غسّان كنفاني : كلّ في واحد..أو الطّيران بعدّة أجنحة

img
بقلم :رياض عمايرة
الإهداء :
إلى العمّة سناء الفلسطينيّة الشّامخة التي أعدّت لي القهوة اللّذيذة في صيدا إحدى مدن غسّان كنفاني. تلك الفلسطينيّة التي يفوق عمرها عمر الدّولة اللّقيطة القائمة على أرض أجدادها منذ 1948.
تصدير :
“كل قيمة كلماتي كانت في انها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح”/ غسان كنفاني
 
تحلّ هذه الأيّام ذكرى جديدة لاستشهاد غسّان كنفاني ( 8 نيسان 1936-8 تمّوز 1972) أحد أشهر الكتّاب و الصحفيين و السياسيّين في تاريخ فلسطين الحديث و أغزرهم إنتاجًا.
وفي هذه المناسبة و غيرها لسائلٍ أن يسأل عن سبب الشّهرة الكبيرة التي بلغها غسّان كنفاني رغم أنّه جاء في وقت ازدحمت فيه السّاحة الفلسطينيّة و العربيّة بالكتّاب و الشّعراء و الصّحفيين و رغم أنّه أيضا لم يعمّر طويلًا إذ رحل وهو في السّادسة و الثّلاثين من العمر.
اغتيل كنفاني في الثامن من تمّوز 1972 في بيروت على يد الاحتلال الإسرائيليّ بواسطة سيّارة مفخخّة و كانت معه حينها الصبيّة لميس ابنة أخته و مُرافقته الدائمة التي ارتبط اسمها بالعطاء الأدبيّ الغزير للخال غسّان الذي وعدها بأن يُهديها كلّ فترة كتابًا أو إصدارًا ما وهو ما دأب على فعله طيلة حياته الإبداعيّة.
و رغم كثرة الكتّاب الذين راوحوا بين العمل النّضالي الميداني و بين العمل النّضالي الآخر وهو الكتابة فإنّ نموذج غسّان كنفاني بقي الأبرز ليس في فلسطين فقط بل حتّى عالميّا. ما يميّز ابن عكّا عن غيره من المقاومين أو الكتّاب أنّه تعدّى السّلاح و القلم مُشكّلا حالة نضاليّة نادرة في القرن العشرين وحتّى قبله. فمن الصّعب أن تجد في تاريخ نضال الشّعوب رجلًا يقوم بالأدوار التي قام بها كنفاني لصالح القضيّة الفلسطينيّة. فحتّى القادة و الأباطرة سابقًا كان يستندون إلى وزراء و مساعدين يخطّطون معهم.
فمن الرّوائي و القاصّ إلى الصّحافي إلى القياديّ السياسيّ و العسكريّ إلى المفكّر و القارئ للتّاريخ و المستقرئ للمستقبل كان كنفاني يضع قضيّته نصب عينيه و يمضي مؤمنًا بطريق واحد يعيده إلى حيفا وهو طريق يقوم على النّضال المسلّح و النضّال الفكري و الأدبي رافضًا بقيّة الطّرق رفضًا قاطعًا و نهائيّا.
كلّ تلك الخصال التي حملها كنفاني –والتي يمكن أن نضيف إليها صفة الشّهيد- كانت تدور في فلك المثقّف الملحمي الذي كان عليه صاحب “أرض البرتقال الحزين”. و كلّها تكاملت لتشكّل صورة جديدة للمثقّف الذي ينتقل مع غسّان كنفاني من المكتب و البرج العاجيّ و المقاهي الفخمة إلى الميدان حيث الدم و رائحة البارود و دموع الأرامل و الثّكالى و الصّيحات المناديّة بالتحرّر والعودة التي كانت تنحدر من حنجرة غسّان قبل الآخرين.تلك الخصال تكاملت أيضا لتنحت صورة المثقّف الذي يشتبك مع شعبه مُشكّلا مفهوم المثقّف الفلسطيني الذي يرفض منه غسّان أيّ تطبيع مع الصّورة السّائدة للمثقّف في العالم لأنّ المرحلة تختلف و القضيّة تختلف بين بلدان متحرّرة و بين فلسطين المحتلّة.
و هنا يجدر القول أنّ غسّان كان الأكثر تشبّثا بالثّورة و الوطن المسلوب في كلّ كتاباته لأنّه يرفض أن يغالط العالم و يقدّم له صورة الفلسطينيّ الذي يكتب عمّا يكتب عنه الكتّاب الآخرون في العالم. فهو كان يعي أنّ الوضع مختلف و القضيّة مختلفة و المُستقبل مختلف وهذا ما يمكن لكلّ دارس لمسيرة كنفاني أن يكتشفه خاصّة في الدراسات التي قام بها حول تاريخ فلسطين إمّا أثناء الاحتلال البريطاني أو أثناء نكبة 48 و ما بعدها.
و هُنا يمكن التوقّف عند ملحوظة شديدة الأهميّة .فارتباط غسّان بفلسطين لم يكن عاطفيّا ساذجًا أي بفعل الانتماء أو الألم الذي خلّفه الاحتلال في كلّ نصّ كُتب عن القضيّة وفي كلّ قلب فلسطينيّ. إنّما هو ارتباط فكريّ عميق و وثيق اشتغل من خلاله المفكّر لمعرفة أسباب المأساة و واقعها و الحلول الممكنة للخروج منها و العودة إلى الأرض كاملة وهذا ما ترجمته مختلف الحوارات التي أقيمت مع غسّان كنفاني و كذلك ما كشفت عنه جميع أعماله بدءا من “موت سرير رقم 12” الذي نُشر عام 1961 إلى رواية “الشّيء الآخر” وهو آخر ما كتبه الفقيد.
وكما تمّت الإشارة سلفًا فإنّ كلّ الخصال التي تميّز بها غسّان كنفاني كانت تسير بالتوازي دون التخلّي عن واحدة منها حتّى لحظات الاستشهاد. و ذلك يرجع إلى رفضه الفصل بين بين صفته ككاتب و مثقّف و صفته كسياسيّ مناضل من أجل قضيّته.
جناح أوّل: الأوراق أيضا تُؤدّي إلى حيفَا
روائيّا ظلّ غسان طيلة حياته و حتّى بعد رحيله اسمًا مُهمّا – إن لم نقل الأهمّ – في أدبيّات القضيّة الفلسطينيّة. فصعب و ربّما مُستحيل أن يتأمّل المرء صورة فلسطين في الأدب و الرّواية دون أن يكون لمؤلّفات غسّان حضور قويّ.
وهنا يُلاحظ أيضا أنّ كنفاني إلى جانب رفضه الفصل بين الكاتب و السياسي فقد رفض أيضًا الفصل بين سيرته الشّخصيّة و بين سير أبطاله كتابةً. فهو قد مرّ بأغلب المراحل التي نجد أنّ شخصياته الرّوائية و القصصية قد مرّت بها من الطّرد و التهجير إلى التّعرض إلى الخيانة ثم المقاومة و النّضال وعدم الاعتراف بالعدوّ إلى غير ذلك من المحطّات.
لكن ما يُميّز غسّان عن غيره من الرّوائيين هو أنّه كان مفكّرا و قارئًا جيّدا لمآل الأحداث و للقضيّة ككّل و لم يكن روائيّا بسيطًا و ساذجًا. ففي رواياته المختلفة يجد القارئ نفسه أمام ساردِ مفكّر لا يكتب فقط من أجل الكتابة بل يسعى بجد كبير إلى ترك أثر ما في مفكّرة المتقبّل كعرضِ تاريخ القضيّة المطروحة أمامه أو البحث في أسباب حدوثها و مخلّفات ذلك على الشّعب المضطهد. و كلّ عمل روائيّ كان كنفاني يحوّله إلى فكرة ثمّ يجسّده عبر شخصيّات ما تؤدّي أدورًا يوكِلها صاحب العمل إليها لبلوغ هدفه. و هُنا يجب القول أنّ كلّ رواية عند غسّان لها مغزى معيّن و فترة زمنيّة معيّنة و الأهمّ أنّها تختصّ في التّأريخ لمحطّة معيّنة من محطّات النّضال الفلسطيني.
وعلى سبيل المثال نجد رواية “رجال في الشّمس” التي كتبها كنفاني و نشرها سنة 1963 أي بعد عقد و نصف من حدوث النّكبة و طرد الشّعب الفلسطيني من أرضه بعد مجيء الغزاة محمّلين بالرّصاص و الخراب و الشرّ.
في هذه الرواية يرصد غسّان أسباب ما حصل في فلسطين و آثار ذلك على مختلف شرائح المجتمع من خلال الأحداث التي صوّرها و الشّخصيّات التي استدعاها. إذ يُبرز فيها الصّورة السّيئة للقيادة الانتهازيّة في ذهن الفلسطيني البسيط الرّافض لكلّ أشكال الاحتلال, الفلسطينيّ التي تبيعه هذه القيادة بثمن بخس مقابل كسب مصالح شخصيّة مُقيتة وهذا ما يظهر في شخصيّة “أبو الخزيران” الذي يغلّب مصلحته الضيّقة على مصلحة أبناء شعبه (بقيّة شخصيّات الرّواية).
و”رجال في الشّمس” ليست إلّا فصلًا قصيرًا من فصول كثيرة امتدّت فيها رحلة الفلسطينيّ عبر أعمال غسّان كنفاني لتسرد للعالم معاناة الفلسطينيّين و خاصّة لتروي تفاصيل التّفاصيل بالنّسبة لحياة مختلف أطياف الشّعب الفلسطينيّ ف “أمّ سعد” جارة غسّان في الحقيقة تعبّر عن شريحة ما و “صفيّة” زوجة سعيد في “عائد إلى حيفا” تعبّر عن شريحة أخرى و هُنا يُطوّع غسّان أدبه ليُعالج به القضايا الكُبرى (قضايا فرعيّة داخل القضيّة المركزيّة) من الوطن المسلوب إلى العودة إلى الاغتراب إلى الغُربة إلى المقاومة بكلّ الطّرق و غير ذلك من المفاهيم التي تحتويها يوميّات التّعب الفلسطينيّ.
وفي نفس الإطار نجد “عائد إلى حيفا” التي كتبها غسّان قبل استشهاده بعامين وهي لم تكن رواية عاديّة بقدر ما كانت بيانًا شعبيّا أعلن من خلالها كاتبها الانتصار الكليّ للعودة مُستشرفًا مآلات القضيّة بعد أجيال. و لأنّ كنفاني كان طائرًا بأجنحة كثيرة فإنّ هذه النّظرة الاستشرافيّة الواردة في الآثر المذكور قد تُفسّر الارتباط الكبير بين غسّان و الأطفال فإلى جانب الصّداقة الشّهيرة التي كانت بينه و بين ابنة أخته “لميس” فإنّه أولى كثيرا من الاهتمام بأدب الأطفال و أهدى أشبال فلسطين إنتاجات أدبيّة مختلفة وذلك يعود إلى إيمانه الرّاسخ بضرورة إنتاج أجيال تؤمن بالوطن كاملًا و بالعودة المحتّمة .و ذلك أيضا يفسّر إيمانه بما تتطلّبه هذه العودة من تضحيات كثيرة و طويلة.
جناح ثان: بداية صحافة المقاومة نهاية سياسة المُهادنة
كي يستذكر المؤرّخ نشأة صحافة المقاومة فعليه أن يمرّ ببعض المحطّات العالميّة الكبيرة. من ذلك المحامل الصحفية التي استحدثها مثقّفو فرنسا خلال الحرب العالميّة الثانية للكفاح ضدّ حكومة فيشي و من ذلك أيضا ما فعله غسّان كنفاني في مختلف تجاربه الصّحفيّة لمقاومة العدوان الصهيوني على بلاده.
مع رئيس تحرير مجلّة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشّعبية لتحرير فلسطين كانت الانطلاقة الحديثة لصحافة المقاومة و معه أيضا تمّ التخلّي عن كذبة حياد الصّحفي و كذبة عدم الانتماء التي نسفها أيضا كبار الصّحافيين في العالم. فغسّان الذي كان يقيم في مكتب متواضع تزيّنه صور صديقه جورج حبش و جيفارا و غيرهم من الثوّار كان صديقًا للمُقاتلين و القادة و صديقًا لشعراء المقاومة الذين كتب عنهم كتاب “شعراء الأرض المحتلّة” و كتاب “الأدب الفلسطينيّ المقاوم” و لم يكن فقط ناقلًا للأحداث بل كان قارئَا جيّدا لها و مُفكّرا عبقريّا يستشرف الآفاق و يعلّم الأجيال الجديدة التي احتكّت به أنّ الصحافي في هذا السياق (السياق الفلسطيني) هو مفكّر و مُناضل بالأساس.
و مثلما أحدث ثورة صحافيّة فإنّ غسّان أحدث ثورةً أخرى في عالم السياسة منذ انضمامه إلى حركة القوميين العرب إلى حين تولّيه مهمّة الناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وهنا أيضا عصف غسان كنفاني بالمفهوم السّائد للسّياسيّ ليجعل منه شخصًا عاديّا في مظهره حين يُجرّده من الحراسة و من الزيّ الرسمي و ربطة العنق. ثمّ يمنحه ميزة المثقّف الملمّ بكل الأمور و ميزة الخطيب الذي يتكلّم الانجليزية بطلاقة كي يُسمع صوته للعالم و يتكلّم بوضوحِ عارٍ من كلّ مواربة مُعلنًا عدم إيمانه بأنصاف الحلول و تشبّثه بحلّ واحد لقضيّته وهو حلّ المقاومة حتّى التحرير.
جناح ثالث: العقل يستشهد كالمقاتلين
إذا أراد الباحث تلخيص مسيرة غسّان كنفاني الغزيرة فهُناك كلمة واحدة قد تحقّق له ذلك وهي “الثّورة”. الثّورة التي ارتبطت به أينما حلّ. فهذا المثقّف الموسوعي الذي كان المنتسبون الجدد للجبهة الشّعبية يتعلّمون على يديه استثمر ثقافته العالية و حنكته و دقّة نظره للأمور لينتج أدبًا ثوريّا و صحافة ثائرة و سياسيّا ثائرًا.وأنتج أيضًا مثقّفا يقطع مع الصّورة القديمة للمثقّف الذي ينظّر دون أن تلامس أقدامه الميدان. ليجعل منه مثقّفا مقاتلا يحمل قلمًا و رصاصة و يجعل منه صديقًا للشّعب ثمّ شهيدًا يستهدفه العدوّ لأنّه يعي جيّدا أنّه الخطر الأكبر الذي يحدق به.
المحتلّ كان يعرف أنّ الكلمة و الرّأي الحكيم أخطر بكثير من الرّصاص. وهنا يتوجّب القول أنّ صاحب الكتاب النّقدي النّادر “في الأدب الصهيوني” (من الدّراسات النّقدية النادرة التي تتناول الأدب الصهيوني) كان يعرف عدوّه جيّدا و كان واعيًا تمام الوعي بحقيقته المُزيّفة وهذا ما يفتقده المثقّفون الآخرون. وهذا ما جعل الاحتلال يسعى جاهدًا للتخلّص من هذا العقل الرّصين الذي يُزعجه و يهدم في كلّ أعماله “الرّواية الإسرائيليّة” الكاذبة التي قامت عليها دولة الاحتلال و بدأت بسببها عمليّات القتل و التشريد التي تعرّض إليها الفلسطينيّون.
وفعلًا تخلّصت إسرائيل من المفكّر الأبرز للقضيّة الفلسطينيّة و غايتها من ذلك هو التخلّص من العقل الفلسطينيّ الثّاقب الذي يعرف جيّدا نفسه و يعرف جيّدا عدوّه.
وربّما يمكن القول أنّ خاتمة غسّان كنفاني كانت الأنسب لمسيرته. فمن يُقاتل أدبًا و نقدًا و صحافةً وسياسةً سيظلّ شبح الاغتيال يُلاحقه دائمًا.
رحل غسّان كنفاني في ذلك اليوم الصيفي الحارّ من سنة 1972 ليترك إرثا نضاليا و أدبيّا وصحافيّا كبيرًا و اسمًا كبيرًا و يترك أيضا حرقة كبيرة في قلوب وعقول الفلسطينيين و العرب لخّصتها كلماتُ الشّاعر و المقاتل الآخر كمال ناصر عند استشهاد غسّان “لو تعرفون من فقدتم لبكيتم دماً”.
 
رياض عمايرة
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: