فعل الإلتقاء بين التجريد الفلسفي و سرديّة البحث العلمي

img
فعل الإلتقاء بين التجريد الفلسفي و سرديّة البحث العلمي
بقلم :محمّد حرّاثي
 
هناك علم رائع في الرياضيات يدعى الاحتمال (la probabilité) وهو علم يقوم فقط على حساب احتمال حدث ما. وهو أقرب للتطبيق على أرض الواقع…
المبدأ الأساسي له هو: “إذا أردت أن تحسب احتمال العدد A فيجب أن تحدّد عدد عناصره (card(A)) حسب الحدث ثم تحدّد عدد عناصر جميع الأحداث (card(Ω)) ثم نقسم الأول على الثاني. و إذا أردت النسبة المئوية تضرب في 100.
الأمر جدُّ عاديّ و منطقيّ و بديهيّ نوعا ما.
ولكن على ما يبدو أنّه من خلال هذه القاعدة البسيطة قد يخرج ما هو غريب على الإدراك العقلي..
قد يجعل الحقيقة مخيفة.. كما يقول نيتشه: “كي نفهم المقصود سنلعب لعبة احتمال ثم نستنتج.”
فلنعتبر أن هناك 4 أوراق لعب من نفس الفئة.
ولنعتبر كذلك أنّه هناك وجه كتب فيه حرف k و الآخر كتب عليه حرف L .
فالنقذف هذه الأوراق بطريقة عشوائية،
إذا خضنا لعبة الإحتمال، أو “مصفوفة الحظ”،
سيكون معيار الاحتمالات هنا الترتيب، و هي كالتالي:
KKKK
KKKL
KKLK
KLKK
LKKK
KKLL
LKKL
KLLK
KLKL
LKLK
LLKK
KLLL
LKLL
LLKL
LLLK
LLLL
حسنا أتمنى أن تكون الاحتمالات واضحة.
هناك طرائق أخرى لحساب هذا بسرعة، و لكن فقط للتوضيح أكثر.
المجموعات الذي يمكن أن نستخلصها هي:
المجموعة Ω وتمثل جميع الاحتمالات (card(Ω)=16)
المجموعة A تمثل احتمال أن تكون الاوراق كلها k
Card(A)=1
المجموعة B تمثل احتمال أن تكون الاوراق كلها L
Card(B)=1
المجموعة C تمثل احتمال 3 أوراق k وواحدة L
Card(C)=4
المجموعة E تمثل احتمال 3أوراق L وواحدة k
Card(E)=4
المجموعة F تمثل احتمال 2 K و2L
الانتظام
Card(F)=6
إذن كي نحسب احتمال كل مجموعة من الأوراق نقوم بالعملية التي ذكرتها سابقا:
P(A)=card(A)/card(Ω)
بحساب سريع إستنادًا لهذه الطريقة سنجد أنّ :
P(A)=6.25%
P(B)=6.25%
P(C)=25%
P(E)=25%
P(F)=37.5%
و بالتالي فالاحتمال الأكبر هو الانتظام أي المجموعة F، و بالتالي يمكننا أن نستنتج أن العشوائية تميل للانتظام في مكوناتها، و لكنّ هذه مجرد لعبة.
أمّا في الطبيعة فنسبة انتظامها ستكون أكبر أي أنّ المجموعة F تمثل في الواقع قوانين الطبيعة الاعتيادية كالجاذبية و التحولات الجينيّة و غيرهم.. هذا لا يمسك تحقق المجموعات الأخرى، و احتماليتها قد لا تُستثبت إلاّ بنسب قليلة.
في هذا الطرح سنغوص معمّقًا : يمكن أن نطبّق لعبة الاحتمال على أي شيء ينتمي إلى الكون، و لكن العشوائية و الصدفة تميلان إلى الانتظام بنسب أكبر..
سنرمي قلما، سيسقط.
لماذا؟
بسبب الجاذبية طبعًا.
و لكن كلّ هذا كي تبقى قوانين الطبيعة منظمة.. فمن المفروض أن يسقط القلم.. لكن قلت عندما تكون قوانين الطبيعة منظمة أي تميل إلى الانتظام.. أي أنّ عشوائيتها تميل إلى الانتظام… و بالتالي فكل ما هو مألوف يدخل فيما يشبه المجموعة F، أي في حالات نادرة، قد يطفو القلم.
سنقول إنّ هذا غير منطقي.. سأقول لأنّ هناك مجموعات غير F، و لكن نسبها قليلة، و بالتالي قد يطفو القلم في الاحتمال الذي لا يميل إلى الانتظام.
و هذا يحدث على جميع الأشياء المنتمية إلى الكون.
و لكن حتى الاحتمالات التي سيطفو فيها القلم تكون مبنية عن أساس المنطق… الذي هو في حدّ نفسه مضادٌ لمنطقنا…
و بالتالي فما يعدُ مألوفًا إنّما هو مجرد احتمال و عشوائية تميل إلى النظام، بينما في حالات قليلة قد لا تميل إليه، و عليه فاننّا نقضيِ معظم حياتنا في الاحتمالية F.
يمكننا أن نستنتج أنّ كل ما يرتبط بنا أو يرتبط بالطبيعة الّتي هي نفسها مجرد احتمال، أي أنّ الكون هو مجموعة عملاقة من الاحتمالات.
نحن البشر، فقط، نتائج لإحتمالات متعدّدة، هذا هو عالمنا، المنطق نسبي. فمن منظور بشريٍ، إذا أردنا التحقق أكثر فعلينا أن نبحث في العالم دون الذريّ، حيث الاحتمال يمارس لعبته بامتياز.
يبدو أنّ السبيل الوحيدة لفهم هذه الأشياء هي عبر الإلكترون “électron”, لكن من برهن لنا ذلك؟
لقد برهنه العالم “هايزنبرغ”، عبر مبدأ الريبة أو “اللاّيقينية.”
إذ لا يمكنك تحديد موضع جسيم و سرعته في نفس الوقت.
لقد كان هذا الأمر يتناسب و الفكرة الّتي طُرحت عن الاحتمال، فتمّت إضافة مبدأ “بلانك” للكمّة، و هنا بدأنا ندرس هذه الاحتمالات العشوائية في العالم دون الذريِّ.
هنا بدأ أغرب علم في تاريخ الفيزياء.
”ميكانيكا الكمّ”
يقول نيلز بور:” أي شخص لا يصاب بصدمة من ميكانيكا الكمّ فهو لم يفهمها بعد”.
“ميكانيكا الكمّ” علم أعاد تعريف المادة و الكون بشكل منطقي، و لكنّه غير منطقيّ في العالم المألوف رغم منطقيّته.
صدف.. عشوائية.. و احتمالات..
أهو موقفٌ “أناكزيماندريّ” تجاه الحقيقة.. ؟
أم تصنيفٌ لباراديم مرجوُ الوصول ؟
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: