في مآثر قطاع التّعليم الثانوي، وفي ابتكاراته النّضاليّة

img
في مآثر قطاع التّعليم الثانوي، وفي ابتكاراته النّضاليّة
د.مولدي القسومي 
بعيدا عن الحصيلة والمحصّلة لما يزيد عن شهرين من الصّراع المحموم، فأهمّ ما في الأمر هو التطلّع إلى انفراج قريب جدّا. أمّا وقد لاحت بوادر انفراج الأزمة التي كادت تعصف ببعض أركان الدّولة والمجتمع، يمكن أن أدلي بهذه الشهادة دفاعا عن التّاريخ من صلف البعض وأوهام البعض الآخر وحفظا للذّاكرة وإنصافا لأهل القطاع ممّن نحتوا ملاحم نضاليّة منسيّة، وأنا الذي غادر قطاع التّعليم الثانوي منذ ما يزيد عن 14 سنة ولم تعد تربطني به علاقة وظيفيّة بقدر ما تربطني بع علاقة أكثر أصالة وتأصيلا لقيم التّضحية ومعاني النّضال. فهو القطاع المبدع المبتكر في كلّ مناحي فعله في الواقع بدءا بالدّور المعرفي والبيداغوجي وصولا إلى الدّور الحاسم في مقاومة الاستبداد، ولعلّ مشهد الأمس (06 فيفري 2019) في ساحة القصبة أبلغ تعبيرا على ذلك.
موضوع الحال يتعلّق بمقاطعة مراقبة امتحانات البكالوريا لدورة 2001 من قبل أساتذة إعداديّة المعزّية بوادي اللّيل. وأصل الموضوع أنّه تمّ تكليف أساتذة الإعداديّة بالمراقبة في أبعد مركز امتحان بولاية منّوبة (طبربة)، وقد كانت شبه عقوبة مبرمجة بالاتّفاق بين الإدارة الجهويّة ومدير الإعداديّة، وهي عقوبة مضاعفة خاصّة للزّملاء الذين يأتون من ضواحي تونس الجنوبيّة والشماليّة المترامية والبعيدة. وفي ردّة فعل جماعيّة عفويّة حينيّة قرّر جميع الأساتذة المعنيّين بهذا القرار مقاطعة المراقبة مع الحضور في مركز العمل الأصلي. وكان الأمر مقضيّا. وقد عزّزنا هذا القرار بمقاطعة مجالس الأقسام وتعطيلها، وهي التي تجرى عادة بين الدّورة الرّئيسيّة للبكالوريا ودورة المراقبة بغرض الضغط على الإدارة الجهويّة لتضمن لنا عدم الاقتطاع والإعفاء من مراقبة دورة التدارك لامتحانات البكالوريا، وقد فرضنا على المدير الجهوي بمنّوبة (وقد كانت الإدارة الجهويّة بمنّوبة في عامها الأوّل بعد انفصالها عن الإدارة الجهويّة بأريانة) على أن يلتزم بذلك قبل أن نسلّم الأعداد ونعود إلى مداولة مجالس الأقسام، وكان لنا ما أردنا. وللتّاريخ أيضا كان لدينا حزام نقابي يتكوّن من ثلاثي نقابي لا يشقّ له غبار: الطيب بوعايشة (النقابة الأساسيّة بوادي اللّيل)، سامي الطّاهري (النقابة الجهويّة بمنّوبة) وفرج الشبّاح (النّقابة العامّة).
بفعل هذا الحزام النّقابي المتين والوحدة الأستاذيّة الصّلبة ضدّ إجحاف الإدارة انخرط كلّ الأساتذة بالمدرسة الإعداديّة بالمعزيّة الذين تعرّضوا إلى المظلمة في المقاطعة دون استثناء بمن فيهم من كان من صنف أ.م.ص.أ. يما يعنيه هذا الصّنف من هشاشه وضعه الإداري. لقد كان ذلك زمن النّظام القديم، نظام كانت فيه الكلمات والأنفاس لا تفلت من رقابته، فما بالك بمقاطعة مراقبة امتحان وطني تبعا لتعسّف إداري. وفي ذلك رسالة بليغة لوزير التربية الحالي، عليه أن يستوعب مضامينها لكي لا يخوض في الفشل مرّة أخرى.
العبرة من ذلك أنّ قطاع التّعليم الثّانوي مبدع في كلّ أطواره وأدواره وفي كلّ نطاقاته ومجالاته. وهو سبّاق إلى ابتكار محرّكاته النّضاليّة وأدوات تحصينه من انحرافات السّلطة وبطشها. ولكن هذا يحتاج منه أيضا إلى أن يحصّن هياكله ومناضليه من انحرافاته الدّاخليّة والذّاتية حتّى لا يجحفوا في حقّ زملائهم الذين يختلفون معهم في ما اختاروه لأنفسهم. ولا بأس أن يكون جميع أبنائه على نفس القدر من الوعي بقيمة الاختلاف. وفي ذلك رسالة في التّسامح على أبناء هذا القطاع المناضل أن يلتقطوها فورا ليحسنوا إدارة المراحل القادمة بمزيد من الحكمة.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.