في لحظة انخطاف إلى الخطّيفة  بلا سبب موجب

img

في لحظة انخطاف إلى الخطّيفة  بلا سبب موجب

الخطيفة

رواية الأستاذ المحامي أنس الزين

بقلم :أحمد بن زايد  ،تطاوين

لايستغرب في بلد مثل تونس أن تتكاثر الرّواية وبشكل يكاد يكون مزعجا في السّنوات الاخيرة . تكاثر سببه غزارة ما يجب سرده في حياتنا بمختلف نواحيها. فبعد حوادث سنة  11، تعددت السرديات .وتكاثرت في ما يخص ماضي البلد وحاضره ومستقبله. ولعل أردأ سرديّة عشناها (ونعيشها)  تعلّقت بماضينا الدكتاتوري وبمستقبلنا الديمقراطي.  فلا أحد ينسى كنوز علي بابا في قصر الرئيس الهارب ولا وأحد منّا لم يبتسم ساخرا  عندما اطّلع على برامج كثير من الأحزاب. سرديّات “مارقة” ركيكة  فيها الكذب الصُّراح وفيها الخيال المجنّح (وهو نوعُ  خيالٍ لاأدري طول ما يجنح به إلاّ أنّه ممّا رآه البعض درجة في الخيال).

في هذا الخضم ،لانعدم مبرّرا أخر لتكاثر غير سليم أحيانا للرواية .تكاثرٌ تسنده حرّيّة في الكلام والتّعبير لايجد البعض مجالها إلاّ في الرواية .وتكاثرٌ تخلقه “فنطازمات” الأفراد، الجهوية أو المناطقيّة وحتى الحدثيّة.  وتكاثرٌ يجد سنده في ضجّة أحدثتها جائزة لرواية تونسيّة لحما ودما .وأكّدها حضور كبير في مجال الأدب العربي لبعض الكتّاب التّونسيين.

من هنا يكون الحديث عن رواية مبرَّرا .وما يضاف الى هذه المبررات أنّها جاءت في تيّار آخر من المشهد الثقافي والسياسي[i] في هذا البلد الامين . هذا التيار يعضد وجوده سؤال  هو: بأيّ لغة يمكن أن نكتب؟ أي هل نحن عرب أقحاح نكتب العربية وكفى ؟ أم إنّنا نتصل بالأمازيغ فنحتاج إلى أن نجد للغة التيفناغ مجالا بيننا؟ أم إنّنا فرونكفونيون  نكتب الفرنسية لنبلغ مجالات ثقافية وجغرافية أوسع ؟ أم إنّنا معولمون نكتب بأكثر اللغات قوة في راهننا وهي الانقليزية  ؟

كل هذا اللّغط والخصومة ولّدا تصورا آخر ليس بالغريب وإن كان مكتوما مخفيّا في النّفوس دافع عنه البعض وهاجمه البعض الاخر.هذا التّصور هو تلك اللغة المزيج من العربي والأمازيغي والفرنسي والانقليزي والطّلياني والتركي وكلّ اللغات التي عاشت بيننا أو عشنا فيها. فباحتشام كبير ظهرت  نداءات للكتابة بالعاميّة التونسية .فالبعض ترجم دستور 2014 أو دعا إلى ذلك .وآخرون اصدروا صحفا بهذه اللغة .وغيرهم أكثر جرأة أرادوا ترجمة النصّ القرانيّ الى العامي   [ii]ولكن الاكثر بقاء على الاقل من جهة كونه  وُجد وظَهر وانتشر شيئا من الانتشار هو وما كتبه المحامي الاستاذ أنس الزّين من روايات بالعامية التونسية منها “الفينقة” و”الخطيفة”

“الخطيفة “هي محور حديثنا هذا .رواية  متوسطة حجما وعدد صفحاتٍ (130) وبخطّ من الحجم المتوسط أيضا. وتوسُّطها العامّ لايخفي توسّطها اللّغوي واللَّهَجي فهي من “لهجة عربية عامية” ولا تخفي توسّطها بين “الشّوارعي” و”البيْتي” . لهجة مهذّبة تتعلق بمجال جهويّ تونسيّ محدّد بالشّخوص وأحوالها وخصائصها .

للرّواية فصول مرقّمة. ولا عناوين إلاّ العنوان الأمّ “الخطيفة” . وهي ككلّ الرّوايات بلا فهرس . والفصول لا تتبعد كثيرا من جهة الحجم ولا من جهة الأهمية، توجد فيها الحدَثيّة الحسّيّة والتأملية النفسية والعاطفية ورواتها ليسوا إلاّ شخوص النّص ( صفاء ويوسف ورحاب وكريم …). ولكنّهم جميعا في قبضة راوٍ يحرّكهم كيفما شاء. قيُنطقُهم ويُخرسُهم. ويستحضر من أراد ويغيّب من أراد. يوسف وصفاء حاضران دوما .والبقية بين حضور وغياب متواصلين ومتواترين . المحامية والسّجينة والزّوج والأبناء والأم والحماة . كلهم منذورن لاهمال الراوي الا صفاء ويوسف فلا يتحرك إلا بهما ومن أجلهما.

نجد لصفاء زوجا وابناء وحماة وعشيقا واصدقاء ولا نجد لها أهلا . لانجد لها أبا ولا أما ولا أخا. فكأنها إنما وجدت لكي تعيش القصة . وتلك التي ماتت خطفا في المستشفى  وقد تَبنّتها صفاء أيضا لا احد يهتم بها إلا القلوب الرحيمة للأطباء والممرضين بالمستشفى.

ويوسف هو الآخر لا وجود له إلّا في القصة لا أب ولا أمّ ولا رفيقةَ . كائن يعيش ويموت في القصّة / الحكاية  لاأكثر.

بقيّة الشّخوص تدور في هذا الفلك ،فلك صفاء ويوسف .ولا شيء  حتى اسم “الخطيفة” ليس إلاّ شخصيّة ماتت في النّص “حقيقة” عندما ماتت تلك السجينة و”مجازا” عنما مات شيء ما في نفس صفاء لتتعلق بيوسف وتصبح حكاية في حياته المكتظة بالحكايات على ما يبدو . رحاب المحامية تلعب دور الرّابط بين الماضي والحاضر ،ماضي يوسف وحاضره ،وماضي صفاء وحاضرها، فهي محامية وحبيبة لصفاء وليوسف ايضا . كل من يدور في الفلك القصة يعود الى قوّتين جاذبتيْن ونابذتيْن  تتوحدان نهاية هما صفاء ويوسف.

المجالات و الأفضية (الفضاءات) في الرّواية  ليست إلاّ المكان، حيث كان يوسف وكانت صفاء. أو حيث يسافران في الماضي أو المستقبل  فلا فضاء إلاّ ما هما فيه. أو ما هما في علاقة به. حتّى الفضاء الغريب الذي هربت إليه “سندة” ليس في النهاية إلاّ الفضاء الذي يبعدها ويخفيها عن صفاء و يوسف . وهذا الفضاء هو ماضيها المعتّم  مع تاجر المخدّرات من جهة، والمكان الذي هربت إليه حتى لا يُكتَشف أمرها بعد القبض على صفاء .فضاء السجن والتحقيق والسياحة وغيرها  ليست إلاّ مجالات لحضور صفاء ولحضور يوسف بل هي فضاءات الخيال عندهما. لاشيء خارج عنهما . هما مُهيمنان أينما حلاّ . حتّى في تلك اللّوحة التي تزيّن  جدارا في عمارة اليهود، في  مكان ما من العاصمة هي فضاء حُلْمهما الواحد وشغفهما الممتزج بالجميل وبالجمال .

الرّواية ،قلبها وعمقها وجوهرها خْرافة/ حكاية . ليست تهويما في عوالم المثال ولا اقترابا من الواقع عبر أدوات فنية تبني عوالم ممكنة. نّها في النهاية أحداث ممكنة لعالمٍ واقعٍ .عالم التونسيين في مجالات معينة، فيها التحرّر وفيها الثّروة وفيها المُتَع ولكنْ أيضا فيها “الفساد” والخيانة والانحلال والبيع والشراء لكلّ شيْء الجسد العائلة الابناء الزوجة، بل حتّى العواطف والجمال والقيم.

تتلخّص الحكاية في علاقة الحبّ وما يحيطها.علاقة مشوّهة لا تساير الواقع .ولكنّها جميلة،لأنّها تقتحم عوالم الخيال والحلم.يرفض الواقع الخيانات ولكنّه يمارسها ويحميها احيانا.  يرفض الواقع الشّر ولكنّه لايكون واقعا إلاّ ذا حصّل منه نصيبا يوزّعه على النّاس بعدل أو بانحياز. الواقع يشوّه كلّ الأحلام وليس العكس. الرّمزيّة في الواقع ونصاعة الحقائق في الحلم .وحلم صفاء هو الذي أخرجها من رمزية الواقعة العفنة زوج ولا حبيب ،ثروة ولا سعادة وحب ولا شريك . يوسف هو الآخر عاش واقعا تعيسا، فيه السّفر والتّجوال ،وفيه عوالم الحلم شعرا وقصة ورواية ،ولكنه لم يعش أحلامه إلاّ مع صفاء التي جاءته من حيث لايدري .هل هي البطل الذي يبني قصصه أم الحلم الذي يدفعه إلى الكتابة أو الواقع الذي يعيشه في سفره وحريّته الاجتماعية اللامحدودة.

الحبّ هو السّر في التقاء الجماعة. لا السفر ولا الاقامة .يوسف يحب صفاء في خياله وهي تحلم به  هروبا من الواقع . ومن التقتهم صفاء في السجن أحبتهم وبكت من أجلهم وضحّت بكل ما تملك لمساعدتهم.  المحامية التي دافعت عنها أحبتها لأنّ يوسف يحبها ولأنّها تحبّ يوسف . حتى أم كريم وكريم ذاته يحبّان صفاء لأنّها أمّ لولد أو الحفيد . في النّهاية صفاء تحبّ يوسف وتحبّ السّجن لأنّ يوسف أحبّها وطلب السجن عوضا عنها .

ولأنّ قصص الحبّ العظيمة تأتي خطْفا وتنتهي خطْفا ،ماتت صفاء رمزيا مع تلك الخطيفة ومات يوسف مخطوفا بسيّارة في طريقه إلى المحكمة. يموت العاشق وتبقى الحبيبة . ولنا في من اختطفهم الحب من العقل شواهد دالة على أنّ العاشق يموت. أمّا الحبيبة فموتُها مؤجّل حتّى تذوق من العذاب ما عرفَ وعاش. وفي قصّتنا /حكايتنا لا يكتفي العاشق بالموت ماديّا من أجل الحبيبة بل يموت نفسيّا وهو لايصل إليها ولا يقدر على بلوغ مجالها وحماها .
لو تواصلت القصة ألا يمكن أن نجد يوسف يتخلّى عن صفاء لأنّه ملّها؟ أو أنْ نعيش هروب صفاء من حضن يوسف حنينا لابنيها وعجزا عن ارضاء يوسف ؟
فضاء اللاّحق في الزّمن يموت ولا نجد له سبيلا. أمّا الماضي فهو كلّ الحكاية في الرّواية. ويحضر في حركات استرجاع عميقة من كلّ الشّخصيّات ومن خلال رواة متعددين أهمهم يوسف ورحاب وصفاء. والرّواية بضمير المتكلّم الفرد أوالجمع أحيانا إنْ هي إلاّ مناورة الرّاوي العظيم الساكن هناك في عالم الخرافات ليعلِمنا بما كان وما قد يكون، لذلك يتحوّل النّصّ في بعض الأحيان إلى نوع من السّيرة الذّاتيّة أو إلى نوعٍ من البوح والبثّ والمناجاة والاعتراف  كما يحدث للمتصوفة عند الانخطاف إلى عالم عشقِ لامرئيّ.

“الخطّيفة” ليست مجرّد عنوان للنّصّ / الرّواية إنّها شخصيّة انخطفت فجأة كما انخطفت صفاء بيوسف أو كما حدث له. “الخطّيفة”  المبشِّرة بالرّبيع لاتبشّرنا إلاّ قليلا بقصّة حبّ عظيمة بين اثنين في عالمنا هذا. عالمٌ يمكن أنْ نُحسّ أنّ العواطف النبيلة قد انقرضت منه أو على الأقلّ قد انزوت إلى ركنٍ مظلم نجده في مشاهد المسرح ،ولقطات السينما ،وصور التلفزيون . البُشْرى التي تحملها “الخطيفة” تنخطف فجأة عند موت السّجينة أوّلاً. فلا تحقّق صفاء حلمَها بالانتقام من زوجها كما فعلت زميلة السجن .ثم ثانيا تنتهي البُشْرى بعودة المأساة إلى الواقع الجديد الذي لوثته أحلام السعادة بموت يوسف.

الخطيفة وهي “أمّ البركات” تعويذة تصنع ربيعا في الطبيعة. لكنّها أيضا تحيي أملا في النفوس فتينع فيها الأحلام بعالم لاشرّ فيه   و “الخطيفة” رديف السّمكة تيمُّنا بالخيرو الرّخاء والخصب. وهما تعويذتان للخصب والحياة في الارض وفي السماء وما بينهما. لذلك  الحكاية في الرّواية ليست إلاّ حلُما بتحقق خيال بعيد ومثالية حالمة  تماما كما يحلم المؤمن بالرّخاء وهو يرى ذلك الطائر يحوم في الاجواء أو يرسم تلك السمكة صورة على الجدار أو حليا يزين الجيد [iii]….. الخطف والانخطاف كان من يوسف وصفاء وكان أيضا من الزّمن والنّاس . خطف الزّمن صفاء من أسرتها وحياتها وانخطف يوسف إليها .  خطف الزّمان تلك السّجينة التي تُحقّق أحلام صفاء في علاقة بزوجها الخائن. وهي نفسها “الخطّيفة” التي ضاعت من أحلام رحاب ويوسف وأحلام صفاء وزوجها ثم حبيبهايوسف. و”الخطّيفة” خطفت الزّوج من زوجته والحبيب من حبيبته والخائن من خيانته لتنتهي الحكاية خطفا فقد”انخطف ”  يوسف والحكاية لم تنته .

عَوْد إلى اللّغة : الفصول في الرّواية  مشاهد. والراوي هو حكّاء “فداوي ” لايخرج عن لغته الأمّ  الرؤوم ، لغة لا يتعسف عليها ليكون راويا بل يرويها ويروي بها. فأوْشك أن يكتب مسرحية  ل “الوان مان شو” أو مسرحية شعبيّة تنطق بما في الواقع من مآس إلاّ أنّه كسر ذلك بكثرة تحولاته في المكان وفي الزمان وفي الشخوص ، ممّا لاتحتمله المسرحيّة كثيرا . اللغة عاديّة جدّا ،لغة الوصف ، ولغة السرد، ولغة الحوار . أدركت الرّواية وهي تنغرس في الواقع الاجتماعي والسياسي أنّها ليست مجرّد ملحمةٍ للبرجوازيّة بل هي تعبيرة من التعبيرات الكثيرة التي اجترحها هذا الكائن المسمّى انسانا وبها صنع لنفسه تاريخا آخر أقلّ استعاريّة ولكنّهأاكثر شاعريّة من كثير من نصوص الشّعر.

عندما أصيبت الرّواية ب”لوثة” الواقعيّة جعلت العاميّة لغة الحوار. ولكنّها في مواقف الوصف والسّرد  التزمت الفصيح كثيرا بل إنّهاكثبرا ما عوّضت إحساسها بالذّنب في عاميّة الحوار بتفنّن في فصاحات الوصف والسّرد لعلّ توازنا ما يكون وذنبا ما يمحى ويغفر .

في روايتنا الكاتب /الرّاوي، والشخصيات جميعا  لاتتخلّى عن هويّتها التّونسية (هويّة محدّدة بالعناصر الاجتماعية والثقافيّة للشخوص) تتكلم بلهجة من تونس وأظنّها تميل إلى خطاب التّوانسة و”تُسَرْدِن” التّونسي الذي يغيب كثيرا في مجالات الأدب العربي [iv].  السّرد التّونسي  ظهر عربيّا وبقوّة في السّنوات الأخيرة عندما قفزت “الطلياني” [v] الى موضوع جدل أدبيّ نقديّ

أو اعلاميّ  وحتّى دعائيّ. ولكنّ اللّهجة التّونسيّة بقيت بعيدة هناك رغم حضور الأحداث والأمكنة والتّواريخ التّونسيّة .

العامية إنْ أردت صدقا في الرّواية أفضل. ولكنّها قد لاتعجب القارئ الذي اعتاد بقواعد العشق الفصيحة عبارة ولفظا وصورة ولا يرى في العاميّة إلاّ مشاعر سطحيّة لكائنات في درك وضيع من الثقافة أو في درجة الصفر منها. وهذا ما يجعل الكتابة باللّغة العاميّة مغامرة غير مأمونة العواقب . فردود الفعل المتشنّجة تأتي من الجهات الأربع مثقّفون ،فصحاء ،متعالمون ،محافظون يرفضون التحول ،صفويون لا يروقهم هدم اللغة العربية ،ديّنون ينافحون عن دين لغته العربيّة وعن نصّ مقدّس عربيّ مهدّد. فالكاتب باللّغة العاميّة إمّا لاوطنيّ أو عميل أو مُنْبتّ أو زنديق ومندس ،وله أنْ يرى ما يراه في هذه التهم البليدة .
فلمن تكتب روايتك ياهذا؟ولماذا الآن ؟ وكيف لك أنْ تتجرّأ؟ أعَنْ جهلٍ أم عجز ام بِنِيّةٍ سيّئة مُبَيّتة ؟ لا يعدم المعارضون للكتابة بالعامية حججا ولا أصولا للهجوم على من يتجرّأعلى اللّغة الصّافية النّقيّة  فليس هؤلاء إلاّ أحفاد علمائنا الأوائل الذين حدّدوا الفصاحة بالتّاريخ والجغرافيا والاجتماع . وليسوا إلاّ حاملي مشعل الذين نددوا بتطّور اللّغة في بدايات النّهضة العربيّة الحديثة وهاجموا من أراد ان يفتح باب الفصيح على كثير مما احتضنته  العربيّة في تاريخها الطّويل . شجاران وقضيّتان طرحتا في لحظتين فارقتين من تاريخ العربية .
لحظة بناء الدولة الأولى بعد فوضى الفتوحات ونشوة الانتصارات ونزعة التّمدّد الجغرافي . وهي لحظة التّحول العظيمة من بداوة الصّحراء إلى حضارة المدينة وعقلها ، وفيها تحوّلت الثّقافة من شفويّ إلى مكتوب  وتحول القوم من بداوة لاتقسّم المجالات إلى مدنيةٍ الفضاءات فيها محَدَّدة وواضحة.

ثم تاتينا لحظة النهضة العربية الحديثة وفيها ظهرت الالة العجيبة المسمّاة (طابعة ومطبعة) وفيها كانت الأزمة الثقافيّة الثّانية  أو الزلزال الخانق . فلم يعد بالإمكان الاكتفاء بنسخ الهامّ من النّصوص والأساسي منها (القرآن وأمّهات نصوص الأدب في العربية مثلا) بل أصبح من الميسور طبع الصّحف السيّارة .وإخراج مخطوطات قديمة منسيّة للنّور والأدهى هو ظهور نصوص “لااخلاقية”  وغير ذات أهميّة (قصص المغامرات والحكايات البذيئة واللااخلاقية) [vi] .

من هنا  يكشف لنا وجود هذه الرّواية بلغة عامية مناطقية بل وجهوية عن انقلاب أو تحوّل  حضاري نعيشه، أساسه  تطوّرٌ فظيع باهر في وسائل الاتّصال والتّواصل. والتّحول من النّصوص المكتوبة والمطبوعة الورقيّة إلى النّصوص الالكترونية فإذا كانت اللغة أخفّ أدوات الاتّصال الة وأكثرها حضورا وأقلّها موانع، فإنّ الكتابة الالكترونية  أكثر يُسْرا وأسرع نشْرا وأخفّ حِمْلا وأقلّ فَضْلة فلا نجد في مهملات الالكتروني إلاّ نقاطا ضوئية تندثر بمجرد محوها فلا يبقى شيء من ورق أو حِبْر ولا ضَررا للمحيط . من هنا يأتينا هذا الظهور للكتابة بالعاميّة . ولكن الحدث موصولا بالتطور التقني  لايفقد صلته بالتّحولات السّياسيّة والاجتماعيّة.

 

أحمد بن زايد  تطاوين فيفري 2019

Ahmedzayed67@yahoo.fr



1– السياسيون يناقشون كل شيء ويتدخلون في كل شيء  من الميراث الى المدرسة الى قضايا الفن  ويجب ان لا ننسى العبدلية و برسوبوليس وعنوان  المسرحية الهاكم التكاثر ووووو الى ان ينقطع النفس

2 – العامية بعد 14 جانفي وان كانت جذورها تعود الى زمن سابق مثل الصرح ودعوة صالح الحاجة وغيره  وقبل ذلك بعض الصحافة الساخرة  

 3- من العادات ان الخطيفة او الخطاف اذا وقعت في يد انسان يطعمها مايلذ ويحيط جيدها بخيط احمر

4وجدت فصلا طيبا عن تونس وعن جنوبها  (تطاوين وبنقردان مثلا)  في رواية كوباني لجان دوست وهذا يكاد يكون نادرا

5 الطلياني : رواية شكري المبخوت الحاصلة على احدى الجوائز الكبرى والتي اثارت لغطا كبيرا

6الجدل الذي رافق طبع الف ليلة وليلة مثلا او ما فعله كثير من المحققين بنصوص ادبية حوت مقاطع لا اخلاقية كما فعل محمد عبده مع مقامات الهمذاني)

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: