غاستون باشلار «كما هو» ترجمة : سعيد بوخليط

img

غاستون باشلار «كما هو»[1]

ترجمة : سعيد بوخليط

 

اسمحوا لي أن أستشهد «بوثيقة قديمة» في شكل حوار أجريته مع غاستون باشلار يوم 8 ماي 1951 (في أخبار الأدب الأسبوعية «Opéra» التي يديرها “Roger Nimier”) –بخصوص وسيلة إعلامية تطورت كثيرا في تلك الفترة، الأمر يتعلق بالمذياع، وقيمته بالنسبة للفيلسوف- حيث يعطيه النبرة الحقيقية لفعله وحضوره. اقترحت عليه التفكير بصوت مرتفع في التقنية الأكثر تطورا، والتي لم تستخدم أبدا لصالح الكلام، وقد طبعت الحقبة باعتبارها «موضة».

يداه تداعب لحيته، والتي تشبه لحية موسى. كلام متقطع حسب ترددات ومنعطفات فكر يتجلى في أشكال متعددة، ويجيب عن طيب خاطر.

غاستون باشلار: نعم حينما يكون لدي الوقت، أستمع للمذياع: بابلوكازال Pablo casal والأخبار. هذا يعني، أن قضية المذياع تهمني حتى ولو لم أكن مستمعا. لنصنف الأسئلة.

لكن أعترف أولا، بأنني عاينت ميلاد تقنية اللاسلكي حوالي 1913، قبل أن أصبح فيلسوفا. وقد كنت على وشك، أن أصير مهندسا في “P.T.T”. لقد تأثرت دائما بالتطورات التي ميزت سيرورة هذه التقنية. وأعتبر بأننا قد وصلنا اليوم إلى ما يشبه الكمال.

هل بإمكانكم أن تخبروني (فجأة يوجه إلي السؤال) عن نوعية الانطباعات التي يثيرها فيكم، موقعكم داخل جهاز المذياع ؟

أندري بارينو: (حيرة ! يستدير الحوار نحو ارتباكي، ولكن لا يمكنني السقوط تحت أنظار أستاذ بالسوربون).

آه حسنا! هل أقول، بأن التأكد من قدرة أسلوبي على وضع فوري لمخطط من اختياري. ذكرى بعض اللحظات حيث سمعت فجأة موسيقى أو كلاما أو صوتا، كل ذلك قد يثير انتباهي، وبالتالي أنفعل وأتأثر.

غاستون باشلار: لقد نسيتم الأهم. الاندهاش أخيرا، هاهو جهاز باعتباره تقنية قائمة داخل نظام عقلاني وعلمي واجتماعي وكذا فلسفي: أصغر حجما، وبثمن بخس ثم حالة مسيرة شبه مستمرة. إنه ربما الأكثر سهولة من بين كل إبداعات التقنية المعاصرة، يحمل لكم أكثر. وهو يراسلك، يقتضي منك أدنى انتباه ومجهود واهتمام، ولا تبدؤوا بالاندهاش! لكن هل من المثير، أن لا تندهش أبدا ؟

أندري بارينو: أعتقد بأنه في عالمنا، والمشيد اصطناعيا تقريبا من قبل الإنسان، وحيث الإنسان يعتقله الإنسان، نجد من الطبيعي أن نعيش ونستعمل تقنيات، بمثابة غذاء مألوف وضروري لوجودنا، وهي من نفس نظام تعايش القدماء مع آلهتهم … .

غاستون باشلار: لا! هم يواصلون الاندهاش باستمرار. اليوم يقولون لك، سيدي تفضل ميكروفون ستتوجه إلى مليوني مستمع، أو أن الأستاذ إينشتاين ، سيتحدث إليكم من نيويورك ، ثم لا أحد منكم يندهش. إنها ثورة مع ذلك، ولن تكون إلا داخل النظام الفلسفي. ولا ينبغي فقط في رأيي، أن نغتبط لهذا التحسن الذي تحقق في العلاقات بين الموجودات. نسجل بالفعل تحولا في سلم القيم. هل تكفي كلمة خطيب من أجل التوجه إلى ملايين المستمعين ؟ وفي اللحظة التي يختار فيها المستمع بين إينشتاين وكذا نغمة من الجاز Jazz. لقد ضعفت وزيفت الصلة بين الأشياء. الاختيار بسيط جدا، تدير زرا … ثم تحصل على كل شيء.

أندري بارينو: (تمنيت بالتأكيد، احترام صمت الفيلسوف ولكن موضوعي يوجهني، وأحس كثيرا إلى أين يمكن أن يقودني منطق محاوري).

القسم المخصص للتسلية في برامج المذياع مهم جدا، وبلا شك فإنه يتضاعف أيضا. هل يجب في رأيكم مقاومة هذا الاتجاه ؟

غاستون باشلار: لماذا الخوف من هذا المسار ! أعتقد بأن نسبة كبيرة من المستمعين تطلب ذلك. التسلية ربما هي التوازن الضروري من أجل مقاومة ضغط القوانين والضرورات الاجتماعية. الضحك منقذ، هل لازلنا في حاجة إلى تأكيد هذه الخاصية.

أندري بارينو: كل القضية هنا والإيحاءات لا يستخف بها …

غاستون باشلار: يبدو لي، بأننا لم نحلم قط بأن نعين المذياع كـ”فيلسوف هوائي” والذي إلى جانب كونه مموجا. سيكون مسؤولا عن النوعية، لا أقول أبدا عن الأخلاق، ولكن القيمة السيكولوجية للبرامج. هذا سيفرض على المنتجين أخذ مهنتهم عن عالم النفس.

أندري بارينو: إذا فهمت جيدا، فإنكم تحلمون بإعطاء المذياع منصبا. فكرة جاءتني هكذا عفويا إلى الدماغ. في هذه الحالة، إلى أي برنامج يتجه ذوقكم الشخصي ؟

غاستون باشلار: إلى الذي يفضل حلم اليقظة. أريد أن أقول، البرنامج الذي يحترم عزلتي وينميها. كلنا في حاجة إلى العزلة. لماذا لا يساعدنا المذياع على تحقيق ذلك ؟ إنها بالتأكيد تقنية، من الضروري التركيز عليها. الشعور الباطني له قوانينه، يجب معرفتها.

أندري بارينو: وإذا سألتكم سيدي، القيام بتجربة من هذا النوع، وإنجاز برنامج مخصص لعزلة الإنسان وأحلامه الباطنية. بماذا تجيبون ؟

غاستون باشلار: سأقبل بلا شك. سأفكر في هذا الأمر. فيلسوف لا يعني ذلك قط حلما فارغا.

[هو ذلك باشلار »حيا»]

في مراسلاته، عثرت على رسالة إلى السيدة «Giroux» يوم 13 ماي 1951: (أشتغل منذ ثلاث ساعات. والساعة الآن تشير إلى الثامنة والنصف. لقد سجل معي المذياع حوارا هذه الظهيرة).

حدث، في 13 أبريل بـ 2 شارع«Montagne-Sainte-Geneviève»، حيث يقطن غاستون وسوزان باشلار[2] منذ 1941: (لقد أقمت مغطسا في خلوتنا الصغيرة …، بالتأكيد يجب القيام بمجهود رياضي للدخول والخروج من هذا المغطس، مع ذلك فإن الإستحمام يريحنا).

بالتأكيد وعلى الرغم من كل شيء، فإن الحزن يفرض نفسه. وهكذا كتب إلى السيدة “Giroux” في يوليوز 1951: (أنا حزين جدا. لو كنت اشتغلت أقل، سأكون الآن مطمئنا في بيتي، أتناول فواكه حديقتي …، لقد افتقدت كل شيء، الليل الهادئ والمنعش والأشجار والهضبة) ويضيف: (في هذه اللحظة، تحول منزلنا الصغير إلى فرن تجفيف، ثم لا يمكننا أبدا فتح النوافذ بسبب الضجيج) (31 يوليوز 1951).

وفي الواقع، فإن الحادثة الأكثر أهمية ظلت مضمرة في عبارته. ذلك أن مجموعة من أعضاء “Collège de France”، طلبوا من غاستون باشلار أن يتقدم إلى كرسي هذه المؤسسة المحترمة. ميرلوبونتي الذي كان مرشحا، أراد الانسحاب لصالح باشلار. لكن هذا الأخير، لم يقبل وأعطى مبررات ذلك في رسالة وجهها إلى السيدة “Giroux” في 11 فبراير 1952: (أمارس دائما نفس الحياة المضطربة والتي تعجبني في العمق. لذلك لم أتوخى أن أطلب بإلحاح الإقامة الجميلة بـ”كوليج دوفرانس”. لقد ظفر صديقي الشاب ميرلوبونتي بذلك، إلا أنه ما إن علم بترشيحي، حتى كتب رسالة لطيفة يؤكد فيها بأنه قد سحب ترشيحة. يتحدد الزمان في منزل ساحة “Maubert” وكأننا في معمل. أفهم جيدا، بأن سوزان Suzanne لا يمكنها أن تعيش كما نعيش في منطقة “Bar-sur-Aube” دون ضغط اليومي. لقد أزحنا عن وجودنا شيئا فشيئا كل التباطؤات).

كتب في 2 فبراير: (البارحة ليلا، أرهقني الضيوف. لم أعد أدري كيف أقعد الجميع. وهذا أحدث  تأثير غريبا لأن كل هؤلاء الناس جاءوا من أجل أسئلة دقيقة جدا ومتنوعة).

كما يستحضر في رسالته، زيارته إلى محترف “Chagall” في 7 مارس: (ذهبنا بالأمس عند أحد أكبر رسامي عصرنا، يتعلق الأمر بـ”Marc Chagall”. إنه يريد أن أقدم فهرس معرضه المقبل. سأقبل ذلك بلا شك. مهمة إضافية بالتأكيد، لذلك سأنهي بشكل سريع مقدمة رواية لـ”بلزاك”  (المقصود هنا رواية “Séraphita”، النادي الفرنسي للكتاب).

ويؤكد حضوره في التدشين: (يجب أن نحضر حفل تدشين معرض “Chagall”. وقد كتب لي “Marc Chagall” رسالة لطيفة جدا يشكرني فيها على الصفحات التي كتبتها حوله) (21 ماي 1952).

شعاع متفائل ومرح في رسالة 3 أبريل 1952: (هنا الحياة المادية في الواقع، أكثر سهولة من أي مكان آخر. سوزان  سعيدة في شقتنا الصغيرة. خلال عشرين دقيقة يكون الحمام جاهزا).

نكتشف باشلار وهو مسرور بشهرته: “كوليج دوفرانس” و”شاغال” و”الإستحمام”. والآن مع الألقاب الأدبية لـ”المحيط”. كتب في 2 ماي: (توجهت قبل أمس صحبة سوزان إلى غاليمار “Gallimard” من أجل استقبال كبير على شرف ميرلوبونتي. لقد التقينا بكل الفلاسفة الشباب: سارتر، سيمون دوبوفوار، إلخ، إلخ. تأثرت كثيرا بالصداقة التي أظهروها لي. هذا يعوض لا مبالاة الآخرين).

رغم أنه قبل كرسي “Edouard le Roy” في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، فقد عبر للدكتور “Giroux” عن تردداته حينما أراد أصدقاؤه منحه سيف الأكاديمية، يقول: (كل ذلك يجعلني مضطربا جدا. تخيلوا بأنني لا أصلح للتشريفات. لكن أصدقائي هنا، لا يفهمون التراجع. قرر صديقي الطيب، النحات “Flocon” بأن يصنع المقبض: (شرف في الواقع للأكاديمي) كيف نجيب على هذا القدْر الصداقة ؟).

بطبيعة الحال، يعتبر حفل السيف تقليدا. يظهر باشلار متضايقا من هذا التقدير، لذلك كتب في 24 يونيو 1956: (في الجمعة المقبلة، عليهم إعطائي سيفي. بالطبع سيكون ذلك في حفل قصير جدا، تمنيت أن يكون منتهيا. أنا مضطرب، لأن أكون موضوعا لهذا القدر من الإنزعاجات).

سنة 1961، حصل على الجائزة الوطنية الكبرى للآداب: (من السيد Gaétan Picon إلى مدير الآداب والفنون، كان للجمهورية شرف تحية عمل كبير) يتحدث جون لوسكور.

وردا على تقريض الرئيس “Jean Gairec”: (ساحر هذا الفيلسوف)، أجاب باشلار جوابا مفعما بالدعابة والطيبوبة، من أجل بلده العزيز ومستحضــرا طفولتــه، وهـو يستعيـد جمـلـة جاءت في كتابه :

“L’air et les Songes”: (في الوقت الذي أسمع فيه نمو شجر الجانرك “Les Mirabelles” أرى الشمس تداعب الفواكه، وتذهب dorer كل الأشكال المستديرة، كما تصقل كل الاغتناءات). ثم يضيف وهو يرفع كأسه: (هذا القدح من النبيذ، الممتقع، البارد والجاف، يرتب كل حياتي في شامبانيا [3]. يعتقدون بأنني أشرب، أنا أتذكر).

على الرغم من محنه، فإن باشلار جابه. رسالته المؤرخة في 25 أبريل 1962 تشهد على إرادته في الاشتغال: (… يجب أن أعمل أكثر، لدي كتب كثيرة لم أشتغل عليها بعد. تدهشني عطالة كثير من الأساتذة الشيوخ …).

يـستـحضـر جـون لوسكـور J. Lescure في كتابـه :

“Un été avec Bachalard” اللحظات الأخيرة لباشلار: (13 أكتوبر (…) همس طبيبه “Mallarmé” إلى “Pièrre Desvignes”، بأنه يعالج رجلا من القرن الوسيط. لقد عاينت -يقول- روحا نسيت منذ عشرين سنة بأن لها جسدا).

(الثلاثاء 16 أكتوبر. توفي باشلار على الساعة الثانية عشرة زوالا و55 دقيقة تقريبا. في الثانية عشرة و30 دقيقة، تخلص من فتوره متسائلا عن الساعة. كان صوته ضعيفا جدا. أخبرته سوزان بأنها: الثانية عشرة ونصف. بدا وكأنه يسمع. ثم قال: أنا منهك. أغلق عيناه ثانية، ضعف نفسه شيئا فشيئا. لقد انطفأ حقا …).

ثم يكتب لوسكور: (على بعد عشر سنوات (…) لا أرى كيف يمكننا تعويض خسارتنا. العالم يسير، والتاريخ يدبر أمره. لكن نحن؟ نعرف جيدا بأن رجلا مثل باشلار، ليس منه ثلاثة في جيل، ولا يمكننا العثور عليه ثانية).

كتب باشلار في “La poétique de la rêverie”: (وعي سعيد بالنسبة إلي … هو وعي رجل يشتغل إلى آخر نفس).

لا يمكننا أن نتخيل صدقا أكبر من وعد القلب هذا. طفولته المدهشة تأتي على الانتهاء. طفولة وحزن كبير حدادا على فقيدته الغالية[4] والتي استحضر ظلها مرتين: (… الحداد المؤلم أكثر هو الوعي بمستقبل خائن، وكذا في اللحظة الحزينة التي يغلق فيها كائن عزيز عيناه، فجأة تحس بأي جديد معاكس “تقتحم” اللحظة المقبلة قلبنا) (حدس اللحظة).

(المستقبل الخائن) ؟. لقد توخى باشلار في كتابه الأخير “Le phénix”[5] والذي لم يكمله، إظهار أن: (فنيق Le Phénix هو كائن الخرافة المزدوجة: يحترق بنيرانه، ثم ينبعث ثانية من رماده …، بالتأكيد صورة فنيق تحولت إلى فعل). وهي كذلك إحدى أكثر “روائز الخيال” الباهرة، التي تحرر اللغة من عاداتها، “سمات النار” يقول باشلار.

يبقى عمل باشلار “فنيق حلم اليقظة”، فعلا حيا وجذابا، وحث دائم على الإبداع الشجاع.

في نطاق اقتناعنا بأن التعليم، سيصير القضية الكبرى للقرن 21 وفرصة التحول الجوهري، فإنه من البديهي أن اشتغال النظام الإيتيقي للفلسفة البشلارية، يتجسد في تعبيرية ومنهجية بيداغوجية عظيمة هي بلا شك العرض الأكثر واقعية وشجاعة، المقترح على الأذكياء والمبدعين الديناميين، ويطرح مسألة معنى المجتمع الكوني. هذا الاقتراح “السياسي” قادرا على أن يحمل حلا لتنافس الرموز والهويات الطبيعية، ويقدم إيتيقا تهمين على القوى الاقتصادية والتجارية والاجتماعية، وتتطابق مع شمولية الواقع الإنساني وكذا مع هذه الوظيفة الجديدة للخيال التي رسمت تطورات العلوم والفكر. أساس البيداغوجية الخيال وصوره، ويمكنها منح الإنسان في تعدديته إمكانيات الوصول إلى أبعاده وتحقيق مصير قواه الفطرية والتي تم خلقها ثانية.

 

 

 

[1] André Parinaud : in cahiers gaston bachelard, Témoignages n° 3, 2000  pp : 55-59.

[2] -سوزان باشلار: الابنة الوحيدة الفيلسوف غاستون باشلار، ولدت سنة 1919 [المترجم].

[3] -ينحدر باشلار من منطقة شامبانيا [المترجم].

[4] -أعقد بأن صاحب المقالة، يشير هنا إلى السيدة “Jeanne” التي توفيت سنة 1920 بعد ست سنوات من زواجها بباشلار. [المترجم]

[5] -أخرجت سوزان باشلار، مسودة هذا العمل بعد وفاة الفيلسوف تحت عنوان: Fragments d’une poétique du feu [المترجم].

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: