فصول الذاكرة المهاجرة

img

فصول الذاكرة المهاجرة – عزّ الدين شويّة

تَراني وحدي جالسًا في طاولة مقهى على قارعةِ الطّريق، أنظر في قهوتي المُرّة، أبحثُ عن طيفكِ بين الحشودِ.
وعدتِني باللّقاء حلوتي لكنْ مرّ الآن أكثرُ من ألفِ شخصٍ و أنا أكتب لكِ هاته الكلمات و لم تمرِّ أنتِ. تجمّدت قهوتي و أنا أترقّبُ أنْ أشربَها من شفتيكِ. أنتِ سُكّري المفقود من يوم وداعنا، لم أخُن ميثاقنا لكنّ المرارَةَ أذبلتْ قلبي. حاولتُ خيانتكِ بعدها أو نِسيانكِ بواحدةٍ أخرى لكنْ لم أجِدْ الجُزء المفقود مِنّي في أيّةِ واحدةٍ مِنهُنّ. يومَها أخذتِ قرار الوداع دون سابقِ إنذارٍ حتّى أنّني لم أستطع ردّكِ عنه و لم أستطع توديعكِ. لم تكوني موجودةً يومها. بحثتُ عنكِ في الطُّرقات التي سلكناها و المقهى الذي إعتدناه، سألتُ عنكِ فنجانكِ المحبًّبَ إليكِ. توسّلتُ زهرة الجوري التي تُحبِّين. ثلاث سنوات و أنا أتفقدُ رسائلكِ في هاتفي علّك تجيبين لهفتي أو علّني أنتزِعُكِ منّي.
أتتذكّرِينَ يوم قالوا عنّي مجنونَ فُلانةٍ و أنا معكِ..؟!
اليوم إشتدّ جنوني ولكنّكِ لستِ معي و لستُ مع نفسي حتّى. ثلاثُ سنواتٍ أتجرّعُ العقاقير و الأدوية و أصبحتْ مصحة المُختلّين عقليًّا مَسْكني. حيطانُ غُرفتي مليئةٌ بِرسائِل كتبتُها لكِ حُلوتي، لكنّ المسؤُول يُوبِّخُني بكلاماتٍ قاسِيةٍ و يقول: “لن تُشفى فأنتَ مجنونٌ..” كنتُ أُكْسَرُ كثيرًا من دونكِ لكنّني أعودُ و أكتُبُكِ و أكتُبُكِ، لم أعُد مباليًا، ألستُ أنا المجنون..! تَركْتِنِي و غادرتِ، ذبُلتْ زهرةُ الجوري التي زرعتُها لكِ في قلبي و هجرتُ المصحّة التي لم تعد تحتويني. واصلتُ البحث حُلوتي؛ كنتُ أطرُق بابَ بيتِكُم في اليومِ عدِيدَ المراتِ لكنّ أُمّكِ تَكذِبُ و أنا الذي لم أعهد عنها الكذب. كانت تقولُ أنَّكِ لنْ تعودي و أظلُّ أنتظِرُك تحت بردِ النّدى مُفْتَرِشًا حنِيني إليكِ. أتُصدّقِين،! حبِيبُك الذي يكْرَهُ الشِّتاءَ أَصبحَ اليوم أقسى من نسماتِه اللَاذِعةِ. أسير حافيًا أتتبّعُ آثار خُطُواتِكِ القديمةِ و رائحةُ عِطركِ في كلِّ مكانٍ لم تنقشع؛
“أَهكذا يُجازى المُحِبُّ بالجنون..!”
كان آخرَ لقاءٍ بيْنَنا هو أوّلُ يومٍ في زواجِنا لكنّني لم أرَكِ بعدها و لا أتذكَّر شيئًا إلّا أنني وجدتُك ساجِدَةً في مِحرابِنا الصَّغير الذي خصّصناهُ للصّلاة لكنّنك لم تقومي من وقتِها. تِلك الدُّموع مازالتْ تُبلِّلُ لِحيتِي و لم أستطع كَفّها، حتّى أنّ شعري الرّطب زادَ طولًا و أصبح مجعّدًا يغزوه الشّيبُ و لم أعُدْ أعتني به كما تُحبّين.
أفقتُ على كُلِّ من أعرفُهُم ينادونني بالمجنون. كلَّ أسبوعٍ أشتري قنينة العطر التي تُفضِّلين و أُعطيها للمارّة صدقةً على روحِكِ التي فارقتني من غير سبب.
أحكِي عنكِ لنفسي و لحارسِ المقبرةِ الذي يَحِنُّ لقِصّتي؛ “أ تُراهُ يصدّق ما أقول؟” لا أشكُّ أنّه صار صديقًا لساكِني القبور أكثر من أولئك الأحياء؛ فهو الوحيدُ من يعرف قِصَصَهُم ويسقِي قُبورهم و هو الوحيدُ من قال لي: “لا تبتئسْ ستلحقُ بحبِيبتِكَ فلكُلِّ منّا محطّةٌ هو راكِبُها و أنتَ لستَ بمجنون..”
اختلط صوتُ منبِّهِ الشَّاحِنَةِ و ضَجِيجُها مع منادٍ يصيح؛
” حبيب! يا حبيب! ألا تنفكُّ عن صنِيعِك! ألقِ ما تُمسِكُ بيديك واصعد الشّاحنة، فمازال أمامنا الكثير من الأحياء الممتلئة قمامةً.”
أخذ حبيبٌ مكانه، واضعًا قبْضَته على أنْفِه لِيحجب عنه الرّائحة الكريهة، وليبقِيَ في صدره ما قرأه، منذ برهة، من فصول الذاكرة المهاجرة.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: