عَوْرَة -فاطمة الزواري

img
قصّة 0 admin الوسوم:,
عَوْرَة -فاطمة الزواري
 
و يحتَّمُ عليكِ إرتداء هذا و ذاك ، و تأتيك صيحة من بعيد ” عورة ، عورة ، عوره !”
أنتفض من فراشي في ذعر ، أفرك عينيّ طويلا ، أتحسّس جسدي في حذر ، يبدو أنهم لم يفلحوا في سرقته ليلا ! أتنفّس الصّعداء …
أصواتهم تلك التي تخنق أذني العاشقة للنغم المعتّق و التّرانيم المنبعثة من رحم التاريخ ، تتصاعد كدخان مصنع يلجم أنفاسي ، و يئد الحروف لحظة تفتّحها في حنجرتي ، تهوي على ثغري تمزّق ما بقي عالقا به من شظايا كلمات عابرة ، أو ساخرة ، و أحيانا ساحرة …
في اللّيل حين تلفظنا المعاجم و الكلمات ، و يعشّش الصّمت في القلب المثخن بالآلام ، يعود الغزاة إلى جحورهم ، و أعود أنا إلى ذاتي ألملمها و أرأب ما أحدثوه فيها من صدع ، و أنفيهم في خيالي من الوجود و الكون و التّاريخ و الأرض و الوطن و غرفتي الصغيرة و حضن حبيبي …
في اللّيل ، حين يصير الظّلام سيّد الكون ، يتدافع الجبناء نحو بيوتهم ، فأنجو بجسدي من سياطهم ، أظلّ أحضنه كأمّ لحظة وصول ثمرة حبها للوجود ، بعد أن كان اللاكينونةَ في العدم ، ألمس جسدي و قد تبلّل بما جادت به عيناي من عبرات اعتصرتْها من الزرقة الخفيفة التي تزين بياضها ، و أظلّ أناجي القمر ، و أسأله عن أبينا الذي في السماوات العلى منذ الأزل ، أين رحل ؟ ألا يسمع نداءي و شكواي ؟ ألا يتدخّل بإصدار حكم على أولئك الذين يسلبونني حرّيّتي مع تعجيل التنفيذ … أم أنّ لديه مسائل أهمّ من رغباتنا الصّغيرة تشغل مملكته ، و نحن مجرّد نمل يدبّ في أرض قاحلة ، و ما إن يفلح في حفر ملجإ يحضنه حتّى يأتي صبيّ شقيّ من أولي الألباب يعدم ذلك الحلم الفتيّ بضربة من قدمه على الأرض ؟
و تعييني آهات السّؤال ، فأنام …
حين يراقص النعاس جفنيّ المتورّمين ، أنام على نبضات فؤاد الذي استوى على عرش صدري سيّد الكلمات و الذّكرى ، أضمّد بالحبّ اليسوعيّ تلك الجراح الغائرة علّ نزيفها ينضب … أغرق في غيبوبتي ، لكنّ فؤادي لا تأخذه سِنَة … حتّى إذا طلعت الشّمس ، انسلّ الآخرون من كلّ حدب و صوب كالجراد … فأسلمهم جسدي بعد حرب خاسرة ، و أرسم إبتسامة عميقة الحزن في أفقي البعيد ، و أهادن إلى حين لتحرير ذلك الجسد الغائب و الفؤاد الحائر …
________
فاطمة الزواري
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.