في سيميائية الجسد الخائف

img

في سيميائية الجسد الخائف

ناظم بن إبراهيم (تونس)

تصدير

“لا تُهمّنـي الطّريقة الّتـي يتحرّكُ بها النّاس، وإنّما ما يُحرّكهُم”.

بينا باوخ

 

J’ai une maladie : je vois le langage

Roland Barthes

(1)

 

تَروي بعض الحكايات الشعبيّة المشهورة لدى قبائل الفايكينغ الاسكندينافيّة حوارا إشاريًّا دار بين أحد رجال الدين ومحارب أعور من هذه القبائل، وقد بدأ الحوار بأن رفع رجل الدّين سبّابتهُ، فردّ عليه المحارب بأن رفع اصبعيْن، فبسط رجل الدّين ثلاث أصابع، فما كان إلا أن هزّ المحارب قبضته كاملة في الهواء. واستمرّ الحوار على هذا النحو حتّى اعتـرف رجل الدّين بهزيمته قائلا: لقد كان أكثر بلاغة منّي، لقد رفعت سبّابتي قاصدا أنّ الله واحد، فردّ عليّ باصبعيْن ليقول: بجانب الربّ يوجدُ يسوعُ المسيح، فبسطتُ ثلاث أصابع قاصدا الأب والابن والروح القُدُس، ولكنّهُ أجاب بحكمة حين رفع قبضته التي ترمز إلى أنّ الرب واحد في ثلاثة أقانيم.

عندما سمع المحارب هذا الكلام، عبّـر عن دهشته قائلا: إنّني لم أفكّر في الله أبدًا، وكلّ ما في الأمر أنني شعرتُ أنّهُ قد تجاوز حدود الأدب وأهانني حينما أشار بإصبع واحدة ليقول إنّ لي عينًا واحدة وكيف لمثلي أن يجرؤ على منازلته، فأشرت بإصبعين لأقول إنّ عينًا واحدة يمكن أن تعادل إثنتين، فبسط ثلاث أصابع ليفنّد كلامي ويقول إنّ عينيه وعينِـي تساوي مجتمعة ثلاث عيون، فلم يكن أمامي إلا أن رفعتُ بقبضتي ليعلم أنّ الأفعال وحدها قادرة على محو الإهانة.

 

(2)

إنّ ما يمكن أن نستخلصهُ من هذه القصّة، أنّ كلّ أنواع التخاطب (اللغويّة وغيـر اللغويّة) مستحيلة خارجَ التواضُع Convention، أي خارجَ ما تتّفق عليه الجماعة اللغويّة من دوالّ لمجموع المدلولات المستعملة في العمليّة التخاطبيّة، فعندما يقول أحدهم “كأس” أو طاولة” في سياق تخاطب عاديّ وفي جماعة لغويّة محدّدة يُفهَمُ من كلامه الكأسُ والطاولة. في حين، عندما تقول “كأس” أو “طاولة” لمواطن صينيّ لا يعرف العربيّة مطلقا، لا يمكن لهاتيْن الكلمتيْن أن تحيلاه على ما قصدتَ، وفي أحسن الأحوال سيقول لكَ إنّه لا يفهمُك (ولن تفهم ذلك إذا كنت لا تتقن الصينيّة أيضا) أو قد يبحث لهاتيْن الكلمتيْن عن ما يقاربهما في لغته، أي فيما تواضع عليه مع جماعته اللغويّة. لكنّك في كلّ الأحوال قد تفهم أنّه لم يفهم من تعابير وجهه الّتي تُعتبـر علامة أيضا في أيّ سياق تخاطبيّ. ولمّا كان الجسد الأساس الموضوعيّ لأيّ عمليّة تخاطُب فإنّ الإشارات غيـر اللغويّة الصادرة عنهُ يمكن أن تعتبـر جزءًا من رسالته اللغويّة ومن خطابه. ويمكن للخطاب أن يكون غيـر لغويّ في كليّته؛ أي جسديًّا، إشاريًّا واستعاريًّا بالمعنى العميق للاستعارة. غيـر أنّ تحقّق فهم هذا الخطاب خاضع أيضا كأيّ خطاب إلى التواضع، فلا شيء يدلّ على أنّنا نوافق أو نقول “نعم” أو نساير المتكلّم عندما نهزّ برأسنا من فوق إلى الأسفل ومن الأسفل إلى فوق، غير اتّفاقنا على ذلك؛ ولا شيء يدلّ على أنّنا نرفض أو نقول “لا” عندما نحرّك رأسنا من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين، غير اتّفاقنا أيضا. وكثيـرة هي الإشارات غيـر اللغويّة الّتي تعوّض اللغة في خطابنا مثل وضع السبابة على الفم لنطلب من أحدهم أن يصمُت، أو حتّى بعض الحركات “اللا أخلاقيّة” الّتي لا معنى لها في ذاتها بل تكتسب معناها من خلال الدلالة الّتي اتفقت عليها الجماعة اللغويّة. وممّا يُروى في الأدب العربي القديم في هذا الإطار أنّ جلساء أبي نوّاس طلبوا منه مرّة أن يُنشد شعرا بلا قافية فقال ثلاثة أبيات معتمدًا على حركات جسمه: ولقد قلتُ للمليحة قولي ** من بعيد لمن يحبّك (إشارة قُبلة) / فأشارت بمعصم ثمّ قالت ** من بعيد خلاف قولي (إشارة لا لا) / فتنفّست ساعة ثم إنّي ** قلتُ للبغل عند ذلك (إشارة امشِ). ولو لم تكن هذه الإشارات مفهومة بالنسبة إلى المخاطَبين لما اكتملت في أذهانهم دلالة الأبيات وما فهموا قصده.

(3)

لنعُد الآن إلى قصّتنا الأولى.

إنّ الاختلاف في الفهم بين رجل الدّين ومحارب الفايكينغ، لم يرتبط فقط بعدم قدرتهما على التخاطب لغويًّا، وإنّما نبعَ من اختلاف المرجعيّات الثقافيّة لكليهما. فما يفكّر فيه رجل الدّين غير ما يفكّر فيه المحارب؛ وما يختارهُ رجُل الدّين ليعبّـر به عن أفكاره إشاريًّا لا يفهمه المحارب إلا داخل فضائه الذهني وداخل كيفيّات إدراج جسده في العالم. ولو لم يستسلم رجل الدّين بناء على فهمه الخاص لرسالة المحارب، ربّما نحَت الحكاية إلى العنف الّذي سيكون نتيجة لفهم مضاد. وهذا بالضبط ما حدث بين الممثّل السوريّ (الّذي كان يمكن أن يكون من أيّ جنسيّة أخرى) والجمهور التونسيّ (الّذي لا أعتبـره مفهوما نهائيًّا جامدًا بسبب تنوّع هذا الجمهور وتنوّع زوايا نظره). لذلك سأركّز هنا، على نوع خاصّ من الجمهور هو ذاك الّذي ينـزعجُ من تعرّي ممثّل على خشبة مسرح. وبغضّ النظر عن سيل الانتقادات الّتي وُجّهت إلى الممثّل أو سيل الانتقادات الّتي وُجّهت إلى من انتقدوا الممثّل والتي اعتبـرت هذا الرفض شكلا من أشكال الرجعيّة الفكريّة مشيرة في أغلبها إلى التناقض القائم بين الاهتمام بالعُري الجسدي وإهمال العري الاجتماعي والسياسيّ وما إلى ذلك؛ أعتقد أنّ المسألة أعمق من أن تكون موضوع نقاش عابر يتبادل طرفاه التُّهم والوصم الفكريّ والاجتماعي. ذلك أنّ البلبلة الّتـي حدثت مرتبطة أساسا باختلاف في التصوّرات والتمثّلات وبنظرتيْن مختلفتيْن للعالم ولكيفيّات إدراج الجسد داخله.

(4)

شرعتُ في السنة الماضية في كتابة مقال عن كوريغرافيا “نشوة الأعماق” للمسرحيّة التونسيّة كوثر بن هنيّة، وكنتُ تخيّـرتُ لهُ العنوان الآتي: “في سيميولوجيا الجسد الخائف”، لكنّني توقّفتُ عن كتابته لانشغالات أخرى وربّما أعود إليه يوما. غيـر أنّ مَا جعلني أستحضر هذا الأمر في السياق الحاليّ هو بعض المحاور المشتركة الّتي فكّرت بها وقتها وقفزت إلى رأسي اليوم وأنا أتابع ما يكتب عمّا حدث بالمسرح البلديّ. ومن بين هذه المحاور فكرة “الجسد الخائف” الّتـي رأيتُ أنّها سيطرت على كوريغرافيا “نشوة الأعماق” معبّـرة عن الجسد التونسيّ والعربيّ ومجموع الأغلال المحيطة به والكبت الّذي يعاني منه وعدم تصالحه مع مورفولوجيّته وتاريخه وحاضره ومُستقبل إقامته في العالم. غيـر أنّ تعيين الجسد الخائف هذه المرّة، بعدَ إسقاط الجدار الرابع، لم يتعلّق في ذهني بالممثّل، بل بالجمهور الّذي استعمل جسدهُ أيضا ليعبّـر عن رؤيته حسب فهمه لهذه الرؤية. ولئن لم يعِ هذا الجمهور أنّهُ يشارك في لعبة الجسد بمجرّد خروجه من مسرح الجسد، فإن ذلك لا ينفي قدرة المسرحيّة على إشراكه في اللعبة.

إنّه لا يحتاج إلى أن يتكلّم كي نفهمَ أنّه خرجَ لأنّه رأى جسدهُ فوق الركح عاريا؛ جسدهُ الّذي يراهُ موطنا للشرور والدنس، من سقراط الّذي يقول: “تزدري نفس الفيلسوف الجسد بعمق وتفر منه وتحاول أن تنعزل بذاتها عنه” إلى آخر الديانات الّتي تستبعدُ الجسد من التعبيـر وتضبط حدود تحرّكه داخل مربّع الرّغبة في القول فقط. غيـر أنّهُ لم يكُن بإمكانه قول ذلك دون جسده. إنّهُ الإكراه الّذي لا وجود له في العالم خارجه. وهو يكرهه لأنّهُ مخيّب لآماله الميتافيزيقيّة والأوهاميّة. أمّا الممثّل، فبممارسة مشابهة يصرخ أمام الجميع: “ليس الجسد معطى سابقا على العين الّتي تدركه وتصفه كجغرافيا ممتدّة في الزمن الإنسانيّ. الجسد يَرى. الجسد يجبُ أن يُرى”.

 

(5)

يبقى الأمر مرتبطا في النهاية بالفضاءات الذهنيّة التي نتحرّك فيها، وبنظرتنا إلى شكل إقامتنا في العالم. وهذه الإقامة غيـر ممكنة خارج الجسد: خارجَ ما نعرفه ولا نريد أن نعرفه لأنّ الأمر في تمثّلنا قد يكون مرعبًا ومهدّدا لبنى ذهنيّة تحمل إرثَ آلاف السنين من التفكيـر الّذي يُموقع الجسد في عالم الشرور، ويموقع الذات فوقه باعتبارها مشروعا مثاليا لا يكتمل.

لقد فكّر رجل الدّين مثلما فكّر لأنّهُ حاول من خلال هذه الثنائيّة (عالم الشرور / عالم المثل) أن يتجاوز الإرث التاريخيّ العنيف لمحارب الفايكينغ وهو يسكن العالم بغريزته، غيـر أنّه سيسقط لاحقا في اغتـراب وتمزّق سيؤثّران على نظرته إلى العالم طويلا. أمّا محارب الفايكينغ رغم انتهاء شرطه التاريخيّ، يظلّ مقيما في زاوية مّا من أذهاننا، يحاول الفهم أحيانا، ويُشهر قبضتهُ وسلاحه الحربيّ أحيانا أخرى. وقد يتحالف الإثنان مثلما يحدثُ في العصور الحديثة.

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: