في شاعريّة الحزن-جمال قصودة

img

في شاعريّة الحزن

(تقديم ديوان “قصائد حزينة”  للشّاعر التونسيّ محمد الخامس بن لطيف )

بقلم : جمال قصودة

  • تمهيد:

الشّعر من الشّعور و هو فعل تعبيريّ لغويّ بالأساس لكنّ منطلقه و قادحه شعور باطنيّ خالص يتأسّس على  التفاعل  بين الانسان و أحاسيسه وبين الانسان و محيطه :هذا التفاعل قد يكون تفاعلا باطنيا/داخليا  فيه جملة الأحاسيس و الغرائز و الملكات أو يكون  تفاعلا خارجيّا مع المحيط و الواقع – اي مع الأشياء الخارجة عن الذّات المبدعة- ، منطلق الفعل الابداعي جملة من الأحاسيس و المشاعر الداخليّة المبهمة التوّاقّة  للافصاح والكشف بهدف التصعيد أولا والتخلّص من الأعباء التي قد تسكن الذات المبدعة ، والتصعيد هنا تصعيد جماليّ وهو تحويل و اعادة تشكيل للواقع او للدواخل المعتمة و هذا ما يؤكدّه” تزيفيتان تودوروف ” بقوله :” الأدب بامكانه تحقيق الكثير ،بامكانه أن يمدّ لنا  اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب ، و يعينننا على ان نحيا … كما يستطيع أن يحوّل كلّ واحد منّا من الدّاخل “)[1](

الشعر بهذا المعنى هو اليد التي امتدّت لتنتشلنا من واقع اكتئابنا أو واقع سعادتنا أيضا ، لان الذات المبدعة بطبعها ذات شفّافة قد يخدش بلّورها ريح الحزن أو تذهب بها  نسمات الفرح و العشق الطفوليّ و دور الشعر هنا هو تحويل تلك المشاعر الذاتيّة الى مشاهد وصور أكثر موضوعية برغم ذاتيّتها وأشدّ جماليّة برغم أوجاعها في أحيان كثيرة ، متى نجح المبدع في تحقيق هذا صار المنتج الابداعيّ و على جماليته منتجا معرفيّا يدرك من خلاله الانسان انسانيته وهذا ما يذهب اليه ” سعيد الفراع” حين يقول : “الأدب هو الشكل الأكثر انفتاحا لمعرفة الانسان بواسطة الانسان “)[2](  ، وهذه المعرفة مشروطة بقدرة الشاعر أوالكاتب على الافصاح عن دواخله ليمسّنا بناره فنأتي منها بقبس  .

وبسبب تلك الشفافيّة و الحساسيّة الخاصة المرهفة و الخيال الخارق  ينجح الشّاعر عادة في تحويل حزنه و آلامه الى مادة ابداعية على عكس الانسان العاديّ – الفاقد للإبداع أو الغير مدرك للطاقات الابداعيّة الكامنة فيه – ولكنّه في الآن نفسه لا يتألم أو يحزن بمعزل عن آلام الاخرين لأنّ الدور الموكول له ” هو أن يتكلّم مكان الذين لا يستطيعون ذلك ”  وهذا ما يبرّر وجوده على حدّ تعبير “البار كامو ”  لهذا فحزنه و ألمه مقرون بأوجاعه و أحزانه أوّلا و في علاقة أيضا بلحظته التاريخية ومحيطه الاجتماعيّ و السياسي و آلام و هموم الانسانية في مطلقها  فالشّاعر هنا ” يحوّل المه الى فلسفة في الحياة والى تفكير واسع فيما يلاحقها من نعيم و بؤس و سعادة و شقاء .فالألم … لا يتحوّل الى نفسه و الحديث عن أوجاعه ،وانّما يتحوّل الى الحياة البشريّة كلّها و ما ترتطم به من صخور الشّر و الظلم الصّارخ “)[3](

  • تيمة الحزن و الشّاعريّة الطافحة :

في أفق حداثيّ يلهج بروح العصر طغت تيمة الحزن على ” القصائد الحزينة ” وهي المجموعة الشعريّة الثانيّة من ثلاثيّة للشّاعر محمد الخامس بن لطيف موسومة بعنوان جامع “مرافئ الحزن البعيدة” ، وبعيدا عن المجاز او الاستعارات جاء  عنوان المجموعة صريحا مؤكدّا عن الحزن الطّاغي على حيوات الشّاعر ، فالشّاعر المسكون بالشّعر فرد متعدّد في حالات وعيه بالوجود في مقابل النصّ الطافح و المشغول بالمنشود ،بالمرافئ البعيدة  التي لا يملك غير التجديف نحوها ،نحو  ضفّة المعنى وهي سدرة لا فجيعة فيها .

محمّد الخامس بن لطيف و كأيّ شاعر معاصر يعيش الفجيعة بكامل تجلّياتها و بواعثها :

– فجيعة” رحيل الحمام” – والقول لنفس الشّاعر – و القصد رحيل الأحبة

– فجيعة” الواقع المحكوم بالتناقض الصارخ “- والمقولة لعلي أحمد سعيد ” أدونيس” في كتابه زمن الشّعر-

– فجيعة التخلّف و ” السقوط من التدنّي “- والقول للشّاعر جمال الصليعي –

هذه الفجيعة المتعددة في مستوياتها الذاتية و الموضوعيّة جعلت الشّاعر يتأرجح في تمزّقه بين ذاته المكلومة  و نظام الوجود الخارجيّ الأكثر مدعاة للحزن و البكاء ، البحث هنا عن التوازن غاية لا تدرك في ظلّ الفقد – فقدان من نحبّ – وفي ظل النظام الخارجيّ الموبوء الذي يعمّق الفاجعة ويدفع الشّاعر نحو اليأس ففقد “محمود درويش” مثلا جعل الشّاعر يفقد كلّ نقاط الارتكاز” فلا الجنوب جنوب و لا الشمّال شمال” :

سيّدي ضاع نصفنا فيك !

و نصف يكابر أن لا يضيع

و ألاّ يوارى وراء احتمالٍ ضئيل…..

برغم  الضياع ورغم التفجّع الذي يطفح بيه الديوان لم يسقط الشّاعر في البكائيات الكربلائيّة و اللطميّات الفاقدة لروح الجمال و لم ينخرط في مقتضى الاغراض الكلاسكيّة كأن يجعل القصائد تدور في فلك الرثاء أو التأبين لوعيه بأن النصّ الحديث نصّ جامع متعدّد الاغراض والمضامين ، تلك الحداثة التي تسكن شاعرنا ويحاول ان تكون جميع كتاباته الفصيحة و العاميّة  في سياقها  لا بل تشهد القبيلة التي عرفت الشعر الشعبيّ من أمد بعيد – و أقصد المرازيق-  أن محمد الخامس يكتب نصّا شعبيّا مختلفا بروح  العصر يربك سير القوافل المشدودة لأطناب البداوة ،هذا الارباك مردّه  وعي عميق بأن الشّعر ابن بيئته و لحظته التاريخيّة و لكن الحداثة ليست أرنبا بيضاء نطلقها في صحراء النصّ لنثبت للعالم أننا نكتب نصّا حداثيّا و هذا ما يؤكده اسماعيل عزّ الدين حين يقول:” ليس المجدّد في الشّعر اذا هو من عرف الطيّارة و الصاروخ و كتب  عنهما فهذه في الحقيقة محاولة  عصريّة ساذجة …فليس المهم بالنسبة للتجديد هو ملاحظة ” شواهد” العصر و لكن المهم هو فهم ” روح العصر “ )[4](، ونزعم أن الحزن سمة من سمات العصر أدركها شاعرنا فكتب في سياقها مجدّدا و الجدّة تجلّياتها كثيرة و أوّلها كما ذكرنا سابقا النصوص الجامعة المتعدّدة في مضامينها برغم الحزن الطاغي عليها ،فحضور النهد و البنفسجة في نصّ متفجّع طرافة و جدّة و حداثة :

و أنت الحكايا المريبة

عن نهدها الملكيّ

تتثائب في الصبح كسلانا

مثل بنفسجة تستفيق ،،،

في مدوّنة الشعر العربيّ و في غرض الرثاء تحديدا يحدث مجازا أن يرفع الشّاعر من مقام المرثّيّ الى سدرة الأنبياء أو الشّهداء لان الغرض بالأساس يقوم على ذكر المناقب و تعداد المكارم و الصفات المحمودة ، ولأنّ محمد الخامس بن لطيف شجرة متجذّرة في حضارتها التي كان الشعر نتاجها الأوّل كان من الطبيعيّ جدّا ان يكون متّبعا في رفع مقام شقيقه “برهوم ”  الى سدرة الأنبياء فيقول :

تنزّل آياتك البيّنات

و تقرع أجراسهنّ بقلبي

لكم شدونا بها في المغيب

و صلّينا فيها وقوفا

و غيرنا صلّى بجعجعة و نهيق …

هذا الاتّباع في مستواه الأوّل و بنفس النصّ مقرون بابداع  و تجديد في مستواه الثّاني ، لان الرفع الى مقام الانبياء يفترض التجاوز و عدم  النزول الى مرتبة أقلّ و ان كان المقام هو مقام شهداء وهم أكرم منّا جميعا فيضيف الشّاعر  :

ولست أراك شهيدا

و لكنْ يتوق الى موتك الشهداء

ما سبق بعض الشواهد على شاعريّة الحزن المتعلّق بالبواعث الذاتية كــ”رحيل الحمام” أو فقد الأحبة الاقرباء و المقام لا يتّسع لتقديم كلّ النصوص ولكنّ تجلّيات الحزن المتعلّق بنظام الوجود الخارجيّ  كثيرة أيضا و تحتاج ملامسة سريعة ندرك من خلالها حجم الفجيعة التي يعيش على وقعها الشّاعر ونقف على  شاعريّته ، فعبر استفهام استنكاريّ و في مناخ صوفيّ خالص يتفجّع الشّاعر قائلا:

من أين سيعرفُ أن القاتل في السترة

و المقتول صباه ؟

من أين ؟

و هذا الدمّ بلا ثأر

و الجند يريك قفاه ؟؟

القول بوجود القاتل في السترة قول صوفيّ يحيل الى نصّ غائب /قول غائب ” ما في الجبة إلا الله “للحلاّج ويجمع النقّاد هنا أن النصّ الفاقد للنصوص الغائبة نص خاوٍ لان النصوص الغائبة  تجعل النص مشحونا بالدلالة  وهي دليل امتلاء الذات المبدعة فلهذا السبب  طلب من المريد السّاعي لحمل لواء الشّعر أن يحفظ ألاف الأبيات ثمّ ينساها  .و لكن حضور النصّ الغائب ها هنا لا ينفي طرافة الصورة الشعريّة المبتكرة التي صار فيها القاتل جزءا من المقتول و صار المقتول طفولتنا الضائعة .

و في صورة شعريّة أخرى منسوب الحزن فيها شبه معدوم و لكنّ شاعريتها عالية يقول فيها :

…كان الفجْـرُ من قدميْه

ينسـلُّ ويبتـدِرُ ،،،

هذه الصورة الشعريّة  المركبّة تنمّ عن شاعريّة واعية بأسطورة البعث العشتاريّ في مستواها الأوّل اذ يبعث فيها الفجر / الخصب من أقدام الحبيب و تحضر فيها الاستعارة في مستواها الثاني اذ ينسلّ الفجر كسيف من غمده المعتم – وهو الليل-  و يبتدر و الابتدار هو المعالجة و الهجوم السّريع ، الصورة الشعريّة عميقة بعمق جراح شاعرنا المتفجّع  ولكنه برغم فجيعته و حزنه نجح محمد الخامس بن لطيف في تحويل أحاسيسه الباطنية الى مكامن للجمال .

  • خاتمة :

هذه “الاطلالة على مدارات” محمد الخامس بن لطيف ، اطلالة متسرّعة لا يتّسع المقام فيها لدراسة أو تقديم جميع النصوص الشعريّة الطافحة بالشّعر فهي تحتاج وقفات بعتباتها ، لكن عطر الشعر فيها -بمنسوبه العالي- يجوس بالأرجاء .

 


([1])-TzivtanTodorov,la culture enpéril-Montréal,p72

الفراع ،سعيد ،صرخة تودوروف،مجلة كتابات معاصرة،عدد78 (تشرين الاول-تشرين الثاني 2010)،ص 7- ([2] )

ضيف ،شوقي ،دراسات في الشعر العربي المعاصر – دار المعارف السلسلة: مكتبة الدراسات الأدبية ،ص 143-([3])

عزّ الدين اسماعيل – الشعر العربي المعاصر ،قضياه و ظواهره الفنيّة و المعنوية ،دار العودة ،الطبعة الثانية1972 ،ص 13([4] )

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: