فسيفساء ، فاطمة عسيلي

img

الفراغات بين الأصابع ليست موجودة حتى تملؤها يد أخرى. هي موجودة حتى نحرك أصابعنا، كي نكتب و نرسم و نعزف ألحانا و نصنع من الطين حياة.
عندما كان صغيرا كان يعتقد أن بلاده محتلة. يتابع نشرات الأخبار رفقة والده، يرصد العدو و يحاربه بأقصى مايملك من كلمات، يكتب قصائد غير موزونة. سيصير بطلا حين يكبر. لم يكن يعلم أن للأوطان حدود. و أن بلاده تبعد بحارا و جبالا عن الأرض التي يتابع أخبارها باستمرار. لا يعلم أن العدو الذي طالما تخيله و انتظر لقاؤه لن يجده أمام البيت.
كبر و صارت أحلامه تصغر، فقد حماسه كما فقد بينوكيو روحه يوم أصبح إنسانا.
قفز من فراشه.
كان يناشد النوم منذ الساعة العاشرة. يتقلب يمينا و يسارا، يغير وضع الوسادة. ينزع قميصا يلبس آخر. يشعل سيجارة و يطفئ اخرى.
فتح دفترا كان قد نسيه فوق الطاولة مواصلا القراءة.
كان يحب طفليه كثيرا. باسم و راسم. جسدان من نفس واحدة. يحملان ملامحه الحازمة و طيبة قلب حبيبته المجنونة.
كان يحب طفليه كثيرا.
يرى العالم على شكل لوحة فسيفسائية. لكن القطع الصغيرة التي تكونها لا تحمل أربعة اضلع، كان يرى قطع دائرية متشابكة. لا يؤمن قطعا بزعيم أو قائد يسير الناس يضع قواعد و يصنع المعجزات. لطالما اعتقد أن الطيور هي من هزمت خمبابا، و أن عمر الزهور يفوق عمر بني البشر.
مر عقد تلاه آخر و مازال يرقص على وقع الطبول.
لما لا نزف خبرا غير سار ونحن نغني لحنا سعيدا تهتز له الخصور؟ لما لا نعبر عن غضبنا بقبلات حارقة؟ لما لا نضحك اذا ما جرحنا اصبعا دون قصد، و يتدفق دم دافئ من اوعيتنا بكل رقة، يرسم شكلا غريبا أو يفتح طريقا.
مازال يذكر أول لقاء جمعه بحبيبته، كانت تنتظره في الجانب الآخر من الطريق، تحمل رسائله و باقات الورود، تحترق شوقا لتراه لأول مرة. سار نحوها كما تسير الغيوم بخفة حاملة اطنانا من الأمطار و البرد. سابحة في الفضاء تقبل الجبال.
أربع عجلات و جسم حديدي كانت كفيلة بإنهاء حياته.
أغلق الدفتر، وضع القلم و عاد إلى النوم.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: