في حيرة انتخاب المواضيع البحثية

img

في حيرة انتخاب المواضيع البحثية

سها غابري: باحثة في مجال العلوم الثقافية بجامعة تونس

بالرغم من الإجماع على أنّ لكلّ بحث علميّ بناءه الخاصّ وعلى أنها لا تنطبق عليها كلها صفة البنّاء، إلاّ أنّ العلاقة التلازمية بين الحيرة البحثيّة وانتقاء أحد الإشكاليات الاكاديمية مُتجذّرة، وزاد عمقها في الآونة الأخيرة خاصة مع اللُّبس الذي هيأ له سوق البحث المُتحكم في كساد تجارة مواضيع معينة ورواج ”موضة مواضيع” أخرى.
في موجبات حيرة الباحث أساسا؟
الباحث اليوم في سباق مع طفرة التغيرات الاجتماعيّة والسياقات الكونيّة والمحليّة التي تتسارع في توليد المجالات البحثيّة والظواهر البارزة في مُختلف الحقول المعرفيّة. حيث يتناغم تعددها مع تفرع الحالات اللاّمعياريّة المُحايثة بدورها لتعدد النواميس البحثيّة والأطر المنهجيّة. ولكن هل يكفي عرض ثلاث مُرتكزات لتوضيح مدى حيرة الباحث؟ وهل في هذه الحيرة وَهْمُ خنْق آفاق البحث أم هي درع حريّة البحوث الحقيقية والبنّاءة؟
فالباحث المُسيّر مُخيّر أولا، بين إكراهات جملة المنظرين وإغراءاتهم… بين داع لانتظار نُضج الظواهر (إيميل دوركهايم) وبين مُندّد بضرورة إدراكها في نموّها (جان بياجييه)، وبين مُشدّد على هدم المعارف وإعادة البناء (غاستون باشلار)، وبين مُطمّع بريادة استشراف الأسماء (إدوارد كورنيش).
وهو المُجبر ثانيا، على الانتقاء بين مُختلف المدارس والباراديغمات والمقاربات البحثيّة، بما يتماشى مع خصوصيات كل منها ضمن مُختلف آليات جمع البيانات الميتة أو الحيّة، والكلاسيكيّة أو الحديثة.
وحيرته الثالثة، تنبع من إجبارية الالتزام بالمواثيق البحثية المتعارف عليها والتعهد بتطبيق القواعد المنهجية الناظمة لتشييد البحوث العلمية واحترام قوانينها بدئا من أعلاها هيرارشية النّاصة حسب “قواعد المنهج في علم الاجتماع لإيميل دوركهايم، التي ضبطها بالترتيب في الفصول الستة التي استهلّها برفع اللّغط عن مفهوم الظاهر الاجتماعية، فالقواعد الخاصة بملاحظة الظواهر الاجتماعيّة بقوله “إن أولى هذه القواعد وأكثرها أهمية هي ملاحظة الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء”1 .
ومن جانب آخر هذا الامتحان الأخلاقي يُعري بدوره التراتبية القيمية لمختلف أعوان المنظومة الجامعية (المُهيمنين القُدامى في شخص اللجنة والمؤطر، و”الورثة” في شخص الباحث المُهيمن عليه الذي سيتقلد بدوره نفس موقع الهيمنة مستقبلا) نادرا ما تُبالي آلهة المعرفة (لجان المُناقشات) باختيار التوجه البحثي وانتقاء المشاريع، بقدر ما تُثمن حسن انتخاب الإلاه المشرف على الموضوع (المُؤطر) وفي خضم ذلك يفشل الامتحان في “التمييز” بين المُمتحنين فلا يُراعي الممُتحن الحائر منهم ويغفل أو لعله يتغافل قرابين “حج” ه (“ح” الحرية و”ج” الجدية).
حرية الباحث في انتخاب موضوع وحيرته في انتقاء الغير مُستهلك الذي من المُحتمل ان ينأى به عن احتراف “مهنة عالم الاجتماع”، وجدّيته في تجاوز مُختلف الصّعوبات. مهم كانت المعوقات، الشكلية ذائعة الصيت، التي قد لا يخلو بحث من الاشارة اليها كشُح المصادر وقلّة الدراسات السابقة والصّعوبات الميدانية، أو المُعيقات الفعلية الصّراعية بالأساس. بشكلها الكلاسيكي، أي الصّراع بين قُطبي الذاتية والموضوعية. وبشكلها الحديث أي صراع الدور الجديد البوردياوي مع الهابيتوس البحثي و”الرأس مال الثقافي” للباحث، وبشكلها المُعاصر أي بجملة الأدوار المُستجدة التي تفاجأ الباحث وتفرض عليه الامتثال لها، وهو المعنّي بفصل خط التماس بين تمثّلها في عمله وإخضاع بحثه لسيطرتها بالانسياق وراء الإغواء الجديد ويحذر بوعيه الجّدي و”حسه العلمي” من السقوط في مواكبة إشكال الموضة عوض الإشكالية الأساسية لمشروعه البحثي.
ليصعد بذلك فعل اختيار الظواهر المعنيّة بالدراسة وانتقاء المواضيع البحثيّة إلى أعلى مراتب الأفعال الاجتماعية عقلانيّة وأكثرها حساسيّة. نظرا لما يحمله هذا الفعل من مسؤوليّة مُتزايدة بتزايد إلتزامات الباحثين المُستجدة بجدّة أدوارهم. ف”الباحث ليس رسولا ولا قائدا فكريا، يتعيّن عليه أن يكتشف لنفسه دورا جديدا جد صعب، وهو أن يتعلم كيف يسمعُ وكيف يبحثُ وكيف يكتشف” .
هذا الدور الذي أفرده به بيير بورديو يُصبح أعسر كلما تطابق هرم التّعلم (الاستماع والبحث والاكتشاف) مع بيئة الباحث وحقله، ويزداد عُسرا إذا ما قرّر الباحث التعلم في بيئة التعليم وحقل الجامعة، وما يزيد من سقف الرّهان إذا ما كانت تجربة التعلّم الأولى هي تجربة الباحث الأولى في استقراء الوقائع وبناء منجز علمي مُحتكم للباراديغمات والأطر المنهجية من ناحية، وأن تكون هذه التجربة بدورها امتحانًا به يختم دراسته الجامعيّة في مرحلتها الثالثة من ناحية أخرى، وأن يكون هذا الامتحان المحوري كذلك هو المُحدد لمستقبله البحثي في مجال الدكتوراه من عدمه وبالتالي حيازته على لقب “هومو أكاديموس” من عدمه (وهو لقب الانسان الأكاديمي المعاصر الذي استقاه بورديو من ”هومو سابيانس” أي الإنسان العاقل).
فلعلّنا بهذا التنزيل نكشف عن ذاتيّتنا في جوانب ثلاث : موقعنا الحالي كباحث منتمى لحقل بحثه “الجامعة” أكثر الفضاءات إنتاجا للباحثين وأقلّهم حضا بالدراسة والتدارس والتنظير، وكمُعارض للانخراط في “التقصير المعرفي للجماعة العلمية إزاء الحقل الجامعي”، وكمُحلّل مُمتحنٍ مُتمسّك برهان البحث (وهو الانتقال من الرّهان على الوفرة إلى الرّهان على إعادة الإنتاج ثمّ الإنتاج المبتكر).
———————————————————-

1- إيميل دوركهايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الثانية، 2011، ص. 62.
2-أنظر:  ¨Pierre Bourdieu, “Entretien pour : Chercheurs de notre temps”, Réalisé par Philippe Miquel, Produit par la CNDP 21991, Le lien : https://www.youtube.com/watch?v=ZRGOxuxB_3A

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: