في نشأة المسألة الزنبورية

img
في نشأة المسألة الزنبورية.
بقلم :محمّد حرّاثي
 
هل أتاك حديث الزنبور؟
قد يعلم هذه القصة النحوية بعض المتخصصين في علم النحو وقد يجهلها الكثيرون، ولكن هذه القصة الملحميّة هي عبرة لكل من يسلك دهاليز النحو وسراديبه التعقيديّة التي جعلت من إمام النحاة، المكنّى ب “أبو بشر” و الملقب ب”سيبويه” في خبر كان.. فنى بحسرته، لقول الشاعر “عبد الرحمان شكري” :
 
فرَحْمَةُ اللهِ على شاعِرٍ ماتَ قتيلاً للأمانيِّ الطِّوال
 
 
قد أوقفتني في إحدى مراجعاتي لهاته المسألة التاريخيّة اللغويّة كلمة “زنبوريّة”، و أنا أطالع كتاب” المغني اللبيب” لابن هشام وكتاب “طبقات النحويين و اللغويين” للزبيدي، و كان لهاته العبارة نصيبٌ من الدهشة إختلج صدري، فتابعت قصتها بتفاصيلها التي ألقت بلهيب الهمّ و الحزن في قلب إمام النحاة سيبويه بل إن “الزنبورية” كانت السهم المسموم و الرمح القاتل
الذي صوبه أعداء سيبويه إلى قلبه فأصابه وأدى إلى اكتئابه وعجلت بمنيته و وفاته.
فقد شهد علم النحو انطلاقته الأولى في العراق منذ القرن الأول الهجري وذلك بفضل المدرستين البصرية والكوفية ، اللتين سجّلتا تباين الآراء فيهما وحدوث المناظرات ، بل وحتى نشوب الخلافات، وكان الخلفاء العباسيون في بغداد يشجّعون قيام مثل هذه المناظرات ؛ لتنشيط القرائح ، وإثارة الطاقات العلمية ، وإغناء علم النحو العربي ومن أشهر المناظرات التي وقعت بين المدرستين “البصرية والكوفية” تلك المناظرة التي بسببها مات سيبويه غمًا، إذ وقعت هذه المناظرة في القرن الثاني الهجري بين “سيبويه” رائد المدرسة البصرية و “الكسائي” رائد المدرسة الكوفية ؛ وذلك تزامنًا مع عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد، ومن المعروف أن المدرسة الكوفية و زعيمها الكسائي كان لهما من الحظوة والمكانة عند الخليفة العباسي ما ليست للبصرية
و عُرِفت هذه المناظرة في تاريخ النحو بإسم “المسألة الزُّنْبُوريَّة”
و من خبرها أن سيبويه قدِم إلى بغداد ، ونزل ضيفًا عند الوزير “يحيى البرمكي” فعزم أن يجمع بينه وبين الكِسائي ، وأعلم الخليفة بذلك فجعل لذلك يومًا مشهودًا حضره “سيبويه” والكسائي وجماعة من الأعراب. فقال “الكسائي” لنظيره “سيبويه” :
كيف تقول : “قد كنت أظن أنّ العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إيَّاها ؟”
فقال سيبويه :” فإذا هُو هي” ، و لا يجوز النصب.
فقال له الكسائي : لحّنْت -أي أخطأت في النحو-
و إحتدّ النقاش حيث يروى أن لسيبويه ثقل الحديث و جودة حجته و برهانه، فقال قال الكسائي :” كيف تقول : خرجتُ فإذا عبد الله القائمَ ، أو القائمُ ؟”
فردّ سيبويه :” فإذا عبد الله القائمُ، و لا يجوز النصب أيضاً”.
فإتنكر الكسائي قائلاً :” العرب ترفع ذلك كله و تنصبه كذلك!”.
ثم سأله عن مسائل من هذا النحو وأجابه سيبويه بما يخالف رأيه، و احتدم الخلاف بينهما، فتدخّل يحيى بن خالد مُردفًا :
” فقد اختلفتما ، و أنتما رئيسَا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟”..
فأشار عليه” الكسائي” أن يحكّم بينهم الأعراب الذين اجتمعوا عند الباب ؛ فهم أهل الفصاحة.
و رضي الوزير يحيى و أخوه جعفر بهذا الرأي ، و أمر بإحضارهم، فدخلوا و سُئِلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي” و” سيبويه” ،
فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله، فاغتمّ سيبويه لذلك ، و سكت.
فقال الكسائي ليحيى : “أصلح ﷲ الوزير إنه قد وفد عليك من بلده مؤمّلاً ، فإن رأيت ألا ترده خائبًا – وذلك نكاية بسيبويه -“.
فخرج “سيبويه” ، ورحل إلى فارس، وأقام هناك حزينًا مكتئبًا ، ولم يعد إلى البصرة أبدًا.
وهناك أصيب بمرض بالذَّرَب ، وهو داء يَعرِضُ للمعدة، فلا تهضم الطعام ، ويَفسُدُ فيها ولا تُمْسِكه، ومات وهو في ريعان شبابه.
ومن المحزن أن نعرف أن الحق كان مع” سيبويه” ، وأنّ الأعراب الذين أيدوا الكسائي على قوله ، قد رُشُوا على ذلك.
وأما جواب “الكسائي” فهو ماقاله “سيبويه”، و هو :
(فإذا هو هي)، بدليل القرآن : فإذا هي بيضاء”.
وهذا إن دلّ فإنما يدل على شدة إخلاص سيبويه لعلم النحو الذي أحبّه و وهب له حياته ومات بسببه !
ويُقال أيضاً أن الأعراب إنما قالوا ذلك و وافقوا الكسائي مجاملة له ؛ لما له من مكانة في البلاط العبّاسي
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: