل سمية نجاح مصمودي  ص166)  و ” الاستعارة والمجاز المرسل بنيتان تصوّريّتان تشتغلان وفق آليّات عرفانيّة ذهنيّة  ولهما تعلّق بالثقافة والواقع والجسد  (ص 164 من السابق)

فاللّغة في الشّعر بانية للمعنى مُبَيّنَةٌ له من جهة ،ولكنّها من جهة أخرى حاجبة لهذا المعنى إذ تقذفه في عوالم لا يدركها إلاّ من كان الشّعر عَيْنَه التي يرى بها الكون . ف”قد تعكس ..الوحدات اللغوية  .. قوة التّمثّلات الذّهنية المتاحة لدى الشّاعر وكفاءته اللّغوية الإبداعيّة المتفرّدة ….من جهة كما أنّها قد تكون من جهة أخرى عائقا بالنسبة للمتلقي للوقوف على التأويل المباشر للمعنى  … فتسقطه في ارتباك التلقّي وغموض الفهم واختلال التواصل المشترك” .( ورقة للمغربية خديجة وحيد  في كتاب النص والخطاب في المباحث العرفانية :اعمال ندوة بقابس ). وليس للّغة وقد رُتّبتْ كلاما إلاّ أن تكون خطابا فلا بدّ لها من مرسل ومتقبّل ،ولابدّ لهما من تواضُعٍ (أو مواضعة) على حدود دُنيا من المعنى ومن الشّكل فإن اختلفا وتباينا إرسالا واستقبالا  سقط الكلام –كل كلام- في دائرة الغموض والالغاز والابهام .ومن هنا يتحتم على الشاعر منتجا للنّصّ وعلى المتلقّي مستهلكا له، البحثَ عن نقاط التّقاطع والاشتراك لتتحقّق عمليّة التّواصل فينهض الخطاب  الشعري بوظيفته ويجد الشاعر بيئة تتقبّل إبداعه ومتقبلا يتاثر بالنّصّ فيعيد بناء معانيه في القراءة والنقد والتداول .

تاتي هذه المقدمة  النظرية / التنظيرية  لدخول نص للشاعرة هدى الدّغاري الذي بدا لنا  نصّا يخرق السّائد ويعيد الأشياء سيرتها الأولى  فيعطي الشعر حيويته الأساسيّة ودوره الرّئيس في إعادة تشكيل صور الأشياء والوقائع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة شخصيّة للشّاعرة التونسية هدى الدغاري 

في النص وبنائه لغة ومعنى

ليس في النص غزارة ايقاع ولا جمال جرس ولا نسقية وزن . فالنص “شعر” إلى النّثرأقرب  يسميه البعض ” قصيدة النثر” ونعمد إلى عبارة “نصّ شعريّ”  لتجاوز جدل الخصومة المتواصل في ثقافتنا اليوم .فليس في الإسم إلاّ جماليّة تناقض بين لفط “قصيدة” المُحيل على الشّعر بمعناه التّراثيّ الكلاسيكيّ والنّثر باعتباره المقابل الموضوعيّ والضّدّ البلاغيّ عند القدماء  وعند كثير من الحداثيين لمفهوم الشعر. ففنون القول عند الكثير منّا تنقسم الى جدولين كبيرين هما المنظوم والمنثور وهما اساس البلاغة عادة بل إنّ من يقصر به الفعل في أحدهما يكون عند القدامى في عداد المنبوذين من عوالم البليغ. وكان الحداثة في مفهوم المصطلح “نصّ” كسر للحدود وتمكن من المتضادّات واجتماع للموجودات في عالم واحد صغير يلخّص عوالم الإنسان الكبرى.

وليس في النّصّ تلك البيانيّات العتيقة رغم أنّ موضوعه قديم قِدم الشّعر،بل قِدم الإنسان /الشّاعر. ألمْ يقل ابن قتيبة إنّ إلْف النّساء محبّب إلى النّفوس لائط بالقلوب ؟ فأن تكون المرأة موضوعا شعريّا فذلك يعني أنْ تُصَوّر بالجميل الجميلَ كما تراه .وأمّا أن يكون “الكاتب صاحب” النّصّ امرأة فالأمر مختلفٌ وخارج المعتاد . وأن يكون النّصّ بين شعر ونثر أومن قصيدة النثر فإنّنا بذلك أمام تجربة أخرى مغايرة للمألوف خارقة للمتداول. ويذكر قدامة بن جعفر  في نقد الشّعر النّسيبَ وهو ما تعلق بالمراة من القول الشّعريّ “عادة” فيقول : “إنّ النّسيب ذِكر خَلْق النّساء وأخلاقهنّ  وتصرّف أحوال الهوى به معهنّ ……. والغزل (وهو متعلق بالنسب عنده) هو التّصابي والاستهتار بمودّات النساء…..” (قدامة بن جعفر ” نقد الشعر ص134) وأن تتحد{ث امرأة عن النّساء أي عن ” نفسها ” وأن يكون الحديث شعرا فذلك مكمن الطريف الرائق . وأن يتحوّل الشّعر من الوصف المجرّد الذي “يحوّل السّمع بصرا” إلى نصّ يعيد بناء العناصر ويكشف حقيقة الموجودات فذلك مما رمت اليه صاحبة النص. فهي إذ تذكر النّساء بإطلاق إنّما تتحدّث عن ذاتها . وإذ تكشف حقيقتهن إنّما تكتشف نفسها بل وتكشفها للقارئ.

النص جملة اسمية مكتملة موضوعها النساء “هُنَّ” بمطلق المعنى وبمطلق التصوّر النّصّ أقرب في بنيته الكبرى إلى التّقرير والتّعريف  موضوع ومحمول أو مبتدأ وخبر.  وليس هذا بالغريب فكلّ الشّعر كشفٌ لحقيقةٍ مخفيّةٍ في النّفس والشّعور أو في اللّغة من خلال ألعاب اللّغة وتلاعب المعنى بالعبارة والعكس فالنساء اسم جامع  للشاعرة وغيرها وهي اذ تتحدث عن هن انما تلحقها ب “النحن” وتلك اعمدة الشعر أن تقول نفسك عندما تقول الآخر أو أن ترى نفسك في الآخرين . وعلاقة العنوان بالنّصّ هي علاقة الرّأس بالجسد في بنية جسمٍ هي (القصيدة) وابتعاد الشّاعرة عن ضمير المتكلّم مفردا أو جمْعا إنّما يأتي في  سياق الخروج بالنّصّ عن الذّاتية الخانقة للمعنى  ولغاية التّحرّك في رحاب العالم الإنساني من خلال الأكوان الشّعريّة المبتدعة وفي هذا يقول بلقاسم خالد عن العنوان عند ادونيس  “بين الاسم والمسمى مسافة تتخذها الذات الكاتبة فسحة للتامل بما يهيئ المسمى للتجدد  ويمنع الاسم من تملك المسمى والتسلط عليه””” ( بلقاسم خالد ” ادونيس والخطاب الصوفي : البناء ىالنصي مجلة فصول المجلد 16 العدد02 سنة 1997).

فالعنوان في النّصّ بهذا نقطة الإشعاع التي ينطلق منها النّصّ لتنتشر في الفضاء اللّغوي والشّعري مكوّنة بناء متماسكا من جهة التركيب والمعنى. فكلّ المحيلات اللّغوية في التّركيبات النّحويّة مرجعها النّساء (اضافة ونعتا وفاعلية ومفعولية..) .كما تتعلّق بالعنوان (النساء) وكلّ الذّرّات المعنويّة. فتعود إلى “النّساء” معنى شاملا لينتهيَ النّصّ بعودة السّطر الاخير إلى النّساء في مطلق المعنى فهنّ ” يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهن “.وبهذا تكتمل الدّائرة ويكتمل المعنى المخاتل المداور الذي يلتبس بعضه ببعض.

في المتن النصيّ

إنّ ما نحن بصدده هو ما رأته الشاعرة بتلك العين العجيبة ،عين الشاعر التي  خلقها الله للإنسان لكي يكتشف روعة الجمال في كون الله المخلوق كما قال ايليا ابو ماضي  الشاعر[2]. فكلّ أغراض الشّعر ،القديمة والحديثة، كشف للمجهول وارتياد للعوالم القصيّة ووصول إلى تخوم الأشياء والعناصر والكينونات .هي – كما يقول لطفي اليوسفي – إطلالة على مدارات الرّعب واكتشاف الحقيقة التي لاتظهر إلاّ للمصطفين من ذوي الدّرجات. فعمّن تتحدّث الشّاعرة في نصّها ؟أوعمّن يتكلّم النّصّ ؟أوما الذي بلغنا ممّا قالته الشّاعرة في النّصّ وماقاله النّصّ عنها؟

ما الذي رأته الشاعرة وما الذي كشفه الشعر في النص؟

 

عين النثر وعين الشعر

في النّصّ قطبان معنويّان أساسيّان : قطب الوقائع وقطب الخيالات أو قطب النّثر وقطب الشّعر

° قطب الوقائع والنّثر النّصّ

وهو قطب تكتشفه في العين النّاظرة الحسيّة . وفيه تكون النّساء  عناصر حسيّة بسيطة تدركها الحواس إدراكا مباشرا وإنْ كان له نصيبه من الاستعارية .ففي أسس الفكر تتربّع استعارة النّساء  طبخة / أعواد ذرة/ قميص بأزرار/ تربة ليّنة/ سوق خضار/ تفاّح يقضم أو يترك/ لباس قطنيّ/ فستان مرح/  فساتينهن مظلة بفعل الرّيح. في هذا القطب النّساء عناصر من الحسّ تدركها العين النّاظرة  وإن كانت تربط بين الحسيّ والنّفسيّ فضحكهنّ ودّ ولعبهنّ لعنة  وهنّ في النّهاية مظلات وفساتين وريح .

أوّل مل يلاحظ في هذه الصّورة /المشهد أنّها ترى بعين واحدة ،عين الحواسّ . ففي الصّورة من النّظر ما يكشف حسّيّة المشهد. صورة فيها بصرٌ يُظهر الأشكال والألوان والحركات  (التفاح والذرة ). وفيها سمْعٌ يتجسّس على الضّحكات المكتومة الخجولة  (ضحكات مكتومة  وقميص مزرّر  ونميمة متفجرة). وفيها ما شمٌّ يكشِف من الرّوائح ما يضوع  ( الطّبخة والتّفاح ). وفيهاها ما يُلمَس  دالاّ على الرّقّة واللّيونة  (لباس قطنيّ وفستان مرح)  هذه العين التي ترى والحواسّ التي تدرك ليست عين المرأة. بل هي عين أخرى بعيدة غريبة ، تجلس هناك في المقهى الرّجالي تتجسّس وتتلصّص لتقتحم ذلك العالم السريّ ،الحالم ،السحري . تلك هي المرأة، بدايةُ حسٍّ مُطلَق ، لحظة إحساسٍ بنشوة إدراك طفوليّ للكون مجسدا في المرأة م النّسوة.

الرّجل ذلك الطفل البليد الذي لا يدرك من الاشياء إلاّ ظواهرها .ولا يعي عالم المرأة إلاّ بعينه النّاظرة وعبر قناة الحسّ البليد ، سريعا ما يتراجع لترى الشّاعرة المرأة بعينها (عين الشّاعرة وعين المرأة) وليس هذا بالغريب عن  العربيّ وعن شعره وعن عالم المرأة فيه يقول إحسان عباس عن نزار قباني في علاقته بالمرأة (وهو شاعر المرأة بامتياز في ثقافتنا الحديثة) “الطفل في نزار يقترب من تلك الأشياء والحركات وهو مصمّم على ألاّ يحترق وإنّما يريد أنْ يرجع وقد قبض على لحظة شعريّة (إنّي أحارب بالحروف وبالرؤى) وهو يرى ويسمع ويلمس.ولكنّ انبهار الطّفل عنده لايتجلى إلاّ حين تكون المرأة بعيدة ( ‘احسان عباس اتجاهات الشعر العربي المعاصر ص 138-139). هذه صورة نموذجٌ للمرأة في شعر الرّجل العربيّ وإن كان الأكثر حداثة والأقرب إلى عوالم المرأة  (في مرحلة من مراحل سيرته الشعرية على الاقل).

°قطب الخيالات والشعر:

أمّا في  القطب الثّاني  من نصّ هدى الدّغاري فتتحوّل المرأة إلى عالمٍ من التّناقضات،سريعة النّضج ،عسيرة الهضم. وهي عالم سريّ خفي لا يدركه الأغرار من المحدودين بالحسّ والمادّة ،والحمقى الذين يكتفون بظواهر الأشياء (هن كوب الشراب الخفي / اكوام اللباس المستعملة /عند امزجة الفصول/ رائحة السمك المشوي وعبق حبات الذرة).والنّساء الغارقات في الحسّيّ من اللّباس والموضة والرّوائح العَبِقة المثيرة ،النّساء المتقلّبات بين الفصول حرّا وبرْدا ،هنّ في نهاية المطاف من يصنع الفصول. بل على أعتاب أنوثتهنّ الطّافحة تنضج الفصول وتُصْنع الحياة( يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهنّ). وهذا التّحوّل الشّعريّ الرّؤيويّ لايسقط في غرابة الصّورة ولا في عسر اللّفظ بل إنّه يكتفي بالبسيط الخارق و يصل حد استثارة الجميل والمبدع في المبتذل من عناصر اللغة دون أن يكون سطحياّ أو بسيطا. بل إنّ جماليّته تكمن في  تحويل المألوف إلى مدهش والمعلوم الأليف إلى غريب  موحش او متوحّش وفي هذا مكمن إبداع شعريّ كما يفسّر ذلك  الأستاذ توفيق قريرة يقول:”لايوجد تقابل بين  كلام عاديّ وكلام غير عاديّ هو الذي يقع في حيّز الأدبي  بل إنّ إدراكنا لاستعمال كلامٍ ما في وضعيّة  معيّنة من التّواصل  هو الذي يجعلنا ننتبه إلى قطعة ما من الكلام قد خرجت عن المألوف . هذا إنْ كنّا نبحث عن الأدبيّ في العاديّ.(توفيق قريرة ص41 )

النّصّ في مضامينه حداثيّ لطيف.ولكنّه في نصيّته لايتعلّق بمظاهر الشّعريّة القديمة . فليس من شعريّته الجرس الصوتي أو موسيقى النّصّ والصوت. فقد غاب عنه  إو غُيّب فيه الوزن والقافية . وليس من شعريّته  بناء عوالم التّخييل والبهجة الاستعارية عبر المجازات اللّطيفة والصّور الغريبة . النّصّ في شعريّته حديث حداثة حقيقيّة إيقاعه إيقاع نفسيّ متعلّق بتدرّجات المعنى وبعناصر الصورة / المشهد. والعنصر الأساسيّ لتوقيع النّصّ هوهذا التّوارد المنتظم للمبتدأ الموضوع (النّساء) .فليس يُعوِّض الاسمَ شيءٌ من ضمير أو إشارة لأنّ النّصّ نصَّ بداياتٍ في كلّ مرّة. نصٌّ قائمٌ على الاستعادة والدائرية  التي تعدّد الرّؤى وزوايا النّظرفي النّفس. تنطبع صورة النّساء مرّة بعد مرّة ومنظرا بعد منظر لتكوّن المشهد النّهائيّ حيث تكتمل العناصر فتُلمْلم جوهرَها في الفصول وجمر الانوثة. وفي هذا التّرديد والتّكراروفي تلك النّزعة الدّائريّة  الرّاجعة إلى نفس النّقطة التي انطلقت منها، يتولّد الشّعر وتتسرّب الشّعريّة إلى النّصّ :” ف لانحتاج إلى عوالم مفارقة كي ننتج منها شعرا ولا يحتاج الشّاعر لا وحيا ولاموحيا ولا جنّا وجنيّة ولا فرادة أوعبقرية كي يكون شاعرا  .الشّعر يكمن في خطاب كلِّ يومٍ شرْط أن ننتبه إليه.”(توفيق قريرة  الشعرية العرفانية ص17). فعالم الشّعر مبنيّ هنا على ما يتردّد في الذّهن ويتجاوب في النّفس من الصّورة تتراكم وتتدرّج وتتنوّع فإذا هي بناء  دراميّ مقطعيّ متكرّر  كما هو شأن قصيدة النثر يتشكّل ايقاعها وتتركّب بنيتها من مشهديّتها المكوِّنة للّوحة عبر التّداعي الحرّ -3-

إنّ النّصّ لايكرّر الوحدات اللّغوية بغاية تحقيق الوزن أوالايقاع الصّوتيّ فليس من نسق تكراريّ للأصوات أو الكلمات أوالتّراكيب ،إنّها تتراكم وتتكامل لتنتهيَ إلى الغاية المشتهاة واللّحظة المتوهّجة من النّصّ . لحظة انكشاف النّسوة في النّصّ وفي النّفس بعد تدرّج اللّفظ والمعنى والصّورة دون أن تكون الغاية حجب الموضوع وراء ضباب الاستعارة وظلام المجاز وإبهام العدول عن المألوف .فيمكن “أن يكون الكلام اليوميّ شعرا ويمكن أن يكون فيه شعر. بل موطن الشّعر الأصيل هو الكلام اليوميّ (توفيق قريرة- الشعرية العرفانية)

وتقع في النّفس بعد اكتمال النّصّ تلك الصّورة الجميلة للمرأة في تعدّدها، نسوة ونساء، لا امرأة بوجه واحد هي الحبيبة (الأم الخليلة الصديقة الزوجة البنت) أو اللّذة المشتهاة (المرأة المتعة : قينة وجارية مغنية وساقيا في مجالس الخمر او راقصة تلهب الاحاسيس في مجالات اللهو) لم تخرج المرأة كثيرا عن هذه الصّورة في شعرنا وتصوّرنا الشّرقيّ الذكوريّ إلاّ في حالات نادرة. ولم تكتسب صورتها خارج الرؤية الذّكورية إلاّ عندما أصبح للمرأة  القدرة على كسر القيود واختراق الحجب.

في نصّ هدى يغيب الوزن العروضيّ والإيقاع الصوتيّ ليحضر إيقاع النّصّ في النّفس أووقع المعنى النّصّيّ في النّفس ،نفس الشّاعرة تبني خطابها ،ونفس المتقبّل للنّصّ وهو يبني عوالمه من خلال العبارات . فالنّصّ يتنامى تناميا سريعا ليبلغ أوج قوّته وحضوره في لحظة توهّج هي قمّة المعنى ،عندما ينفصل شعريّه عن عامِّيّه . وبحركة الفصل المعنوي /الشّعري  تبدأ حركة الانحدار نحو النّهايات حيث تتكشّف الحقائق ويبلغ البناء الدّراميّ أقصى مراحله  بانغلاق حواريّة الصورتين والمشهدين على  المعنى المستتر في العنوان (النّساء) وفي ما يدل عليهنّ من عناصر اللغة لفظا وتركيبا وهو: النّساء يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهنّ فيوقّعن حركة الزّمان ودورات الحياة.[3]

وليست المرأة في هذا القطب تلك الآلة من الحسّ الجميل أو تلك الصّورة ِللّذّة الشّاردة. إنّها أصل الحياة رغم كلّ شيء. ليست المرأة جسدا جميلا ولا ثوبا أنيقا أو رائحة طيّبة زكيّة. المرأة في عين من يرى بنور الله الجميل، أصل الحياة وأصل الجمال. فعلى جمر أنوثتها تتقلب الفصول وعلى خفقات ثوبها تتخلّق الحياة ويتكوّر الكون.   النساء يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهن تلك الحياة الظاهرة المطروحة على قارعة الطريق ليست هي الحياة في حقيقتها  وتلك المراة المنظورة بالحس البسيط والعين الناظرة ليست هي المراة  الحياة تلك التي تراها طبخة وعود ذرة وتلك التي تكتشف ملامحها عند حركات الفصول  تلك هي الحياة تلك هي المراة  الصانعة للحياة.

 

في جمّاع النّصّ

بين صورتين ومشهدين ينقلب الوعي في نصّ الشّعر: وعي أوّل ذكوريّ سطحيّ, يرى المرأة كائنا حسيّا بسيطا. هي لحظة من الحياة تمرّ بالمقهى تغيّرها الفصول وتتبرّج للحياة وللرّجال . ووعيٌ عميقٌ روحيّ شعريّ جماليّ يرى المرأة صانعة الفصول وجوهر الحياة .بل هي الحياة  .فهي الفصول في كل ما تقوم به وفي كل ما تعيشه.

المرأة في نص هدى الدغاري ليست كائنا مفردا وشخصا محدودا بالزّمان وبالمكان . هي فيه كائن متجاوز للوقائع ووجود متعالٍ على حدّي الزّمان والمكان  في كلّ ما يمكن أن تكُونه في أحوالها المتغيّرة ،أو في جوهرها النّقيّ الثّابت .قد تكون في نظرة ما –هي نظرة ذكوريّة عابرة وسطحيّة – مجرّد الجسد الشّهويّ  ولكنّها خلف قناع الإثارة والإيروس تخفي حقائق الوجود ومبدأ الحياة  ولادة واستمرارا وخلودا. وقد تكون في حالٍ أخرى كائنا اجتماعيا ينحصر همّه في البقاء قيمةً عند الآخرين إذ تتجمّل وتتأنّق بحسب خطوط الموضة وبحسب تحولات الفصول .ولكنهّا في كلذ ذلك حقيقة الجمال ،بل كلُّ الجميل المشتّت في زوايا الوجود.
تتدرج المرأة في مشهد نصيّ بديع لترتسم في النّفس كما في النّصّ صورة تتبدّل ألوانُها وعناصرُها كلّما توغّلت في النّصّ  وكلّما اشتدّت بلاغته إيغالا في مجازات اللغة  (رابضات عند امزجة الفصول الحارة / المنتظرات شتاء يفتح أبوابه،/ يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهن)ففي الخروج عن مألوفِ صورةِ المرأة  خروجٌ بها من واقع جامد حسيّ إلى عالم نفسيّ روحيّ  يعيدها سيرتها الأولى. أُمًّا طبيعةً ورحِمًا خالقًا وحضنا منشِئا .فهي الفصول تتحوّل  .من حال إلى حال وتترى لتكشف دورة الوجود ،حياةً وموتا فنشورا وبعثا لحياة جديدة.والمرأة في هذه الحال من الوجود الشّعريّ ليست ذلك الإيقاع الحسيّ المكوَّن من أدوات اللّغة وأجراس الكلام وغرابة الصّورة التي نمّطها واستهلكها. بل هي وجود أوّل  في رحم المعنى والوجود  قبل أن تغطّيها أنقاض النّصوص وبلاغاتها الكاذبة وبقايا الصّور المخاتلة المنمذجة في الثقافات والرؤى . تتجرّد الصّورة من الزّينة البلاغيّة العتيقة ومن آثار الزمن المتراكم في النّصوص .   ف” الشعري ضد الألفة .وهذه رؤية للأدب ليست جديدة … الشّعري صوت يمكن أن يُسمع بأقلّ جهدٍ ممْكنٍ لأنّه لافتٌ إليه الأسماعَ بما فيه من طريف. بينما الخطاب اليوميّ لا يُلفت لأنّه لا يحمل جديدا ولا طريفا….. فالانتباه لا ينشدّ إلى الرّتيب والمتواتر وينشدّ الانتباه إلى ما يكسر الرّتابة (توفيق قريرة : الشّعريّة العرفانيّة  ص19)

الم يجِدْ جدّنا الشّاعر القديم في الأصول البدْئيّة للمرأة حقيقتها أمّا ما راكمته المدنيّة وما اصطفته مخيّلة الشّعراء فليس إلاّ خداعَ نظرٍ ووَهمَ جمال ٍ فقول الشاعر(المتنبي)  :

حسن الحضارة مجلوب بتطرية  وفي البداوة حسن غير مجلوب

إعترافٌ شعريّ بأنّ حقيقة المرأة لا تكشفها المجازات حِلْية، ولا التّطريز لغةً .بل هي حقيقةُ كامنةُ في التّعرّي من كلّ تجميلٍ وتهذيبٍ .إنّ “وحشيّة” الصورة أوتوحّشها وبساطتها وعطالتها عن كلّ زينةٍ هي الكاشف لحقيقة الموضوع والباعث لشعريّة نص وحشي يتحرك داخل اللغة دون أن يكون سجينا لها.ويتولّد داخل الشّعريّة العربيّة دون أن تكون له قيدا .

وفي نزعة التّحرّر من أوزار الماضي (الرّؤى الثقافيّة المختلفة للعالم والوجود) تتعايش عوالم متعددة بعضها أليف واضح وبعضها مهجور وحشيّ، متوحّش لا يستقرّ إلاّ في النّصّ ولا يتماسك إلاّ في كون الغرابة الذي يبنيه الشّعر.  فالغرابة هي ذلك “التّراكب الذي يحدث بين القديم من الأفكار والصّور والمباني وبين الجديد منها فيتعايشان معا على نحوٍغريب بين المألوف وغير المألوف في سياق واحد”(شاكر عبد الحميد : الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب ص17 )

 

 

على سبيل الختام

إذن فنصّ هدى الدّغاري إن بدا ظاهره خاليًا من الشعريّة أومتجاوزا للجماليّة المألوفة فإنّه يأخذ من توحّشه وفرادته جمالا خاصّا، ومن تجاوزه للمحسّنات البلاغيّة النمطية قدرةً على إدراك الحقائق في رؤية تعزِّز فرادة النّصّ وتؤسّس لشعريّة تكسر الحواجز المصنوعة بين ماهو شعري وماهو نثري من خلال  إعادة تأسيس الصّور الشّعريّة وإعادة العناصر الشعّريّة في اللّغة إلى بساطتها الأولى أو في طاقتها الشعرية . والنّصّ في فرادته يكشف من خلال ما ساد التّصور حقيقة المرأة كائنا بسيطا، بساطة اللّغة الواصفة عميقا عمق الصّورة المؤلّفة بالخيال الطّفوليّ . وهو في كل هذا يستعيد طفولة الشعر والشاعر دون ان تتحول الصورة الى تلاعب باللغة ولعب بالمعاني .

النص إذن يبني شعريّته بواسطة الموادّ المتروكة وبالأخيلة السّاذجة البدْئيّة التي تزيل عن الوجوه أصباغها وتنزع عنها اقنعة بنتها رغبة الانسان في ترميم طفولة ذاهبة.



[1]  – الاستعارات التي نحيا بها : . جورج لايكوف، ومارك جونسن، ترجمة: عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر.

 

[2]  – عندما أبدع هذا الكون ربّ العالمينا

و رأى كلّ الذي فيه جميلا و ثمينا

خلق الشاعر كي يخلق للناس عيونا

تبصر الحسن و تهواه حراكا و سكونا

وزمانا ، و مكانا ، و شخوصا و شؤونا

فارتقى الخلق و كانوا قبله لا يرتقونا

واستمر الحسن في الدنيا و دام الحبّ فينا

[3]  – في بناء قصيدة النّثر ينظر ما كتبه  أحمد زياد محبك :قصيدة النّثر 2007 منشورات اتحاد الكتّاب العرب.

 


المعينات

عبد الرحمان محمد القعود: الإبهام في شعر الحداثة  . عالم المعرفة( 279) مارس2002.

وسيمة نجاح المصمودي: المقاربات العرفانية وتحديث الفكر البلاغي .عمان 2017.

المنجي القلفاط : منسق اعمال ندوة النص والخطاب في المباحث العرفانية .قابس 2016.

الافق الادونيسي :مجلة فصول  المجلد 16 العدد 2 خريف 1997.

توفيق قريرة :الشعرية العرفانية مفاهيم وتطبيقات.  القيروان 2015.

قدامة بن جعفر: نقد الشعر .تح محمد عبد المنعم خفاجي .لبنان د.ت.

شاكر عبد الحميد : الغرابة المفهوم وتجلياته في الادب .عالم المعرفة( 384) جانفي 2012.

أحسان عباس : إتجاهات الشعر العربي المعاصر . الأردن 1992.

 

 

النصّ كما ورد في صفحة الشاعرة على الفيسبوك  :

 

النساء
*
النساء طبخة سريعة النضج،

قاماتُ ذُرةٍ تُلاعبها ريح مارس الدّوارة،

ضحكاتُهنّ المكتومة أمام مقهى رجاليّ قميصٌ مُحْكمُ الأزرار،

نميمتُهنّ على الدّرج انفجار عيْن بعد ليونة تربة
.

النّساء ودوداتٌ متى رغبْن،
لعيناتٌ متى اجتزن سوق الخضار؛

يا لَسلّة التفاح على زنودهن

شراهةٌ عند القضْم وعند التّرك،

النساء ودودات متى لبسن القطنيّ،
فساتين مرحة،

تحولها هبّات النسيمات إلى مظلّة
.

2
النساء طبخة سريعة النضج عسيرة الهضم

ربما هن كوب الشراب الخفيّ،

النساء المنحنيات على أكوام اللباس المستعملة،

الغارقات في قنص خطوط الموضة،

الرّابضات عند أمزجة الفصول الحارّة،

المنتظرات شتاء يفتح أبوابه،

النساء برائحة السمك المشوي وحبّات الذرة العابقة،

الودودات،

اللعينات،

يقلّبن الفصول على جمر أنوثتهن

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.