فوضى جنّة الياسمين-عزّ شوية

img
فوضى جنّة الياسمين-عزّ شوية
 
في غُرفتي تحديدا بالطابق الرابع، مازلتُ نائمًا بعد صراعٍ ليليٍّ معها باتت تُقبّلني و مع كُلِّ قُبلةٍ تترُكُ علامةً. صباحي ليس فيروزيًّا، ركنتُ عقلي عند إحدى سمفونيّات بيتهوفن، عذوبةُ الألحان و عمقُها أجبراني على الغوص فيها و إقتباس كلماتٍ هجرتني ذات مرّةٍ.
يحدثُ أحيانًا أنّك لا تجِدُ أحدًا حتى نفسك، كلماتك و مفرداتُك التي تجول في خاطِرك تخونُك في فترة ضعفٍ أنت في أشدّ الحاجة إليها.
“صمت” هي إحدى مقطوعات بيتهوفن التي أعشقُها، هي الصّمتُ الذي أُثرثِرُ فيه كثيرًا مع نفسي. في ظلّ الفوضى الداخليّة التي تستوطِنُك يحدُثُ أنْ تقتحِمك بعض التفاصيل التي لم تأخذْ موعِدًا مُسبقًا معك. تجِدُ نفسك في ذلك المقهى على قارعةِ الطريق وسط العاصمة ترتشِفُ قهوةً ليست كتِلك التي كُنتَ تشربُها في مقهاكَ الجنوبيِّ المحتشِم، حتى طريقة تناوُلِها تختلفُ في اللّفظ جرّاء ما يُسمّى التحرّر و الطبقيّة المزيّفة. فهنا ليس شُربُ القهوة كارتشافها، لا الطريقة و لا المكان يلتقيان.
مازلتُ أصارِعُ عامِي الرابع منذُ انقطعت عن التدخين الذي خِلتُهُ سيُلازمني مدى الحياة و لكن تلك المتعة سقطت عند أوّل فتاةٍ أشعلتْ سيجارةً، كيفيّة إعدامها لمُؤخّرة السيجارة اللّعينة و النّفَسِ الذي تأخُذُه و رشفةُ القهوة توحي بأنّها في أزمةٍ ماليّةٍ خانقة أو كمَنْ يسري قبل الفجرِ للبحث عن لقمةٍ لعيالِه السبعة أو كفتاة ليلٍ تتجرّع المرارة و عدم الرضا عن متعةٍ مُؤقّتة وهبتْ فيها جسدها مُقابِل مبلغٍ ماليٍّ اشترتْ منه علبة السجائر.
تلك الوهلة من الضياع انقشعت عندما رأيتُ الكثيرات مثلها يتباهيْن بِحرقِ شفاهِهِن لإغراءِ رُوّاد النمطيّة و التحرّرية، أيقنتُ وقتها أنّ بنات بلادي مُدخّناتٌ من أعلى طراز.
نظرتُ في مرآة نفسي فما وجدتُني في البداية كانت الملامحُ شبه منعدمة مجرّد كتلة من الحواس. لما مرّرت يدي على زجاج المرآة أخذت الصورة تظهر تدريجيا بعض الشّيب غزا لحيتي و كذلك بعض الأقسام من رأسي، شعري الغزير على الجانبين أخذ في النُقصان أصبحتُ أربعينيًّا في ريعان شبابي. تأمّلتُني جيّدا حتى أدركت أنّني البارحة كنت منهمكا في الإستماع إلى مشكلة إحداهنّ تروي لي غدر حبيبها لها و صديقي الذي ماعاد يتجرّأ على أخذ هاتفه و الإتصال بي متسبّبا بالظروف و الشُغل ذلك الذي مازلت أبحث عنه مُستأنسًا ملل البطالة القاتل، صُحبتي في المقهى كلّ حديثهم عن المدير و أهوال العمل و روتينه لكنْ في آخر الشهر تراهم صفًا صفًا أمام البنوك يُقضّون أوقاتًا في طوابيرها أكثر من وقت يوم عمل.
كوب الشاي الذي أعددتُّه برَدَ و لم أذُق طعم السُكّر فيه، كنت منهمكا في التفكير بوالِدي و موعد استيقاظه عند الخامسة صباحا ليكدح لإخوتي و أمّي التي تذهب لجني الزّيتون بمقابل. كنتُ أفكّر في موعد مكالمتها السادسة مساءً من كل يومٍ لتطمئنّ على حالتي و كيف قضّيتُ يومي وتروي لي أخبار حيّنا كأنّني موجود، لا تريد أن يفوتني شيء حتى “زرقاء اليمامة” دراجتي النّارية الأنتيكة التي كانت حاضرة في حكاياتها فقد جرّبَتْ ركوبها مع أخي و لا أنسى ضحِكاتها وقتها و المتعة البريئة فأمي أول مرة في حياتها تركب دراجة. حسدتُ أخي و تمنّيت أنّني أوّل من جرّبتُ معها ذلك الإحساس، لا أملُّ من دردشتها و مداعبة حنانها فهي أوْلى من أيّ فتاة تستقر في شراييني. ذلك السكون عند سماع دعواتها تواسي وحدتي و تمحقُ ضعفي و تشدّ عزيمتي..
تلك الناموسة الملعونة التي أهدتني قبلات ساخنة أوّل يومٍ جئت فيه العاصمة وجدتُها ميّتة صباحها و البارحة أتت ابنتها لتُكمل تحرّشها بي. حُزمة الكتب التي اشتريتها لتكون رفيقتي ملّت صوت المجون و الهرج في أفكاري، تنتظر في كلّ لحظة أن تُفتح لكن حسب مزاجي الحالي انتظارها سيطول قليلا.
أحمر الشفاه ملقى على مسافة من تلك الطاولة. أين هي تلك الفتاة المدخّنة!
وردةٌ مشتعلة لم تعد لها رائحة، بقايا ابتسامات ملوّثة هنا و هناك. دخان متصاعد في السماء، طفلٌ صغير ينادي أمّه باكيًا اختفاءها لا يصدّق أنّها قبل ثوانٍ كانت تقول له ” لن أفارقك لحظة”و حزام ناسفٌ يحمل بقايا أشلاءٍ اختلطت دماؤها بين شقوق الرصيف. شظايا بلّورية متناثرة لواجهات محلات، فزعٌ يحتلُّ النّفوس و خوفٌ أسقط العديد منهم و البعض الآخر مازال جامدًا بلا حراك ينتظر فرقعة ثانية و ربّما ثالثة. فوضى يريد أولئك الأمنيين تطويقها حتى لا تحدُث كارثة أخرى ملقين بأرواحهم إلى المجهول.
إنّها النهاية!
فتحتُ التلفاز، وجدت نشرةً إخبارية مستعجلة حتى المذيعةُ لم تُكمل مِكياجها فلا وقت لتزيّن نفسها لخبرٍ مثل هذا، قالت و ملامحها ترثي النبأ :
ــ جدّ في هذه اللحظة تفجيرٌ انتحاريٌ أودى بحياة العشرات من المواطنين و منفّذ العملية رجلٌ أربعينيّ يحمل حزامًا ناسفًا له من الأوصاف لحية متجعّدة كساها الشّيب و عيونٌ مترهلةٌ تحُدّها تحويقة من أسفلها، حسب شهود عيانٍ فالمنفّذ له خلفية…
خلفية، ههه خلفية ماذا..! ما هذا الهراء..!
تركت المذيعة و عُدت إلى المرآة مخلوعًا أتكلّم وحدي، تحسّست فيها جسمي و الحزام الذي أحكمت ربطه في خصري.
أعدتُ مسحة أخرى على المرآة فما وجدت الشيب!
أ ليلةٌ كفيلةٌ بفعل هذا!
لكن عندما داعب الماءُ وجهي تذكّرتُ أنّني حلقُت بالأمس ذقني و لم يحن دوري بعدُ، لست من مرّ للتوّ بعتبات جحيم الجنّة الموعودة.
(عزّ-شوية)
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: