غادة الصغيّر: مقال حول القضية الشتيرنية في كتاب الأوحد وملكيته لماكس شتيرنر

img
غادة الصغيّر: مقال حول القضية الشتيرنية في كتاب الأوحد وملكيته لماكس شتيرنر .
يعمل شتيرنر على فَسْرِ وضبطِ قضيته من خلال ما قرّهُ من البدء”لم أقم قضيّتي على أيّما شيءٍ” أو بالأحرى أنه قد “أقامها على لاشيء”، وهو ما نتبيّنه من خلال استهلال الكتاب الموجز “الأوحد وملكيّته”.
تنبني القضية رأسا على اللاشيء من حيث أنها ليست بقضية تأسيس ولا تقوم على ثنائية البناء والتقويض. وانطلاقا من هذا التقرير المبدئي، يتساءل شتيرنر عمّا يفترض ألاّ تكونه قضيته ، فيشير إلى جميع القضايا الدارجة في الفكر، وبخاصّة قضيّة “الإله” و “الإنسانية”: ليست القضية في زاوية النظر الشتيرني قضيّة الإله أو الحرية أو غيرها….، وعليه ليست هي بقضية جيّدة، لأنه أقامها على لاشيء. بيد أنّ هذه اللاشيئية لا تعني “التفاهة” و “الخواء”: ” أنا لست لاشيء بمعنى التفاهة والخواء، إنّما أنا اللاشيء الخلاّق، اللاشيء الذي أستمدّ منه كلّ شيء”.
تعدّ القضية الشتيرنية قضيّة العدم المحض بأسلوبها الساخر والناقد من المسيحية واليسار الهيغلي والمثاليات الألمانية إلى جانب مذهب هيغل والمتأثرين به. تعتبر الأنا المشكل الرئيس لدى شتيرنر إذ أنها استبعدت سياسيا واجتماعيا ودينيا(سنتبين ذلك لاحقا)، جرّاء سطوة الدولة والمجتمع والقانون بإسم الدينيّ؛ ثمّ إنّ الأوحد الشتيرني يمتلك قدرة على تشكيل ذاته وعلى خلقها وابتداعها مقابل فسخ اللاإنساني.
يتوخى شتيرنر في المواضيع جميعا منحى جمع فيه بين المناظرة والمساجلة المتهكمة والنقد اللاذع، وهو يعمل في تلك وهذه على أن تكون سهام النقد عينّةً متجسّدةً. ولعلّنا واجدون في صورة “هزّ الكتفين” ما به يتحدد هذا المنحى عند شتيرنر، مخالفة نقدية جذرية لما هو مغرق في “ليل” النظر والتجريد والتأمل والإيمان: “هزّ الكتفين يقدّم لي نفس الخدمات التي يقدمّها لي أعسر تأمّل، بسط أعضائي يبدّد قلق الأفكار، قفزة، وثبة، تطيح بجبل العالم الدينيّ الشاهق الذي ينيخ على صدري، هتاف حبور يوقع أرضا أثقالا كنّا نرزخ تحتها منذ سنوات”.
يعتبر بيان النقد الكامن في “هزّ الكتفين” مروقا وخروجا عن سنن النقد الدارجة في عصر شتيرنر المشبع بنقودات كنط الترنسندنتالية والنقودات المصالية والجدلية، وكيف أنه انطوى على مغامرة فكرية طريفة تنعقد على ما يمكن وصفه بالدرجة الصفر للتفكير والتصور استئنافا بعينه لطريقة “اللوح المصقول”(الطابولا رازا) وتفعيلا ل”معركة الأنانيين” حيث “تتهاوى القدرة المقدسة للفكر”.
إن الفرضيات التي التي امتدت سهامها لحد الساعة لا بد لها أن تفنى وتزول في التفكير وفي النقد أيضا، لأن في فنائها وزوالها مصلحة الأوحد ومصلحة “الأنا”، وإلا فإن الحل المناسب والجديد لذلك والذي سيعلن موتها قد ينساب في سلسلة الفرضيات التي لا حد لها، تلك الفرضيات التي لم تعلن عن عجز وخلل الفرضيات القديمة، إنما تهدم فيه فرضيات مقبولة من القدم لغاية خلق كائن دخيل يتمثل في الإنسان، دولة، أخلاق، ولذلك تحديدا لا بد أن يكون النقد صراع المملوك ضد التملك من حيث هو كذلك ضد كل تملك كان؛ دينيا أو سياسيا، هو ذا الجوهر الصراعي لنقد الديني الذي يعمل على بيانه شتيرنر……..
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: