في فتح أغلاق “النص”: النقد والمجاوزة              

img

في فتح أغلاق “النص”: النقد والمجاوزة              

“الغيريّة وتحوّلات الفكر الفلسفي المعاصر” دار الاتحاد للنشر والتوزيع في الطبعة الأولى – تونس –  2017 – 435 صفحة.  د. نعيمة الرياحي.

عُمَر بن بوجليدة – ياحث في الفلسفة – تونس.


بالإمكان الاهتداء منذ البدء إلى أن كتاب “الغيريّة وتحوّلات الفكر الفلسفي المعاصر” الصادر عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع في طبعته الأولى – تونس – سنة 2017 للدكتورة “نعيمة الرياحي”، إنما هو عصارة إصرار على ضرب من ضروب القراءة والكتابة، تحاول قهر كل “سلطة” وتذلل العراقيل، وتصنع عوالم بهاء رمزية وجميلة تنتشلنا من “قحط” مألوف فلسفي مرير، وترسم معنا مسالك وآمال وتطلعات لقول في الفلسفة جديد. من جهة ما هو تساؤل حول الذات في علاقتها بالآخر، طارحة مشكل الرهان على قيم كونية والصعوبات المتعلقة بهذا الرهان ما لم نستطع الالتفات لمفهوم “الغيرية” لنعيد مفهمته وأشكلته وتعريفه وبنينته وتبيئته، في كل مرة،  فما هذا الشيء الذي يقهرنا ؟ سيما وأن “السلـــــــطة” – سلطة المفهوم، ها هنا – تتجذّر بعمق وبدقة في شبكة المجتمع، والمثقفون أنفسهم يشكلون جزءا من نظام السلطة؟

ولقد تسنى للأستاذة “نعيمة الرياحي” بموجب “تنويع” طرائق القراءة، تطوير زوايا نظر مبتكرة وإبراز أبعاد غير مسبوقة، إذ وضحت منذ الاستهلال أن “الآخر لا يعدو أن يكون سوى صورة يتمثلها “الأنا” لنفسه في ما يعتبره آخرا” ( ص 7 ) وليس ذلك بالأمر الهين ولا اليسير، إذ أن “هذه التصورات المعاصرة للأنا والغير تنبني على فكرة هامة جدا وهي أن الإنسان المعاصر لم يعد يتحدّد كجوهر ثابت أو ماهية متميّزة ومتعالية ” ( ص 8 ). وهو ما يمكن أن يعتبر إضافة فعلية بالنظر إلى دقة الدلالات المفهوية والرمزية والواقعية والجمالية لتلك التحولات التي هزت اعتقادات وتمثلات دغمائية كانت قد هيمنت واستقرت. وعليه تعيد تعقل ما “تواضع” عليه الناس، لاستشفاف ممكنات متاحة تكون مداخل لفهم معاصر، “يتحدد كجملة من العلاقات والمشاعر والأفعال المتغيّرة” (ص8)
وهكذا فإنه يجدر بنا الانتباه إلى “الاكتشاف الأنطولوجي الجديد لحقيقة الأنا التي تحمل في ذاتها الغير” ( ص 8 ) ولأنها مهووسة بالقرن الحميم بين القول والكيان، فإننا نجدها حريصة على تأكيد مفاده أن الأمر لا “يتعلق بالتفكير في مفاهيم مجردة” ( ص 8 )، بل أن تبصرها وثيق الصلة “بتوجّه عملي ممارساتي” (ص8)
ولترفع الغموض عما أشكل وألتبس تستعين بلوحة “فان غوغ” “السامرائي الطيب”، “وهي لوحة تهدف إلى تعريف من هو “القريب” ( ص 9 ) وليس هذا عنها بالغريب فقد تمرست بنصوص “فوكو” وعاشرت دربته في اشتغاله على “لوحة الوصيفات” لفيلاسكاز، في “الكلمات والأشياء”، و”غليون ماغريت حول لوحته “هذا ليس غليونا”. وللكلام في هذا طول لا يحتمله هذا الموضع، إذ قصدنا اقتضاب ما تيسّر من تلك الإلماعات واعتماد ما معرفته أكيدة من تلك الإضاءات.

ويستبين جليا أنها إنما أدرجت “قصّة السامرائي الطيب” لتكشف عن “الدلالة الإنسانية للقريب” (ص 9). وقد أجملت الكلام فيها وجعلتها كالإحالة، فإذا قابلنا هذا الإجمال بذلك التفصيل ظفرنا بالبغية والمراد. ورغم هذا المجهود توضح منذ البدء أن “علاقة الفلسفة بالغيرية علاقة ملتبسة” ( ص 11) وإننا هنا لفي قلب الإشكالية التي تؤكد أنهم “لم يبحثوا في الغيرية إلا لإقصائها” ( ص11) غير أن ما لا يطاله الشك هو أن مسألة الغيرية وما ينحى به نحوها، ستظهر من جهة ما هي لحظة هامة من الوجود والمعرفة وسيتم التفكير فيها “على نحو يجعلها هي الحدث الأبرز ” (ص 12) وبالرغم من أن الإشارة قد تقدمت  إلى بعض ذلك، فإنك تحسب الأستاذة “نعيمة الرياحي” – من فرط حرصها – وكأنها في كل مرة شارعة في تتميم ذلك وتكميله وإيراد القول فيه مفصلا، و”أحدثوا قطيعة مع نمط التفكير القديم الميتافيزيقي” ( ص 12). إنه ما يؤشر إلى أن أنه وإن فكرت “الفلسفة القديمة في الغيرية لإدماجها في فضاء الهوية الثابتة والوجود المطلق المتماهي والمتجانس فإن الفلسفة المعاصرة مرورا بالفلسفة الحديثة قد استعادت مسألة الغيرية في أفق يعترف بها كطرف أساسي في الوجود” ( ص 27).

وإذ قد تبين هذا فينبغي أن تناط العناية من جديد، وفي ضوء هذه المحدّدات المعرفية والمنهجية بمنجز “نعيمة الرياحي” وعملها، الذي تنشد من ورائه – فيما أقدر – وجها من أوجه مراجعة الأواصر المتينة بين  التحولات والصيرورة، التي ما تفتأ تطرأ على مفهوم “الغيرية”، إذ استبان لها أنه “منذ الفلسفة الحديثة بدأ الخطأ والشر والجنون وكل المهمشين يأخذون مكانتهم باعتبارهم موجودين” (ص 27 ). ولقد خلصت إلى أنه إنما تم تجاوز الرؤية التفاضلية. والحري بالملاحظة أنه لم يتسنى لها فتح أغلاق “النص” وتحقيق تلك الأهداف التي تشف عن شبكة من العلاقات، إلا لحظة استبان لها الوجهان المتكاملان، يرفد أحدهما الآخر ويقتضيه إلى حدّ بعيد: النقد والمجاوزة، “لتجعل من الوجود كلّه مسرحا للاختلاف وللهوية معا” ( ص 28).

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: