عوالم بيسوا المعقدة -السعيد عبدالغني

img

كتب فرناندو بيسوا بأكثر من 70 شخصية مرادفة له وهويات خيالية تتفاعل من حيث أنها تقرأ كتابات بعضها البعض وتكتب نعي بعضها البعض.في خلال حياته كان شخصية أدبية ثانوية ،بعد وفاته في 1935 تم العثور على وثائق كثيرة منها قصائد ومنها مسرحيات في علية منزله.

اللاطمأنينة شذرات وتأملات غريبة عميقة متقلبة لا حبكة فيها ولا شخصيات واقعية ،مزيج من الفلسفة والشعر والنثر والمذكرات، روحية ولكنها لا تخلو من الدنيوية والوقائع اليومية ،كتبها بأحد شخصياته وهو كاتب المحاسبة في لشبونة الذي كرس نفسه لوصف الطبيعة الغامضة والمجردة والمرعبة أحيانًا للوعي.مقسم إلى عدد كبير من هذه الشذرات والتعبير الأكبر فيها عن عدم القدرة على التعبير الكامل عن الباطن رغم أنه يتبع أسلوب بسيط  ومقتصِد ورغم ذلك فهو كتاب معقد جدا.

يسقط بيسوا في أعماق النفس الإنسانية ويخرج ويسقط ليصف من القعر ومن السطح فتارة يستكشف العلاقات مع زملائه الرجال وأحيانا يذكر النساء وأحيانا يناقش الشعر البرتغالي.

من الصعب تحديد انتمائه أو تحيزه لكنه بارع جدا في تأمل التفاصيل وإعطاء الدوافع للخلق والحرية الفكرية التي هي الحرية المتبقية لنا.

العشوائية في الكتاب لا تعبر عن أنه غير محبوك بشكل قوي إنه يستنتج ويستخلص رحيق كل الأشياء في العالم والتي يراها على أنها قطع فنية.

الموضوع السائد في الكتاب هو التأمل الذاتي. وله عدة تأملات مهمة جدا ومنها أنه يتكهن أن القلب سيتوقف إذا كان يفكر وتأملات في الشخصيات الأدبية البارزة وأعمالهم. الأساتذة الأدبيون للمؤلف هم دانتي وويليام شكسبير وجون ميلتون.كما ناقش حبه لكلاسيكيات فيرجيل وهوراس وهوميروس. بعض الكتاب أكثر غموضًا ومنهم ستيفان مالارمي وهاينريش هاين وبول فيرلين وفرانسوا رينيه دي شاتوبريان.

العزلة وبيسوا:

العزلة القاسية التي تجعله يهتم بكل شيء ولكنه لا يرتبط بأي شيء ويصف نفسه بأنه فرد منقسم ، توأم سيامي منفصل ليدلل على اغترابه العاطفي عن ما في مخيلته. دفعته شدة التحليل الذاتي إلى استنتاج أن بُعدَه الحقيقي لا ينبغي قياسه في طوله الفيزيائي ولكن بحجم خياله. يذكر أنه يعاني من صداع مزمن ، لكنه يوازن بين هذه الأعراض وحقيقة وجوده في الكون ، وبالتالي إجباره على التفكير فيها. تجذبه أي تجربة تقريبًا إلى “صداع” التفكير العميق الذي يشبه الحلم ، سواء كانت مواقع الذاكرة القديمة غير المفهومة حول لشبونة أو المقاهي والأماكن المعاصرة فيها.

الحلم وبيسوا:

الحلم هو أحد الأنشطة المفضلة لديه لذلك يكتب عن النشاط بشكل متكرر. من خلال الحلم تمكن من الهروب من واقع الحياة الذي وجده محبطًا ومحزنًا. كتب أن فعل الحلم هو الذي أعطى معنى لحياته. من خلال الأحلام ينجو من أحزان الحياة. كتب أنه من خلال حياة أحلامه ، يمكن أن يكون لديه نفس التجارب التي يتمتع بها الشخص الذي يؤدي بالفعل الأنشطة. يدين سواريس الأشخاص الذين يشاركون بنشاط في التجارب المباشرة على أنهم يفتقرون إلى الخيال. يشير إلى الحلم كعقار طبيعي. يكتب أنه بمجرد أن يأخذ المرء هذا الدواء ، فإنه غير قادر على إخراجه من نظامه.

في اللاطمأنينة وشعره وصل بيسوا إلى حد تحليل نشأة مغايراته. لقد فهم أن القراء سيكونون فضوليين. واقترح أن الهويات الأخرى له مشتقة من “جانب من جوانب الهستيريا موجود بداخلي” ، وشخّص نفسه إما بأنه “مجرد هستيري” أو “هستيري عصبي” ، لكنه يميل نحو الأخير. كما أشار إلى أن “انقسام الذات عندنا ظاهرة شائعة في حالات العادة السرية”.

وقال أن الأشخاص المختلفين الذين “أنجبهم” من مخيلته كثيرًا ما أرسلوا له التحية ،أولهم بشكل مقارب جدا للدقة هو “كاييرو” وكان يكتب لهم نشأو ووفاة ويتحدث معهم حوارات وثانيهم “ألفارو دي كامبوس” وهو مهندسا بحريا ،يقول أنه كان يسمعهم ويراهم ، حتى لو لم يستطع أحد آخر ذلك.كان غزيرا كتابيا أيضا  “كتبت بعض ثلاثين قصيدة غريبة ، واحدة تلو الأخرى ، في نوع من النشوة ، لا أستطيع تحديد طبيعتها”.هل كانت هذه نتيجة موهبة أم مرض؟ توقف عن وصف نفسه بالجنون الذي كان هاجس مستمر عنده أن يُصاب بالجنون أو أنه مجنون بالفعل. طوال حياته يتصارع مع احتمال الجنون – القلق الرهيب و بلا شك مرض جدته – لكنه لم يكن قادرًا على استخلاص استنتاجات عن نفسه بطريقة أو بأخرى.

ورغم ذلك كان لديه قدرة الحفاظ على رقابة صارمة على تفاعلاته.ربما أدرك أن كونه سليمًا بدرجة كافية لإنتاج عمله هو أكثر ما يهم.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب السعيد عبد الغني

السعيد عبد الغني

شاعر مصري وقاص فقط لا شىء آخر

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: