فخ البرامج التلفزية-راوية صالحي

img

فخ البرامج التلفزية-راوية صالحي

إلى بعض الذين تعوزهم جرأة البوح ورغبة البحث والمعرفة إليهم وحدهم حروفي الهزيلة وأنا واحدة منهم .

اليوم وأنا أتحسس جسدي الخضب النابع بالحرارة والدم المتدفق في العروق تجوب يدي يمنة ويسرة في أرجاءه باحثة عن نبراس ضوء مشتعل يقودها في تلمسها العابث أم كأنه حدس الموت وشبحه المخيف ينبض في كل أركاني يقودها إلى زوايا مخفية كأنها أرض عذراء لم تكتشفها بعد أطماع الإنسان.

في المرة الأولى إنتهى تحسسي وإكتشاف جسدي بسبب طرق خفيف على الباب كانت أمي تتفقد غيابي  مرت على هذه الحادثة فترة زمنية وجيزة ’إلى حين يوم تناولي جهاز التحكم وبحثي عن برنامج لأروح به عن نفسي قليلا  حد تعثري ببرنامج معنون العيادة التلفزية بمرافقة مقدمة البرنامج طبيبة نسائية تتحدث عن الأورام الخبيثة ونسب إصابة النساء وأنواعه وطرق الكشف عنه علاجه وحتى نسب الوفيات بسببه .

إنه أكتوبر الزهري .

اللون الزهري لون زهور متفتحة على أخاديد النساء معلنا حلول الربيع ببهجته بألوانه بفرحه الشاسع والمتسع والحاوي لكل نفس حية لكل كائن مثمر ربما كان الربيع فصلا للتكاثر النباتي والحيواني ولكنه فصل تزهر فيه النساء كذلك’ إنتهى البرنامج التلفزي وأنا شاردة الذهن ترى ماذا يحل بإمرأة مصابة بهذا الداء الخبيث ؟ها أنا خائفة من تسميته  بإسمه الطبي نحن جميعا نخاف أن نسميه بإسمه السرطان كانت رهبة و جزع هو الخوف من الموت لا الخوف من المرض  ولا من جل التسميات والأسماء نحن نهاب إندثارنا ككائنات تتحلل في التربة وتظل مجرد أسماء عابرة في الذاكرة ربما تحن إليها الأفئدة سهوا وربما يكفر بها غضبا هو الإنسان لم يتجاوز بعد كتلة المشاعر المتناقضة المتضاربة حد السأم .

إنزويت في غرفتي في ظلام حالك يلف جدرانها  وتدثرت بغطاء سميك وجلست في مخدعي مستحضرة الحوار الذي سمعته منذ حين ’هي المرة الأولى التي أرتجف فيها من فكرة أن أصاب يوما بسرطان وأموت في غفلة من الزمن أستنكر خوفي قائلة “ليس كل داء قاتل وليس بكل كائن يتنفس فهو حي”فكرة المرض بعثرت كياني وكسرت صلابتي حد أني صرت أحفز ذاكرتي ترى من قتله السرطان  في عائلتي ’هل أذهب لأستفسر من أمي عن سبب وفات أحد أقاربنا مؤخرا ترى وترى و ترى  ؟بما سأجيبها لو استفسرت عما حل بي هل أقول يا أمي إني أحتضر إني مصابة بداء السرطان ’لن أسلم من أسئلتها ربما ستموت لحظتها سأكتم حيرتي لحين تأكدي من مرضي .

منذ ذاك اليوم لم أتحسس جسدي ,ربما هو الخوف من معرفة أين مكمن السرطان فيه  .إني أسيرة برنامج تلفزي   لقد فعلت بنا  هذه البرامج أكثر مما فعلناه نحن بذواتنا إنها غربة اليوتوبيا الحديثة المفتعلة وغربتنا نحن وشتاتنا الأبدي الإرادي .

كيف لفكرة مرضية أن تقود إنسانا للهلاك ؟نحن خالقي أفكارنا فقط فلما تتحول في لحظة سهو من السلم  الزمني لسيوف مسلطة على رقابنا حينا آخر؟

مرت الأيام في تسارع مقلق ربما هو مجرد حدس وخواطر صبيانية ولم يكن قط فعل نبوءة أو يقين  .في كل يوم  كنت أذبل أكثر وأفقد كل من ابتسامتي ’شهية الأكل عندي ’وزني وحتى شغفي بالبطاطس المقلية المقرمشة وكذلك بحبيبات الشكلاطة وبكل عاداتي البدائية كذلك .

اليوم الأول من أكتوبر يصادف تاريخ عودتي الجامعية سألتقي بأصدقاء المقعد وأصحاب الدرس ’من الصباح الباكر وأنا أتزين أرسم إبتسامات مزيفة بأحمر الشفاه وأرتديها كثوب جديد  ,ربما بالغت بالتزين ولكنه رد فعل إنكاري لكل متسائل عن الهزال والذبول الذين أصابني سأخبرهم بأني سأشارك في عرض للأزياء وعليا أن أكون جد نحيلة ’ربما صدقوتي ولكن هل أصدق نفسي أني سليمة  البنية وأني حكمت على جسدي وروحي بسجن عبثي  دون تقرير طبي قاطعا لدوامة الشك المضنية  التي سجنت فيها نفسي “هل يحق لكل منا أن يختار سجنه الفردي وزنزانته الخاصة ؟كيف لنا أن نغادر جحورا سكناها طوعا ؟

على طول الطريق وبعيوني الغائرة في السواد وذاك الجفاف والتشقق الذي أصاب شفاهي لم تنفع مساحيق التجميل في تغطيتها ’كنت أطالع الوجوه وأتفحصها لعلي أجد ملامحي مرسومة على إحدى الوجوه والأعناق المشرئبة ويا خيبتي ولو وجه يحمل تفاصيل وجهي وجسدي لوهلة نسب النساء المصابات وقلت فقط أنا أحمل السرطان .

وصلت لمحطة المترو متهالكة ألهث والعرق يتصبب مني كأنه صنبور مياه يداي ترتجفان وأنا أفتح قارورة الماء لأبلل ريقي ’ذاك الإرتجاف ترافق مع سقوطي المدوي غائبة عن الوعي وسط جمع من الناس الغرباء الذين تولوا إسعافي وحملي إلى المستشفى .

في غرفة مطلية بالدهان الأبيض مضاءة  من كل الجوانب تفتح على حديقة  غناء مزهرة تنبعث منها رائحة الأزهار وزقزقة العصافير وغرير المياه الصادر من نافورة متربعة على عرش الحديقة تصل هذه الروائح إلى أنفي والأصوات إلى أذني فأتحسس لتداهمني نوبة من السعال كادت أن تقفز بقلبي من بين ضلوعي وتجويفات الجسدية حاولت النهوض من على الفراش الذي كنت مستلقية عليه لكن ساقيا لم تحملاني البتة كنت ناوية البحث عن أي شخص يرشدني ويبدد هذا البياض وجل هاته الروائح والأصوات التي تغزوا عقلي وجل هذا الضجيج الذي يحوم حولي ’إني خائفة أن أتوجه صوب الباب ربما لم أفرق في لحظة بين الباب والنافذة وأتبين الرائحة من الصوت ’لا يكفي أن أصاب بالسرطان بل ربما بوادر زهايمر مبكرا لقد شاهدت فلما كانت بطلته تعاني من الزهايمر وهي سن الثلاثين انتهت حياتها وتركت خلفها ابنتا لها تحمل إسم شام وزوج يبكيها ’أما أنا لو مت في هذه اللحظة من سيدرك مماتي وأنا غريبة بين هذه الجدران .نوبة سعال أخرى مترافقة بعلو صوتي صياحا وبكاء ولطما ها أنا أخذ نصيبا من ألم الأحياء الذي يغزوهم لموت قريب سأنتحب لموتي قبل موتي .

وسط البكاء والنحيب المتصاعد تدافعت أيادي نحو الباب تفتحه مسرعة لإستجلاء الخبر ’ربما هؤلاء المتدافعين تحالفوا ضدي مع البياض لم أفرق بين الطبيب والممرضة أو حتى بين هاته الهياكل العظمية المتحركة أمامي  فقط هذا البياض المجهر الذي يؤلمني في العمق ’تكورت في مكاني مرتابة مطأطئة الرأس قابضة عليه بكلتا  يداي أحاول جاهدة أن لا أسمع حديثهم ربما أن لا أسمع نتيجة الفحص ’جلس الطبيب بجانبي في محاولة منه لتهدئتي والتخفيف عني ,حرر رأسي من قبضة يدي مسيطرا على جزعي هامسا في أذني” أنت بخير فقط إنخفظ ضغطك قليلا بسبب سوء التغذية الذي تعانيه والحمية القاسية التي تتبعينها “لم أعلم كيف رحت أضم الطبيب إلى صدري وأحتضنه مطولا ماسحة دموعي أجاهد لأبتسم “أتقصد أني لا أعاني  لا من الزهايمر ولا من سرطان الثدي ؟”تغيرت ملامح الطبيب انبسطت سريرته من دس هذه الأفكار في مخيلتك ؟هل قمتي بكل الفحوص اللازمة ؟من هو طبيبك المباشر ؟أين أدويتك ؟أحسست ببعض البلاهة والتلبد الفكري الممزوجين بالغباء والجهل “لقد شاهدت فلما وبرنامجا طبيا فظننت نفسي مصابة ”

تجمد الدم في عروق الطبيب وكاد أن يصفعني أن يصفع غباء وسذاجتي وجهلي المتكلس وبدل صفعي طلب لي طبقا من الأكل وعرض عليا إيصالي لمنزلي وعلى طول طريق العودة كان يحدثني عن تأثير التلفاز وسلبياته عن الأمراض والـأوبئة عن التداوي عن العلاج عن الوقاية وفاضل أن يمر بمكتبة فأشترى لي مجموعة من الكتب الطبية لأرفع عن عقلي الجهل وعن نفسي التشائم ومدني برقم هاتفه وعلبة من الشكلاطة وودعني وهو يصدح بأغنية “ايه في أمل”.

في البيت رحت ألتهم الشكلاطة بعجل وشهوة عارمة وما إن سمعت صوت التلفاز حتى سارعت بتهشيمه والإلقاء به في القمامة طالبة من أمي إعداد طبقي المفضل ساعية لتغيير شعبتي الدراسية .

وهاهو اليوم أكتوبر آخر يحل وأنا طبيبة أعالج مرضى السرطان .

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: