في ظل الحجر الصحي العام أي دور للمنشط ومؤسسات التنشيط

img
في ظل الحجر الصحي العام أي دور للمنشط ومؤسسات التنشيط
نصرالدين التواتي، باحث في العلوم الثقافية، جامعة تونس.

يعيش الشعب التونسي كغيره من شعوب العالم، وضعا غير مسبوق، تمثل في مكوث الأغلبية في بيوتهم وعدم مغادرتهم إلا للضرورة، كالعمل في بعض المؤسسات الحكومية والتي اقتضت الضرورة أن تظل مفتوحة أمام المواطنين، أو لقضاء حاجة ضرورية كشراء غذاء…، هذا الاجراء الذي اتخذته الحكومة منذ أسابيع والذي يسمى بـــ الحجر الصحي العام، كانت الغاية منه السيطرة على تفشي فيروس كورونا والحد من انتشاره. ورغم أن الحكومة استبقت الأحداث وأخذت قرارات حازمة قبل بداية انتشار الوباء في البلاد، إلا أن عدم احترام الحجر الصحي وعدم التزام المواطنين ساهم في ما سعت الحكومة إلى تفاديه، لذلك جاء القرار بتمديد الحجر الصحي إلى حدود يوم 19 أفريل أولا، ثم إلى 3 ماي ثانيا. وأمام تسجيل عدد من الإصابات الجديدة بفيروس كورونا، قد نجد أنفسنا مطالبين بالمكوث أكثر في بيوتنا، أو في أخف الحالات التخفيف منه، أي لا تعود الحياة كما عهدناها، فيسمح للأفراد بالخروج، لكن تحت شروط جديدة تتمثل أساسا في ما بات يعرف بالتباعد الاجتماعي، ووفقا لهذا ستمنع التجمعات، وستحدد شروط جديدة للجلوس في المقهى إذ لا نستغرب أن يمنع فيها لعب الورق، هذا إن لم يكن الجلوس أساسا،بحيث يكتفي الحريف بإقتناء “مشروبه” والمغادرة فورا، وبعض السلط المحلية أخذت ذلك القرار، حتى قبل بداية الحجر الصحي العام. كذلك بالنسبة لــ مؤسسات التنشيط من دور ثقافة ودور شباب، فليس غريبا أن تمنع جميع النوادي والتظاهرات، ولا تفتح المؤسسات أبوابها إلا لموظفيها، وقد كان ذلك  قرار سلط الاشراف قبل غلق المؤسسات. كل هذا يدفعنا إلى التساؤل: ماذا لو عادت الحياة وفق تلك الشروط المذكورة أعلاه؟؟ لكن الأسوأ من ذلك ماذا لو تواصل الحجر الصحي العام بعض الأسابيع الأخرى؟

لن يخرج الوضع العام في قادم الايام عن الفرضيتين المذكورتين أعلاه. فحتى إن رفع قرار الحجر الصحي العام، لن تعود الحياة كما كانت.خاصة أمام عدم وجود دواء لهذا الوباء، وأن اللقاح لا يزال في طور التجريب، إذ تشير مختلف المؤسسات الصحية إلى أن التأكد من فعالية لقاح ما تتطلب مدة زمنية لا تقل عن 12 أو 18 شهرا. كل هذا يحيلنا إلى بعض الأسئلة الاخرى، خاصة في ما يخص بعض المؤسسات التي سيمنع الرواد من ارتيادها، إذ يكثر الحديث هذه الأيام في تونس وفي أغلب بلدان العالم عن التعليم عن بعد. ولئن انطلقت هذه المسألة في عديد من الدول فإنه في تونس مازالت تلقى العديد من الانتقادات، خاصة أمام عدم تكافئ الفرص، فليس لكل التلاميذ حواسيب وأجهزة هواتف ذكية، كما أن التغطية تغيب في أغلب الأرياف التونسية، وحتى بعث قناة خاصة بالتعليم قد لا يحقق المطلوب… هذا في ما يخص مؤسسات التربية والتعليم. لكن ماذا بشأن مؤسسات التنشيط من دور ثقافة ودور شباب؟ أي دور للمنشط؟ وأي دور لمؤسسات التنشيط في ظل أزمة الكورونا؟

لن نسعى من خلال هذا المقال إلى الوقوف على تعريف مفصل للتنشيط، والمنشط، ومؤسسات التنشيط بقدر الوقوف على الدور الذي يمكن أن يلعبه التنشيط  في ظل الحجر الصحي العام.وسنكتفي بالحديث عن مؤسسات التنشيط  دون الفصل بين دور الثقافة ودور الشباب فرغم اختلاف وظائفهم إلا أننا نرى أن أدوارهم خاصة في هذه الفترة تتشابه.

يبلغ عدد مؤسسات التنشيط في تونس حوالي 547 مؤسسة، 324 دار شباب قارة، دون اعتبار دور الشباب المتنقلة…، و223  دار ثقافة. وقد “بعثت هذه الفضاءات لغاية تأطير الشباب واستثمار الوقت الحرّ، من خلال ما تتيحه من أنشطة متنوعة تحقق الاضافة في غياب الضغط، فهي مشروع انعاش اجتماعي وثقافي”[1] يحيلنا هذا التعريف إلى مفهوم شديد الارتباط بمؤسسات التنشيط والفعل التنشيطي ألا وهو الوقت الحرle temps libre  وهو ببساطة مدة زمنية  تقع “خارج وقت الدراسة وخارج الوقت المهني وهناك من يسميه بوقت الفراغ ولكنّه ليس فارغا تماما وإنما هو الوقت الذي يتاح فيه لتنشئة اجتماعية والعيش بشكل مغاير وهو الوقت الذي يبنى فيه الذات وقت الاكتشاف”. غير أن الشباب التونسي لا يحسن استثمار وقت فراغه إذ تشير الباحثة “فاتن مبارك” أن الشباب لا يتعاملون مع مسألة الوقت الحر من خلال استراتيجية واضحة تساعدهم على إشباع حاجاتهم المادية والمعنوية وإنما تعاملهم معها يغلب عليه العشوائية أي على حساب الظروف المادية المتاحة وعلى حسب ما تتيحه الصدفة. فالشباب يضيع الوقت الحر في النوم والمحادثات الطويلة والمكوث في المقاهي، في هذه الحالة يتحول الوقت الحر حقيقة إلى وقت فراغ، طالما لم يستغل في تنمية الشخصية، وممارسة الهوايات… وهنا تأتي أهمية المنشط ومؤسسات التنشيط، فعملهم يكون بالضرورة في الوقت الحر. في هذا الإطار تقول أستاذة تنشيط “أن دور الشباب في تونس تحتضن نسبة كبيرة من الشباب ودورها الأساسي هو إنقاذهم من الفراغ والضياع…” وتقول احدى الرواد أن دار الشباب مكان لممارسة الأنشطة والتمتع بأوقات الفراغ بعيدا عن الشارع وفساد المجتمع”[2]. هذا في ظل الوضع الطبيعي والسير العادي للمؤسسات، لكن هل ينتهي دور المنشط في ظل غلق مؤسسات التنشيط؟ أم أن الحجر الصحي العام لا يمثل حاجزا في مواصلة تأطير الشباب ومساعدتهم على التأقلم في ظل ما بات يسمى بالحجر الصحي العام؟

إن كان الوقت الحر في الماضي القريب يمثل مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز ساعات معدودات، فإنه في ظل الحجر الصحي العام بات يمثل كامل اليوم تقريبا باستثناء وقت النوم.هذا الوضع جعلنا نعيش اللا معنى حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي الان تورين إذ يقول “سياسيا لا يطلب منا شيء اخر غير ملازمة البيوت. نحن في اللا معنى، وأعتقد أن كثير من الناس سيصبحون مجانين بسبب غياب المعنى”[3]. وإن كان الشاب لا يحسن استغلال  الوقت الحر في ظل الوضع الطبيعي للحياة، فبالتأكيد أنه سيلاقي صعوبات كبيرة في التأقلم مع الوضع الغير الطبيعي، خاصة مع غلق جملة من الفضاءات التي كان يقضي فيها أغلب وقت فراغه وأبرزها المقاهي، ولعل مظاهر خرق الحجر الصحي والمتمثلة  في تجمع مجموعات من الشباب في الشوارع، وبعض البنايات هروبا من قوات الأمن، بالإضافة إلى ممارسة كرة القدم في “بطحاء” الحي إن توفرت، أو في ملاعب المدارس، والإعداديات والمعاهد الثانوية،إن غابت، دليل قاطع عن صعوبة تأقلمه مع خصوصيات الوضع الحالي. هنا يأتي دور المنشط ومؤسسات التنشيط، ويتمثل دورهم أولا في توعية الشاب بخطورة الوباء، وضرورة الالتزام بالحجر الصحي العام. وثانيا من خلال مساعدته على ممارسة أنشطة منزلية تساعده على ملء الفراغ لكي لا يحس باللا معنى. لكن كيف يكون ذلك؟

لكل مؤسسة من مؤسسات التنشيط  حساب، أو صفحة، أو مجموعة افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، هذه المنصات الالكترونية تستغل في العادة للإعلان على أنشطة المؤسسات خاصة. إلا أنها يمكن أن تلعب في ظل الحجر الصحي العام دور أكثر أهمية من تنزيل الإعلانات ففي ما يتمثل؟

  • التوعية بخطورة الوباء وبضرورة الالتزام بالحجر الصحي العام: يكون هذا من خلال تنزيل صور أو مشاركة مقاطع فيديو تعرف بهذا الوباء وبطرق الوقاية منه، مثل غسل اليدين باستمرار، وعدم مغادرة البيت إلا للضرورات، وفي صورة المغادرة ضرورة الإلتزام بما بات يسمى بالتباعد الاجتماعي. وقد رأينا هذا في عدد من صفحات مؤسسات التنشيط والمجموعات الافتراضية. وقد تكون صور التوعية -مثل تلك الصور التي انتشرت في أغلب مواقع التواصل الاجتماعي والتي تحمل عبارة “شد دارك” أو أشياء من هذا القبيل- أو مقاطع الفيديو من انجاز أعضاء نادي السينما مثلا أو الصحافة… لكن هل تكفي التوعية؟

طبعا التوعية بضرورة التزام البيت وحدها لا تكفي، فالملل الذي يرافق المكوث المتواصل في البيت يدفع الشاب إلى مغادرته، هنا يأتي الدور الأكثر أهمية للمنشط والمتمثل في مساعدة الشباب على ملء وقت فراغه ببعض الأنشطة التي يمكن أن يمارسها في البيت. وقد تعددت محاولات المنشطين في هذا الإطار ولعل أبرزها:

  • نوادي En ligne: تقول أستاذة التنشيط الثقافي المتعاقدة مآخرا مع الإدارة الوطنية للمهرجانات “سارة بن حسين” أن الفترة الأولى من الحجر الصحي كانت ثقيلة وأن الروتين فرض نفسه، وهو ما جعلها تحاول ملء وقتها بأنشطة مختلفة كالطبخ أو الالعاب الالكترونية… إلا أن هذه الأنشطة لم تحقق المطلوب مما جعلها تشعر أنها تضيع وقتها. فبدأت التفكير في ممارسة بعض الأنشطة الاخرى التي يمكن أن تستفيد منها… وعلى اثر مكالمة هاتفية مع مدير عملها، اقترح عليها أن تبعث نادي En ligne، خاصة أنها تهوى نشاط البراعة اليديوية، استحسنت الفكرة، وضبطت برنامج عمل وحددت الفئة المستهدفة، وقد انطلقت يوم الاثنين الموافق ل 20 أفريل في بث حصة نادي البراعة اليدوية En ligne، والذي سيكون يومين في الأسبوع لمدة 15 دقيقة تقريبا، على صفحة المركب الثقافي بالمنستير.[4] فكرة نادي البراعة اليدوية En ligne، يمكن أن تنسج على منواله عديد النوادي الاخرى مثل نادي السينما En ligne، كأن تختار مجموعة أعضاء هذا النادي جملة من الأفلام، يشاهدها كل في منزله، ثم يقع نقاش حولها.. نادي الادب ايضا، قد يكون فكرة ممتازة تساعد الشباب على ملء وقته وتنمية زاده الثقافي…
  • تظاهرات ثقافية افتراضية: رغم الحجر الصحي العام حافظت دار الثقافة زغوان “على ثوابتها الثقافية وعلاقتها التشاركية مع روادها وجمهورها خاصة بتحويل أنشطتها الثقافية المباشرة إلى أنشطة افتراضية … لتلج هذه المؤسسة وعبر صفحتها الرسمية البيوت التونسية متوجهة أساسا إلى شريحة الشباب بتظاهرة “أيام الابداع الادبي الافتراضي”[5]
  • المشاريع التنشيطية: منذ الأيام الأولى من الحجر الصحي العام قدمت أستاذة التنشيط الثقافي سرين غابري عبر مقطع فيديو فكرة “مشروع دار الثقافة باب العسل En ligne “، إذ دفع  الملل الذي تسبب فيه الحجر الصحي العام إضافة إلى كثرة الإشاعات والطاقة السلبية على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، إلى التفكير في بعث هذا المشروع  وهو عبارة على جملة من الانشطة الافتراضية تضم دورات تكوينية، وأمسيات شعرية وغنائية، وعديد الفقرات الاخرى من تقديم أساتذة تنشيط، أو رواد دار الثقافة باب العسل… ويمكن أن نذكر على سبيل الذكر لا الحسر جملة من الانشطة في إطار هذا المشروع: مثل فقرة درس من المسرح تقديم الأستاذ نوفل رحيم، وفقرة شخصية اليوم تقديم الأستاذة مروى الطرابلسي… ومن الفقرات التي يقدمها الرواد يمكن أن نذكر فقرة “عبرة وحكاية جديد” من تقديم الشابة يسر عباس. وتقدم الطفلة بية عباس فقرة “قصة للأطفال”… هذا بالإضافة إلى عديد الفقرات الاخرى المتوفرة على صفحة دار الثقافة أحمد خير الدين باب العسل[6]
  • المنصات الافتراضية لمؤسسات التنشيط يمكن أن تحول إلى منابر تقدم فيها استراتيجية معينة لملء وقت الفراغ وتفادي الملل، ويمكن أن تتمثل هذه الاستراتيجية في تقديم دورات تكوينية…

إن دور المنشط ومؤسسات التنشيط  لا يقل أهمية على دور المربي أو المعلم والمؤسسات التربوية. غير أننا منذ انطلاق الحجر الصحي العام، نسمع كلاما كثيرا على التعليم عن بعد حتى أنه بعثت قناة تلفزيونية تعليمية،  في المقابل لم نسمع من يتحدث عن التنشيط  ومؤسساته. هذا يعكس عدم الاهتمام بهذا القطاع، حتى من قبل سلط الإشراف، سواء كانت وزارة الشباب والرياضة، أو وزارة الشئون الثقافية. فباستثناء قرارات غلق المؤسسات، ماهي القرارات التي اتخذتها سلط الاشراف في ما يخص التنشيط ومؤسساته في ظل الحجر الصحي العام؟ وحتى النوادي، والتظاهرات والمشاريع الافتراضية كانت بمبادرات من المنشطين، دون تدخل سلط الاشراف… في حين كان من المفروض أن تضبط استراتيجية واضحة لعمل تلك المؤسسات.


الهوامش :

[1] فاتن مبارك، وقت الفراغ والتنمية الثقافية أية علاقة: قراءة في تمثلات الشباب التونسي لوقت الفراغ.

[2] أنظر روعة قاسم، دور الشباب في تونس متنفس للتأطير والتوعية والترفيه، صحيفة القدس العربي 11 ماي 2019.

[3] أنظر حوار الان توران، فيروس كورنا جعلنا نعيش اللّا معني في بيوتنا.

[4] مقابلة مع أستاذة التنشيط سارة بن حسين بتاريخ 19 أفريل 2020.

[5] أنظر أميرة قارشي، زغوان: احتفاء بالابداع الأدبي الشبابي افتراضيا، من خلال الرابط التالي  تاريخ زيارة الرابط 20 أفريل 2020.

[6] أنظر صفحة دار الثقافة على موقع التواصل الاجتماعي من خلال الرابط التالي، ، 20 أفريل 2020.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: