في السجن

img

في السجن

بقلم :صابر المنتصر

إلى من يعتقدون أن الحياة في الحجر الصحيّ تشبه حياة السجين، إليكم هذا النصّ!

في السجن، نستيقظ عند الساعة التاسعة صباحا على صوت المفاتيح الذي يبشّر بفتح الباب مثلما تستيقظون أنتم على غناء فيروز أو منبّه هاتفكم الذكيّ. يحالفنا الحظ في بعض أيام الأحد فيضع لنا أعوان السجون أغان على كل مكبرات الصوت التي تملأ المكان. عادة ما تكون الأغاني من قناة مزّيكا الفضائية (اكتشفت تلك القناة في السجن المدني بالمرناڨية) ويكون الصوت عاليا جدا.

في السجن نتناوب بالعشرات على الطابور الذي يؤدي إلى المرحاض لغسل وجوهنا وأيدينا مثلما تقضّون أنتم عشرات الدقائق في التجميل والدخول للحمام. يحالفنا الحظ أيضا مرة كل أسبوعين أن نستحم بماء شبه دافئ لمدّة عشر دقائق كحدّ أقصى وعدد من السجناء الذين ينتظرون دقائقهم بصبر جميل يسمعوننا شتائم رائعة.

في السجن يكون فطور الصباح باردا ولا يحق لنا، كسجناء، أن نشرب كأس حليب دافئ ربما لسنوات عدة. من حسن حظنا أن زيت الزيتون غير ممنوع بالرغم من أننا، نحن المساجين، نستطيع تحويله لمادة تساعدنا في تسخين المأكولات بعد عمل يدوم ساعة تقريبا وكلّنا أمل ألا يكتشف ابتكارنا العظيم (الفتيلة) أحد السجانين أو السجناء الوشاة.

في السجن نقوم عادة بتنظيف الغرفة يوميا لأننا سجناء حريصون على نظافتنا ونخاف أن ينتشر أي مرض بيننا تماما مثلما تقوم بذلك عاملة النظافة عندكم، أو مثلما تهتمّون بصحتكم في هذه الأيام بعد أن استغنيتم عن النسوة المتّسخات لأنهن يركبن وسائل النقل العمومية.
في السجن نغسل ثيابنا يدويا إلا أننا نستعمل مكواة تقليدية وهي أن نضع الملابس الجافة تحت أسرتنا وننام عليها ليلة كاملة. نحلق أيضا لحيتنا، وهذا أمر لا يجبرك على فعله السجان، دون الاستعانة بمرآة فهي أيضا ممنوعة مما يجبرنا على الاستعانة ببعضنا البعض.

في السجن، لدينا بعض الهوايات التي تساعدنا على مرور الوقت، كأن نشعل سيجارتنا الأولى وننظر للجدار الرماديّ اللون لربع ساعة. في حال انتابنا قلق من هذه الهواية، نشعل سيجارة أخرى ونحدّق في السماء. تعتبر هذه الهواية نادرة الحدوث لأننا لا نغادر غرفنا إلا لبضع ساعات يوميا ونأمل أن يكون الطقس جيدا. عندما يكون الطقس ممطرا نغيّر هوايتنا وندخّن سيجارتنا داخل الغرفة. ندخّن أيضا سيجارة في المرحاض، تعتبر هذه هواية أيضا. ندخّن سيجارة ونحن نأكل، ونحن نشرب، ونحن نغنّي، ونحن نتحدّث، ونحن مستلقين على أسرّتنا المريحة التي لا يتجاوز سمكها بضع سنتيمترات. ندخّن أيضا ونحن نتقبّل الشتائم، ندخّن عند الحزن الشديد وعند الفرح القليل. ندخّن أيضا عند اليأس وهذه أحسن وأفضل الهوايات. في السجن تحمل عنا سيجارة وحيدة ما لا يقدر على حمله كل الأطباء النفسيون مجتمعون.

في السجن باستطاعتنا أيضا أن نشاهد التلفاز مثلكم تماما. يكون التلفاز الذي طوله نصف متر بعيدا عنا بعشرات الأمتار ويتحكّم في تغيير القنوات أحد السجناء ذو الخبرة (كَبْرَانْ) وتوجد قناة يغيّرها لنا أعوان السجون حسب الأيام والاحتفالات. أتذكر ذات مرة حين كنا نشاهد مباراة لرابطة الأبطال الافريقية غيّر العون القناة نحو أخرى بها إبل تتسابق. طبعا لا يحق لنا امتلاك هاتف ذكيّ مثلكم وحساب نيتفليكس وفايسبوك وانستاغرام وكتب الكترونية إلا أننا لا نريد كل هذا لأنه سيشغلنا حقيقة عن هوايتنا المفضلة وهي التدخين.

في السجن، وكما في أي مكان في هذا العالم الرأسمالي، بإمكانك أن تشري أشياء تباع في المحلّ الذي يفتح مرّة أسبوعيا لسجناء كل غرفة. يوجد هناك كل المواد الأولية من حليب وسكّر وحلويات وشكولاطة ومواد تنظيف مثل محلّاتكم تماما. في العادة نتزيّن قبل الذهاب للمتجر. نضع مرطب الشعر ونخرج للتسوق إلا أننا نعود في أغلب الأحيان بأشياء بسيطة بعد أن نستنزف نقودنا في اقتناء السجائر. يحقّ لكل سجين أسبوعيا خمس علب من سجائر مارس الخفيفة و5 علب من الكريستال. تعتبر هذه الكمية، في السجن، ثروة كبيرة. بإمكانك اقتناء أي شيء بعد ذلك بالمقايضة بالرغم من أن هذا العمل ممنوع ويعاقب عليه.

في السجن، كما في حياتكم في الحجر، لا يحق لنا أن نلمس أحبابنا وعائلاتنا. يفصل بيننا جدار سميك وبلور مغطى بأسلاك حديدة، لهذا السبب لا نهتم بأمر هذا الفايروس ولا غيره من الفايروسات لأننا في حقيقة الأمر لن نحتكّ جسديا إلا بسجناء أصحاء مثلنا. بإمكاننا مثلا أن نبكي ونحن ننظر إلى أعين الزائرين. بإمكاننا أن ننهار شوقا أو حزنا. بإمكاننا أيضا أن نضحك ونبتسم تصوروا ذلك!

في السجن تنقصنا بعض الأشياء القليلة التي تتمتعون بها، رؤية القمر مثلا نحرم منه لأننا ندخل غرفنا عند الساعة الرابعة والنصف كل يوم ما عدى أيام السبت والأحد يكون الدخول عند الثالثة مساء ليتمكن أعوان السجن من مشاهدة المباريات براحة تامة. ينقصنا أيضا الملح، كنت دائما ما أعتبر أن هذا الأمر غريب بعض الشيء إلا أن اقتناء الملح ممنوع في هذا المكان. الوسائد أيضا ممنوعة. أربطة الأحذية ممنوعة، القلم، الأوراق، الولاعة، خاتم الزواج، القلادة، الملاعق الحديدية، كل هذه الأشياء البسيطة التي تمتلكونها نفتقدها نحن وبشدة.

في السجن يخافون علينا من العدوى بهذا الفايروس خوفا أن نموت. تزيد هذه الجملة من قناعتي أن هذه الحياة عبث.
قبل أن أغادر، سأحاول أن تستغلوا فترة الحجز الصحي لتفكروا معي في هذه المسألة:

يحرم السجين في هذا البلد من ممارسة الجنس.

نحن في السجن سعداء إلا أنكم لستم كذلك.

أتمنى لكم حجرا مريحا مثلنا.

لياليكم سعيدة.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: