عيد وفاة سعيد يا أبي !

img
Share Button

*قصة قصيرة – صبري حجاجي

في الشتاء،وفي أعياد الميلاد حين يشتد البرد ويجتمع الناس حول مدفآتهم..افتقده كثيرا ،تبدو لي صورته و تتمثل في كل أركان البيت و زواياه : نظرته،ابتسامته،حركاته البسيطة..حتى تلك الأشياء التي كانت تبدو بلا معنى صارت ذات معنى عظيم…
كان رجلا أنيقا ولا أدري من أين أتى بكل ذاك الذوق الرفيع ?.. وكنت في صباي على عكسه تماما..أهمل مظهري ولا يعنيني أمر الملابس الجديدة و”الموضة” في شيء أو ربما هي فلسفة البؤس ومنطق “التضامن البروليتاري”- اللذان تأثرت بهما آنذاك- جعلاني أعتقد أنه كلما كنت رثا اكون قريبا من “المستضعفين”…

منذ رحيله صرت مدمنا على إرتداء ملابسه : قمصانه ،ستراته وحتى جواربه -لايعنيني أن تكون موضتها قد انتهت- أنظر إلى نفسي في المرآة طويلا لعلي ألمحه أو ارى بعضا منه، أسوي خصلاتي المنسابة على جبيني وأنا أنظر إلى صورته وهو في مثل عمري : شعره الطويل الأسود المتهدل على كتفيه ،سرواله الواسع “pattes d’éléphant “،حذائه الجلدي اللامع،تلك النظرة التي تفيض رقة و حبا ..

كان يحب الحياة كثيرا -كل شيء يشي بذلك- : أشرطة تسجيله : أم كلثوم، عبد الوهاب ،فريد الأطرش،محمد عبد المطلب… زجاجة عطره التي ترافقه دائما وابتسامته تلك التي لم تفارقه حتى و هو على فراش المرض…
لكن يبدو أن الحياة لم تكن تبادله حبا بحب -أخذت والدته و هو بعد رضيع و جعلته ينازع الموت وحيدا في غرفة باردة مظلمة -…

حين وضعوه في “مرقده الأخير” ورفعوا أيديهم و بسطوا أكفهم يرددون كالببغاوات كلاما بلا روح،كلاما حفظوه عن ظهر قلب دون أن يتمعنوه،مجرد ديباجة تقال في مثل هذه المناسبات…
كنت ألوي ذراعي خلف ظهري أتأمل المدى البعيد.. واقفا بعيدا عن الجمع..مختليا بنفسي،عدت حينها طفلا في الثالثة أو الرابعة من العمر، و كان هو ممسكا بيدي يسندني كي أخطو أولى خطواتي في “حوش دارنا” …
بعدها سألني أحد أقاربي “المتدينين” متخابثا: لم أرك ترفع يديك بالدعاء أثناء دعاء الإمام ؟..
رغبت في تحطيم فكيه و لكنني اكتفيت بحدجه بنظرة قاسية قائلا ببرود : “حين تمتلك مفاتيح السماء سأجيبك”..
أي رب هذا الذي يعاقب “طفلا في الرابعة من عمره” لأنه لم يرفع يديه بالدعاء ؟!!..

ما يزال شعور الذنب يرافقني إلى اليوم..أمر فظيع أن تقف أمام من تحب عاجزا عن تخفيف ألمه، كنت مستعدا أن أهبه جزءا من كبدي أو كبدي كله مقابل أن تخف آلامه و أرى ذاك “البريق” الذي أطفأه المرض يلتمع بعينيه..ولكنني كنت عاجزا..كل ما استطعت فعله هو أن أكذب وأكذب وأكذب …
كنت أكذب عليه وعليها و على الجميع ..موته كان مسألة وقت…ولا شيء أسوء من الموت سوى انتظاره..
حين توفي وحملنا نعشه كنت أول من تقدم لفعل ذلك ، كنت ابتسم ..ابتسم إبتسامة إنتصار موته على مرضه الذي أرقني و أكل من دمي و من لحمي و من عمري…

أراهن أن ما يعتريني من حالات ضعف و رقة هو جزء مما ورثته عنه وأن كل تلك القدرة على إحتمال الألم التي تصل إلى حد “اللامبالاة” قد ورثتها عن أمي.
نام هو “نومته الابدية” وأورثني قلبا بإمكانه أن يجعل الدمع يطفر من مآقيه لمجرد رؤيته طفلا باكيا عجز أبواه عن توفير حاجياته و أورثتني هي صلابة بإمكانها جعلي اقتل شخصا ببرودة دم منقطعة النظير ..ولا أعلم أي الشخصين أنا ؟!..
الخامسة صباحا ، تصدح “أم كلثوم” بصوتها الرخيم : “فكروني ازاي ؟..هو أنا نسيتك ؟!” …و يرتفع صوت المؤذن صائحا: الله أكبر ! الله أكبر !يختلط الصوتان فيما يشبه “سنفونية”…

أسمع صوت أمي وهي تتوضأ متمتمة،أخبيء الزجاجة الفارغة و أنسحب بهدوء إلى فراشي بعد ليلة طويلة قضيتها معه،ليلة تحادثنا فيها طويلا عن السياسة وسوق الشغل عن غلاء الأسعار وعن شتاءات الغضب ، عن فريقه المفضل و حتى عن حبيبته السابقة التي قضت في حادث سيارة…

كتبت بتاريخ 27/11/2017

Facebook Comments
Share Button

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً