غرفة ترانس 

img
غرفة ترانس 
بقلم  : حمزة غراري (تيتي)
كلّ شيء كان في الغرفة .. تحديداً في ذلك الصندوق تحت الفراش مع كل أدواتي النسائية .. كلّ مرة أفتحه وكأنّني أفتح صندوقاً سحرياً .. ستخرج منه جنيّة و تسكنني .. طبعاً إنها جنّيّتي، إنها لينا .. أستطيع ألّا أخرج من الغرفة.. وأبقى في عزلتي معها .. أستطيع أن أفتح الباب وأغلقه عشرات المرات .. أعيد تسريح شعري آلاف المرات.. أقرأ الجرائد القديمة.. أشاهد التلفاز وهو مغلق .. أتأمل شقوق الغرفة .. أقيم موعداً مع الغبار فوق الطاولة .. المهم أن يتأخر موعد الخروج ..هي تبقى هناك وتفكيري يبقى معها .. لماذا لا استطيع أن أجلبها معي ؟ .. لماذا عندما أطرق باب المنزل يطرق باب قلبي معه؟ .. لماذا قلبي يريد أن يجلس بجانبها ؟.. لماذا حتى لو غادرت سأتخيلها كيف تنتظرني على الفراش الوردي .. كيف تجمع قصص جميع الترانس و تختار نبرة صوتها التى ستحدثني بها؟.. عندما أغادر سأعدّ عدد السحاب وأعدّ معه عدد شامات جسدها .. أزن كبر الجبال و أزن صغر مساحة حريتنا .. أشاهد القطارات تجري ويتجلى شبحها يركض بداخلي ..عندما أغادر سأتخيل أمي تدخل وتراها مستلقية و هي فاتحة فخذيها للهواء وفرجها لدفء الوسادة .. ستملؤني اللهفة للعودة طبعاً .. سأبدأ في الإسراع أكثر .. إنّ صورتها تتخبط في دماغي.. لم أعد أتحمل..أريد فتح الصندوق ومعانقتها .. سأقضي حاجتي في دقائق ..ربما أنسى نقودي عند البائع .. وأعود لأنحني تحت رجليها .. كنّا نملك شرفة في الغرفة .. ومع لينا أخرج لنستمتع باستراق النظر إلى رجل مثلي تماما، ذلك المنبوذ بسبب مجاهرته بذاته.. كان تخبرني بأنه في حالة من الاستفزاز.. يعشق ذلك .. يعشق إستفزاز كل الأفكار.. كل الأفعال ..كل المواقف ليخرج عُقدهم .. وكمية جهلهم .. يريد رؤية غضبهم وهيجانهم …يريد إشعارك بكمية جبنك .. و عجزك على التعايش وتقبل غيرك ..أصبح يطلق نفسه وتعبيراته الجندرية في كل مكان وفي جميع المواقف .. لا يريد أن يجعلها حكرا على المنزل و غرفته مثلي انا .. طبعا فذاته تستحق اكثر .. ليس آلة أو لعبة ليضغط على زر يغير صوتاً أو يحول شخصية.. لا يخاف من نظراتك أو بعض الكلمات المعتادة .. امّا انا فما زالت تؤلمني تلك الكلمات .. هو تحول من حالة التألم إلى الاستمتاع بها والاستهزاء بكم .. يريد استفزاز كل الرجال ببعض الخطوات الانثوية .. بجلسته وأنت تنظر إليه.. يستطيع ان يجعلك تثور باللعب بخصلات شعره ..ونطقه لكلمات النسائية .. يستطيع ان يضع عينه في عينك لساعات و لن ينزلها .. يستطيع ان يجمع كل الرجال من ناحية و النساء من ناحية أخرى .. ويحضرني انا وجميع الاشخاص المنبوذين .. الذين يُعتبر أنهم لا يرتقون لدرجة الرجولة ويقومون بانتهاك مفاهيمهم .. و تبقى لينا تنظر إلى تعابير وجوههم التى تشير الى عقدتهم من الجسد وجنسانية الآخر .. أظنه وصل إلى مرحلة لا بأس بها من الفخر لم اصل إليها .. تجعله يرى هذا التميز عن الآخرين .. مثلما انت تتباهى برجولتك وفحولتك هو يفتخر بأنوثته .. لسنا عاراً لنخفي ذواتنا .. مات في غرفته ولم يدركوا ذلك إلا بعد 3 أيام من موته… مات منتحراً شنقاً .. بعد تهديدات أبيه المتتالية له .. أظنه في لحظة خشوع عندما قتل نفسه .. لينا لديها نفس الحلم أيضا أن تموت بكلتا يديها بعد أسبوعين .. أن تتنهي حياتها في غرفتها التي كانت مأوى تزهدها الجندري .. تحمل بيدها جميع العقاقير ومضدات الاكتئاب التي كانت تأخذها لتتحمل هذه الحياة .. و تبتلعهم … لا أظن أن احداً سيبكي عليها .. إن كانت امها اصلا ستبتسم فقد تخلصت من العار الذي كان من المحتمل أن يصيب العائلة… حتى لو متُّ توجد جملة ستتكرر في دماغي عندما تبدأ أنفاسي بصعود جملة كانت تقولها لينا
“” يجب ان يفهموا أنهم لم يولدوا رجالاً لكن صنعوهم رجالاً.. ولم يولدن نساء لكن صنعوهن نساء””
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.