غرفتي … ألفة بعد غربة 

img

غرفتي … ألفة بعد غربة 

بقلم :ياسمين الحضري

هي الآهات وحدها بقيت لي الونيس بينما كنت معتكفة بين أذن تلتقط كلمات متناثرة من التلفاز ترثي شهيدات “واد الرّشح” في ذكرى الأربعين وبين نفس ذائبة في “حجر” بين الزوايا الأربع من الجحر…غرفتي التي صارت تعرفني أكثر من ذي قبل…

أصبحت بيننا علاقة وطيدة، قريبة، نتباعد أحيانا تنكّرا لروتينها المقدّم في طبق من فضّة تلبّيه على مدار اليوم فتارة أرحّب بالضّيافة وطورا ألغي المسافة بيني وبينها رغم احتوائها لي إلى حدّ الاختناق، وما لنا نتنكّر لمحتوينا وحاضننا؟ هل هو نكران للجميل أم تحرير نفس من مكبّلات الحبّ؟

تُذرف دموعي دون تحكّم وأنا التي تعوّدت القيادة وأرفض من يقودني أبحث عن فراملي لأكبح دموعي غير قادرة على حبسها في نفسي عندما تناهى إلى مسمعي اعترافات زوج المعلّمة الشهيدة، وقد حاولت الجدران التهدئة من روعي وهي التي تعوّدت مقاسمتي أفراحي وأحزاني في هذه الفترة الحرجة فتلفاني أحدّثها: “هل نحتاج كلّ هذا الفراق للاعتراف بالآخر؟ هذا الآخر الشّريك، هل كانت هذه الذّرّات والزّخّات من الحبّ المتناثر باقية لولا الفراق؟” ما الذي انتابني؟ صرت أحدّث نفسي هل تراني جننت من الحجر والشّك بكلّ ما يدور حولي؟

صرت أبحث عن قشّة “ثقة” بعد صفعات العالم المتكرّرة التي لكمتني دونما رحمة وشفقة لم تترك ولو جزءا من الثانية لأخذ نفس… أقاوم وبشدّة عكس التيارات وأنا تلك السبّاحة الماهرة في معترك الحياة الغارقة في ربع متر ماء…أنتشل الحرف رغم تمرّده غالب الوقت وما أحلاه عندما يكون مستعصيا فأرضخه، أنتشله من قاع البحر كجثّة هامدة وأبعث فيها روحا وأجتثّه من غابات السّافانا يعالجني وأعالج به وأخيط به وشاحا أتدثّر به في ليالي الحجر علّ “الكورونا” هذا الفيروس اللّعين يتبخّر بحرارة حروف الوشاح وأودّعه فيرقص رقصة الوداع الأخير ويرحل حيث اللاّعودة.

لم أشعر قطّ بخصوصيّة وألفة الغرف من قبل إلاّ بعد معاشرتها ومضاجعتها طوال فترة “الحجر” هذا الأخير الذي فجّر فينا طاقات مختبئة، مهترأة اهتراء حجب الشّيء عن الشمس… لا علينا فرائحة القهوة السّمراء تطغى على الرّائحة فتوقظ فيها سباتها وتَوَهانها وتعدّل لها إبرها باحثة عن محطّة تحطّ بها وما أكثر المحطّات فتجدني منهوك القوى في الوصول لمحطّة دون الأخرى فمنها البعيد ومنها القريب ومنها ما في طريقها من مطبّات تسقطني وتقسم ظهري فأنفض الغبار عن أدباشي وأرفع قامتي وأحاول الإستقامة والاتّكاء على “الألف” كيف لا؟ فالحرف ظالّتي والكلمة خارطتي تدلّني ترشدني وتهديني وإن لم تجدني فربّما تعثر عنّي بين “شدّة” فوق حرف وما أكثر “الشدّاة” والشدائد” ومنها “المكائد” أو تلقاني بين “نقطة وفاصلة” أتوقّف محتمية بينهما لآخذ نفسا عميقا لأمتطي الضّاد وأواصل أبحث عن كتابي، “رسالة الغفران” مؤنس غربتي علّني أجد “صكّ الغفران” أهبه لمن تنكّر وأدار ظهره للوجع والعرق المنفلت من الجبين، للبطن التي أثمرت وخيطت بخيط شفّاف رفيع لا تراه عينها بل يراه قلبها، جرح بالعرض وما الفرق إن كان طولا، فالوجع واحد، والثمرة واحدة طيّبة كانت أو فاسدة والخيبة واحدة،  فهل سيغفر له “صكّ التوبة” ؟

لو درى المعرّي بأمرنا اليوم لحرّر صكوكا دون حساب وما أكثرها اليوم لكنّها دون رصيد فما جدواها غير العقاب، وما في رصيدك اليوم إن لم يفرق معك “الحجر” و”الوباء” فهل سيفرق معك الوجع؟

يخالجني اليوم البحث عن التركيبة الجينيّة “للمتنكّر” بجميع سلالاته وتصنيفاته وتشكيلاته علّني أجد لقاحا تاركة للخبراء والمختصين التدبّر في أمر “الكورونا” التي أجدها لقاحا وحشيّا يفي بالغرض ليتقمّص دور الصّافع للصّعاليك من بني “المتنكّرين” ويا خيبة أملها إن لم تنجح في إيقاظ خلاياهم النّائمة الميّتة فترضخهم متضجّعين متلمّسين العفو والرّضا من الواحد الأحد ناسين أنّ الرضا من تحت قدميها طريقا لإرضائه.

ها نحن ننتظر الحساب …يوم تتكافأ الفرص دون محاباة ولا تبجيل…ها نحن دائما في حالة انتظار….انتظار خلاص الوباء…انتظار الثّمر …انتظار البحر والهدوء…دون فقد الأمل والحلم…ولنا في الحديث خاتمة بعد أن كانت مقدّمة من رواية  أنا أحيا “أنا أنتظر أنتظر والوقت يزحف ويزحف أتمنّى لو كان الوقت شيئا ملموسا لتجاهلت وجود الناس حولي وانقضضت عليه أنهشه بأظافري وأمضغ أشلائه بسناني وألفظه على الأرض خائفا صاغرا بين قدمي إن قلت له قف جمد وإن أمرته بالتحليق غاب عن الحياة وأنا ممسكة زمامه مستلقية بين جناحيه أنا أنتظر ولن أتحمّل الانتظار أكثر من ذلك”….تأخذ البنت جهاز التّحكّم وتوقظني من غفوتي وتتجوّل بين الفضائيّات لأمسح دموعي وأرقص مع حافية القدمين…..

كم أشفق على هذه الجدران التي تحتوي جنوني، تقلّباتي تكتم أسراري وهي الوفيّة دائما دون تنكّر..

ياسمين الحضري

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: