عيناك محرقتي-عبير الرمضاني

img
أرى إلى السقف بعين شاردة .. أتذكر .. أذكرها كما أذكر عدد أزرار قميصي الذي خاطته لي جدتي يوم زرتها .. هي .. كانت حبيبتي و ستضل و حتى بعد أن سرقني إياها ..
حبيبتي ذات الشعر الأسود المنسدل إلى الوراء و الغرة التي تكسو حاجبها ..
حبيبتي ذات العيون العسلية البراقة و الشفاه الممتلئة ..
حبيبتي ذات البشرة السمراء و الخدود الوردية ..
أذكرها كما يذكر امرؤ القيس عشيقته ..
يوم كسائر أيام الأسبوع و كسائر دروب الحياة اجلس في مقهى صغير يدعى le bon coin في أحد أركان الشوارع الباريسية معدل الامتياز في الباكالوريا هو سبب وجودي في هذه الربوع ، سافرت للدراسة ثم شرعت في العمل في أحدى الشركات المعمارية في باريس و ما قد شجعني على البقاء أكثر هو المحيط الباريسي الجميل و الراتب الذي لا أستطيع أن اتقضاه في بلدي و خاصة بعد أن فقدت ابي و تزوجت امي من رجل خليجي و سافرت معه تأكدت أن لم يعد بامكاني العيش هناك ابدا _ ..
في تمام الساعة السابعة صباحا و انا ارتشف الاكسبراسو كنت اجول بنظري حول عامة الناس رجال قد سارعوا الخطى إلى أماكن عملهم .. أطفال يحملون محفظاتهم فوق اكتافهم نحو المدرسة و نساء شقروات تطوين الأرض بكعوبهن العالية ..
كان المنظر متكررا كل صباح إلا أن ما جذب انتباهي كغير المعتاد فتاة في العشرين من العمر ترتدي تنورة سوداء و جاكيت بني اللون تقود درجاتها الهوائية و فجأة نزلت عند المقهى و جلست في طاولة محاذية لي و أخذت تحادث النادل : Bonjour .. Une café au chocolat s’il vous plaît
ثم أخذت تبتسم لطفل صغير قد قدم لها وردة .. كانت ملامحها اخاذة و هادئة كالطبيعة الخلابة .. ثم و من دون سابق إنذار نظرت الي و انا كلي انبهار بجمالها فشعرت بالخجل لتواضع ملامحي خاصة و أن لا أحد قد تغزل بجمالي يوما و لو حتى على سبيل المزاح فقد كنت دائما ذلك الفتى الخجول صاحب النظرات و الملامح الجدية منذ صغري كنت اهتم فقط بالمعادلات الحسابية و الفيزياء و الكيمياء و غيرها من العلوم لم أكن اهتم بالأدب القديم و الشعر و الرومنطقية مما جعل مني رجلا باردا كما لقبتني انجلا يوم احتسينا الويسكي في الحانة القديمة .. يومها كنت على علم ان انجلا لن تتركني ارحل من دون تقبيلي إلا أنني لم اوافق و عند احتسائي آخر كأس من النبيذ و انا أهم بالخروج قالت لي بلهجة واثقة bonne nuit monsieur le froid .. انجلا هي صديقتي منذ أن كنا ندرس في الجامعة سويا و هي من عرق روسي من ابويين فاحشا الثراء لم تكمل دراستها و اهتمت بمشروع أحلامها و حولت دراستها إلى رسم الوشوم كنا نتواعد لكنني لم أكن أرى فيها سوى صديقة لا غير حتى هجرتني ..
 
استفقت من غيبوبتي ذهبت لأحضر السجائر .. إنها آخر سجارة في العلبة .. علي احضار غيرها فمن بعد غياب حبيبتي أصبحت ادخن ثلاث علب سجائر في اليوم .. نظرت إلى الشباك من وراء الستائر الرمادية  وانا في  الطابق الواحد و العشرين من هذه البناية العالية ..  المطر يهطل بغزارة و كأنه يبكي لفراق حبيبين تعاهدا على البقاء حتى الممات سويا .. سافرت ذاكرتي  بي بعيدا حتى تذكرتها .. تذكرت يوم سافرنا سويا لأول مرة لقضاء إجازة معا في جزيرة تدعى l’île de noirmoutier كانت جزيرة رائعة .. قررنا زيارتها في الشتاء فلطالما كنت من عشاق الشتاء .. و عند وصولنا أخذت تنظرين إلى السماء و  المطر يبلل كل أطرافك كنت مبتسمة ابتسامة قد زرعت داخلي حيرة لا متناهية مزيج من البراءة و الحزن .. لم اقدر أن احتضنك و انت تحت المطر فلطالما  كنت أرى تلك الأشياء طفولية لكنني احتضنتك قرب المدفاة الحطبية و جعلت ارتب خصلات شعرك المتناثرة إلى جدائل مرتبة .. جعلنا نشرب النبيذ احتفاء بولادة هذا الحب الجديد و  فمررت اناملها الرقيقة على لحيتي ثم قبلتني قبلة ساخنة و ارتمت في أحضاني و غنّت بصوتها الرقيق جدا : et si tu n’existe pas dit moi pourquoi j’existerai .
 
استفقت من غيبوبة ذكرياتي و قد انطفأت السجارة .. ارتديت معطفي و أخذت مفاتيح السيارة من فوق المنضدة ثم نزلت في المصعد و عند صعودي اخذت اتصفح اناملي المتجمدة من شدة البرودة فشغلت المدفء الكهربائي و الراديو منتظرا النشرة المسائية املا أن ينقص هطلان المطر كي أتمكن من السياقة لكن الراديو تعمد فتح نافورة ذكرياتي حيث أخذت اغنية la foule ل Édith piaf تأخذني إلى سنتين قد مروا يومها قررنا أن نتناول العشاء في مطعم “Qui plume la lune” في إحدى اجمل الشوارع الباريسية .. كنت أنتظر قدومها بفارغ الصبر أمام منزلها ماسكا بيدي باقة من الأزهار الملونة قد قمت باختيارها من عند العم غوستافو اللاتيني في الحي المجاور و هو أكثر الجيران بشاشة و ترحيبا و المفضل لدي بعد ارتدائي بدلة سوداء و قميصا ابيض تعلوه ربطة عنق و قد سرحت شعري إلى الوراء و اعتنيت بلحيتي .. كنت انظر الى الساعة و فجأة فتح الباب جعل قلبي يشتد نبضان و كمية الاندرينالين تتدفق عاليا ..كانت جميلة جدا بفستانها الأحمر القصير و المفتوح من جهة الصدر مرتدية كعبا عاليا داكنا و قد رفعت شعرها إلى الأعلى تركت غرتها منسدلة على جبينها و قد كانت قد زينت شفتاها الممتلئتان بلون أحمر قان .. نظرة الي ثم ابتسمت .. اقتربت منها فجعلت رائحة عطرها تبعث في نفسي راحة العشق فرفعت كأيها عاشق راية الهزيمة أمام معشوقته قبلتها بحرارة حتى كدت آتي على شفاهها بعد افساد أحمر شفاهها ثم قدمت لها باقة الورود .. ركبنا السيارة متوجهين إلى المطعم و عند وصولنا طلبنا نبيذا أحمر كاحمرار وجنتاها ثم بدأت موسيقى الفالز فطلبت مني الرقص .. كنا نرقص حينا على إيقاع الفالز و حينا آخر على ايقاعا قد نسجناه من وحيي خيالنا .. و حين انتهت الموسيقى و عاد الجميع إلى مقاعدهم و هممنا بدورنا إلى الرجوع إلى الطاولة بدأت اغنية la foule فامسكت بخصرها و نظرت في عينيها نظرة الواثق و أخذنا في الانسجام مع وقع كلمات و إيقاع الأغنية .. لم نشعر بانتهاء الأغنية كنا قد انسجمنا في التحديق في أعين بعضنا دون أن ننتبه إلى المكان حتى .. كانت عيناها كالنار في عمق الاحتراق لذا كنت أقول لها عيناك محرقتي .. فاهدتني وجع الاحتراق و غرست الحزن قرطا في قلمي ..
 
يتبع ..
_ عبير الرمضاني _
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: