في معنى التصوف أو التصوف بين الديني و الفلسفي

img
في معنى التصوف أو التصوف بين الديني و الفلسفي
بقلم : مواهب شليق
مثل التفكر الفلسفي في التصوف اليوم من أطرف البحوث الفلسفية ذلك أن التصوف يعبر من جهة عن نمط عيش mode de vie بمعنى عيش مميز من شأنه أن يتجاوز المفارقات الحسية زمن طغيان المادة -و زمن فرض الحجر الذاتي و الصحي على افراد الإنسانية جمعاء -قصد تصفية النفس من الشوائب التي تعلق بها جراء اليومي و من هذا المنطلق يمكن أن نستمد راهنية كبرى للتفكير في هذا الموضوع خاصة و أن التصوف لم يعد مقتصرا عما هو عبادة دينية فيقتحمه نهم الإحراج الفلسفي و يغدو مذهبا فلسفيا بعيننه له مقوماته و مميزاته و له أيضا ما يضمن له مشروعيته
فما التصوف؟ كيف و أين نشأ؟
مالذي يميز التصوف كطريقة تعبد عن باقي العبادات الدينية الإسلامية؟ ثم ما الذي يشرع إلى أن يغدو التصوف مذهبا فلسفيا ؟أو بالأحرى أي منزع فلسفي للتصوف ؟
 
 
 
في معنى التصوف ؟
تشتق كلمة التصوف من فعل صوف،جعله صوفيا،و تصوف صار صوفيا أي تخلق بأخلاق الصوفية و الصوفية فئة من المتعبدين وأحدهم الصوفي. أما بالنسبة إلى ابن خلدون فإنه يرجع لفظة التصوف بالإشتقاق الى الصوف “و الأظهر إن قيل بالإشتقاق أنه من الصوف”مستندا في ذلك إلى إختصاص المتصوفة بلبسهم عادة للباس الصوفي “و هم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف”
غير أن ما ذهب إليه ابن خلدون يتعارض مع ما ذهب اليه القشيري أحد المتصوفة :”و لا يشهد لهذا الإسم إشتقاق من جهة العربية و لا قياس .و الظاهر أنه لقب و من قال إشتقاقه من الصفاء أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي قال و كذلك من الصوف لأنهم لم يختصو بلبسه
أما إصطلاحا فيعرف ابن خلدون التصوف على أنه “علم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة” و يقوم أساسا على العكوف للعبادة و للإنقطاع لله تعالى و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها و هو بوجه عام عبارة عن نزعة فردية يتخلص معها المتصوف من ملذات الدنيا و التزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه و الإنفراد عن الخلق في خلوة للعبادة و كان ذلك شائعا عند الصحابة و السلف
يرجع ابن خلدون سبب إقبال جموع من الناس على التصوف كطريقة مثلى للعبادة خلال القرن الثاني و ما بعده إلى الإقبال الكبير لعامة الناس في المقابل على متاع الدنيا حيث يقول “جنح الناس إلى مخالطة الدنيا”
يميز ابن خلدون بين نوعين من الإدراك فالأول يتمثل في إدراك للعلوم و المعارف من اليقين و الفن و الشك و الوهم و إدراك الأقوال القائمة على الفرح و الحزن و القبض و البسط و الرضا و الغضب و العبر و الشك …
من بين أهم المفاهيم الصوفية التي تحدث عليها ابن خلدون هو “المريد” و جمعه المريدون و هو المتعلم على شيخ طريقة و المريد رتبة من رتب الصوفية و للمريد درجات و على المريد أن يقرأ أوراد في اليوم و الليلة يكلفه بها شيخه ليسير على طريقه في التصوف و ذلك ضمن تربيته للمريد و تختلف الطرق التي اتبعها شيوخ مختلفة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضيات العنيفة و منها كثرة الصيام و السهر و كثرة الخلو و الإعتزال عن الناس و كثرة الذكر و قد يسلك بعض المشايخ طريق اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام و القيام مقدار من الليل و كثرة الذكر و لكن لا يلزمونهم بالخلوة و الإبتعاد عن الناس إلا قليلا و من المشايخ من يتخذ طريقة وسطى في تتأرجح بين الشدة و اللين في تربية المريدين و لذلك قيل الطرق الى الله عدد أنفاس الخلائق -و ما أحوجنا اليوم الى استعاب هذا المثل -“و لا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى توحيد المعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة .
تلتقي هاهنا غاية المريد (في المذهب الصوفي)مع غاية الفيلسوف في بلوغ السعادة مثلما يتشابه موقفهم من الجسد و العالم المحسوس مع الموقف الفلسفي الأفلاطوني
كما يذكرنا مفهوم المريد هاهنا بمفهوم المتوحد عند ابن باجة أي ذلك المتوحد الذي يرتب أفعاله نحو غاية مقصودة حيث يستهل طريقه في التدبر أو التعقل بالصور الجسمانية مرورا بالروحانية وصولا إلى المعقولات من أجل الحلول أو الإلتحام بالعقل الفعال كذلك فإن المريد مثلما أشار الى ذلك ابن خلدون فهو يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد و المعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة “فالمريد لابد له من الترقي في هذه الأطوار و أصلها كلها الطاعة و الإخلاص و يتقدمها الإيمان و يصاحبها. و تنشأ عنها أخرى و أخرى إلى مقام التوحيد و العرفان “
و التوحيد عند الصوفية أو المتصوفة هو مشاهدة الوحدانية بطريق الكشف و بواسطة نور الحق إلى أعلى من ذلك إلى أن لا يرى في الوجود إلا واحدا فلا يرى نفسه (إحياء علوم الدين للغزالي)
و في معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرفاوي “التوحيد عند الصوفية هو شهادة المؤمن يقينا أن الله -تعالى- هو الأول في كل شيء و أقرب من كل شيء و هو المعطي المانع لا معطى ز لا مانع لا ضار و لا نافع إلا هو…..
ما الذي يبرر الإهتمام الفلسفي بالتصوف ؟
ثمة دواعي متنوعة تدفع بالنظر الفلسفي إلى دراسة التصوف أو التجربة الصوفية باعتبارها تجربة مغايرة عن التجربة الفلسفية :
أولا: من ناحية اشتقاقية يرجع البعض مصطلح التصوف إلى كلمة صوفيا التي تترجم بلفظ الحكمة، فيكون بهذا المعنى الإشتقاقي الموروث عن الإغريق مرادفا لتملك الحكمة في حين أن الفلسفة إشتقاقيا هي حب الحكمة دون إدعاء تملكها .فهناك شأن مشترك بين الفيلسوف و الصوفي و إن إختلفا في المنهج أو الطريق المؤدي إلى تحصيل هذا المشترك .
ثانيا : لا يمكن أن ننكر تأثر المتصوفة في الإسلام بعوامل دينية داخلية و لكنهم أيضا إستلهموا بعض المصطلحات و المقولات عن الفلسفة اليونانية و الحكمة الهندية و الرؤية الزردشتية-الفارسية و لعل هنا أهم ما إستلهمه المتصوفة هو التجربة العرفانية أو ما يطلق عليه بالغانوس (la gnose)
 
و هي تجربة تستبعد العقل البرهاني و تؤكد على الدور الهام للذوق و القلب في تلقي الإشراقات الإلاهية أو ما يطلق عليه المتصوفة “الواردات” و من هنا لا يمكن أن ننفي التأثير الحاسم الذي مارسته 《الأفلاطونية المحدثة》(تعود إلى أفلوطين القائل بنظرية الفيض :”كلما تعقل الإله ذاته فاض عن الكون ضمن سلسلةتراتبية للعقول
و الفيض يتعارض مع فكرة القول بخلق العالم و قدمه في آن واحد و قد تبنى بعض المتصوفة المتأخرين نظرية التي تؤول في النهاية إلى التسليم بنظرية 《وحدة الوجود》panthéisme التي تعني أن الوجود وحدة صماء لا انفصام فيها بين الماورائي و المحسوس، بين المعقول و المادي و بلغة المتصوفة بين 《اللاهوت》 و 《الناسوت》
ثالثا و أخيرا : فإن بعض الفلاسفة قد عايشوا تجربة التصوف و إن كان بأسلوب مختلف عن الطريقة الصوفية التقليدية، و هذا ما ندركه من خلال نظرية الإتصال لدى الفارابي التي تتناسب و نظرية الإتحاد أو الحلول حيث يقول إبراهيم مذكور “لعل كلمتا إتحاد و إتصال تؤذنا بالفرق الواضح بين نظرية الحلول الحلاجية و نظرية السعادة الفارابية فإن الكلمة الأولى التي تنصرف عادة إلى نظرية المتصوفة تدل على الإندماج التام بين المخلوق و الخالق في حين أن الكلمة الثانية التي تطلق على نظرية الفلاسفة تشبه فقط بمجرد علاقة الإنسان و العالم الروحاني” و يتم هنا الإتصال من خلال العقل الفعال,
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: