في ذكرى 1 اكتوبر 1985 قصة العدوان الاسرائيلي على حمّام الشّطّ  و وحدة القضية الفلسطينية

img

في ذكرى 1 اكتوبر 1985 قصة العدوان الاسرائيلي على حمّام الشّطّ  و وحدة القضية الفلسطينية

مديحة جمال تونس

لم ينته اجتياح لبنان و محاصرة عاصمتها بيروت سنة 1982 من طرف الكيان الصّهيوني الاّ بالاتّفاق حول اخلاء بيروت من أعضاء منظمة التّحرير الفلسطينيّة الذين كانوا محلّ تتبّع من اسرائيل مقابل عدم تصفيتها لهم.

وقد قامت تونس في صائفة 1982 باستضافة اعضاء المنظّمة و عائلاتهم و قدّمت لهم مقرّات اقامة في مدينة حمّام الشّطّ بالضاحية الجنوبيّة من العاصمة التّونسيّة.

الاّ أنّ الكيان الصهيوني لم يف بوعده و واصل ملاحقة اعضاء منظمة التحرير الفلسطينيّة و تصفيتهم بشكل فرديّ خاصّة بأوروبا في المقابل قامت المنظّمة بالردّ على ذلك بالقضاء على ثلاثة أعضاء من الموساد في 25 سبتمبر 1985 كانوا متواجدين على متن يخت “فيريست” بميناء لارنكا القبرصي.

كان لهذه العمليّة الفدائيّة وقع كبير على الموساد و المخابرات الاسرائيلية مما نتج عنها صدور قرار عن الحكومة الصهيونية تمثّل في ضرورة القضاء على جميع قادة منظّمة التحرير الفلسطينيّة و على رأسهم رئيسها ياسر عرفات.

ثمّ شرعت في تنفيذ قرارها و ذلك بتعقّب  تحرّكات قيادات المنظّمة  و مقرّ اقامتهم , حيث تمكّنت من خلال عملائها بتونس من معرفة يوم اجتماعهم الذي دعا اليه ياسر عرفات بمقرّ القوّة 17 بحمام الشّطّ  يوم 1 اكتوبر 1985 على السّاعة العاشرة صباحا.

و قد وصل ياسر عرفات من المغرب الى تونس يوم 30 سبتمبر على متن طائرة الرّئيس العراقي صدّام حسين و اتجه الى حمّام الشّطّ  من اجل  الاستعدادا للاجتماع الا انه قام بتأجيل موعد الاجتماع قبل نصف ساعة من  انطلاقه  الى المساء لأن عددا من القيادات  العسكرية لمنظّمة التحرير  لم يتمكّنوا من الوصول الى تونس بسبب حجوزات الرحلات و اتجه الى مدينة  رادس القريبة من حمام الشّطّ  رفقة كبار القادة لتقديم التّعازي الى عائلة وزير الدّفاع الأسبق عبد الله فرحات الذي توفّي قبل بضعة أيّام بينما بقي بعض الأعضاء في مقرّ القيادة للإعداد للاجتماع.

و في العاشرة صباحا من يوم 1 أكتوبر 1985 قصفت ستّة صواريخ مقرّ قيادة الأركان الفلسطينيّة بحمّام الشّطّ بينما قصفت طائرات اسرائيليّة مقرّ اقامة ياسر عرفات و مكتبه و مكتب حراسته ليسقط في هذه الغارة  68 قتيلا و اكثر من 100 جريح فلسطينيين و تونسيين.

مباشرة تبنّت اسرائيل هذه الغارة و اعلنت في وسائل اعلامها انها قامت بهذه العملية التي اطلقت عليها اسم “الساق الخشبيّة” في اطار حقها فيما اسمته “بالدفاع عن النّفس”  و اعلنت عن مقتل ياسر عرفات قبل ظهوره بعد ساعات امام الكاميرات و كذب الخبر,

في تونس علم الشعب التونسي بالخبر من خلال القناة الايطاليّة الاولى التي كانت تبث بتونس  حيث ادان رئيس الوزراء الايطالي بتينوكراكسى اسرائيل بشدّة و تمسّك بحقّ ايطاليا في معرفة اذا ما قامت طائرات واشنطن باستخدام الاراضي الايطالية لتزويد الطائرات الاسرائيليّة بالوقود.

و بعد ساعة من الغارة أعلنت الاذاعة التونسيّة عن الخبر بالصيغة التالية : ” طائرات مجهولة الهويّة قامت بقصف منظّمة التحرير الفلسطينيّة في حمّام الشّطّ”  و أقرّت السّلطات التونسيّة رسميّا بأنّ هذه العمليّة قد أدّت الى مصرع 50 فلسطينيا و 18مواطنا تونسيا و جرح 100 شخص و خسائر مادّيّة فادحة.

و لتبرير عدم تصدّي الجيش التونسي للهجوم الاسرائيلي صرّح الوزير الاول آنذاك محمّد المزالي في حوار بثه التلفزيون التونسي بعد  الغارة : “لو خرجت الطائرات التونسيّة لاصطادتها الطائرات الاسرائيليّة مثل العصافير”

اما دبلوماسيا فقد قام الرئيس الحبيب بورقيبة باستدعاء السفير الامريكي في تونس “سيبستيان” و ابلغه غضبه الشديد أمّا وزير الخارجية الحبيب بورقيبة الابن فقد قام باقناع كبار الساسة الامريكان بوجوب سحب دعم الولايات المتحدة الامريكية لاسرائيل و لأوّل مرة في تاريخها احتفظت أمريكا بصوتها و لم تصوّت لاسرائيل في اجتماع مجلس الامن الذي انعقد بعد أيّام من الغارة على حمّام الشّطّ و الذي صوّتت فيه الاغلبيّة السّاحقة لصالح تونس.

شعبيا كانت ردّة فعل التونسيين قويّة حيث اكتسحت المظاهرات العاصمة التونسية و توجّهت الى السّفارة الامريكيّة للمطالبة بقطع العلاقات معها اثر اعلان أمريكا عن دعم اسرائيل في غارتها على حمّام الشّطّ و شهد مستشفى شارل نيكول أكبر عمليّة تبرّع بالدّم و تبرّع أصحاب الجرّافات  بالعمل التطوّعي من أجل ازالة الأنقاض  حيث كان كلّ تونسي يحاول التعبير من موقعه عن رفضه لاستباحة الكيان الصّهيوني لسيادة تونس و  عن انتمائه العميق للقضية الفلسطينية و دعمه لحركة المقاومة و بأنّ الدّم التونسي الفلسطيني الذي امتزج في حمام الشّط على يد العدوان الصهيوني ليس سوى عنوانا كبيرا عن وحدة القضيّة و العدوّ .

لم تعتذر اسرائيل الى اليوم لا من الشعب التونسي و لا في الفلسطيني عن جريمتها في حمّام الشّطّ بل قامت في سنة 1988 باغتيال  القيادي بمنظمة التحرير الفلسطينيّة خليل الوزير “أبو جهاد” بجهة قرطاج في تونس و صلاح خلف” أبو زياد ” و اثنين من قادة المنظمة بنفس الجهة سنة 1991 , و في 15 ديسمبر 2016 قامت اجهزة الموساد الاسرائيلية باغتيال القيادي في حركة حماس الفلسطينيّة  المهندس التونسي محمّد الزواري بمدينة صفاقس  حيث بثت قناة العاشرة الاسرائيلية مشاهد عن عملية الاغتيال  على عين المكان و تدخّل من مراسلها بتونس من امام وزارة الداخلية التونسيّة بشارع بورقيبة تونس.

لهذا ايضا تعتبر القضيّة الفلسطينية هي قضيّة الشّعب التونسي ايضا  الذي منذ الثورة الى اليوم مازال يخوض معركته من أجل  سن قانون دستوري لتجريم التّطبيع مع اسرائيل  التي استباحت ارضه و سيادته بشكل سافر أمام تذبذب مواقف حركة النهضة و الترويكا و كل الحكومات المتعاقبة منذ الثورة الى الان.

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.