عن الملتحقين طوعًا بالجَناح العسكريّ لِفيروس كُورونا

img

بقلم: سميرة ربعاوي.

طالبة دكتوراه قانون خاصّ.

عن المُلتحقين طوعًا بالجناحِ العسكريّ لفيرُوس كُورونا.

في هاته الفترة التي أعتبرها  “إمتحانًا”، باعتبار أنّ الجميع مطالب بالحجر الصحي عن إرادة أو حتى قسْرا وذلك حماية لهم ولمحيطهم. ليس هذا فحسب، بل هم مُطالبون بالنجاح في إجراءه حتى يضمنوا بقاءهم. فسلوك فردِ واحد قد يؤدي إلى عواقب وخيمة قد تصل إلى وفاة أعداد لا حصر لها من الأشخاص، وهو ما حصل فعلا في عدّة بلدان بعد إنتشار فيروس كورونا حيث وصل عدد الوفيات في إيطاليا مثلا، وفقا لاخر الإحصائيات، إلى 9134 حالة إلى حدود هذا اليوم .

وفي الواقع، هذا الإختبار الذي هو إختبارٌ جماعي، لم يمرّ به المجتمع التونسي للمرة الاولى، حيث مر به أيام ما قُبيل الإنتفاضة واثناءها وبعيدها. إذ كان يقتصر الخروج فقط على شراء الغذاء والدواء وتنظيم مظاهراتٍ لرفعِ الشعارات والمطالب الشعبية. وكانت هاته المساءل جميعها تمثّل أمورا حتمية وجدّية في ذلك الوقت.نخضع اليوم لنفس التجربة لكن بطريقة اخرى وبهدف اخر. إنّه ضمان الوجود الإنساني.
فحين يخير الإنسان بين الخروج للموت أو المكوث بين أربع جدران من أجل الحفاظ على حياته، فمن المنطقي أن يختار الحياة. إنها حرب البقاء التي يمكن أن يوجّه الإنسان كلّ جهوده من أجل الإنتصار فيها، ولكنني أتفاجأ اليوم بسلوكات العديدين الذين يذهبون للموت بأقدامهم دون أي إكتراث بما يحصل في العالم من فوضى ومن انقلاب المعادلات و موازين القوى جرّاء إنتشار وباء الكورونا، والذي عجز الأطباّء عن إيجاد دواء له في هاته الفترة، وهو ما أدّى بالسلطات في مختلف البلدان تقريبا الى دعوة المواطنين للبقاء في المنزل احتراما للحجر الصّحي كوسيلة وقاية قادرة حسب رأيهم على حصر هذا الوباء.

أُتابع محطات الأخبار المختلفة بتلهّفِ من يبحثُ عن المعلومة حتّى لا يبقى شاردًا أمام جدار المجهول. فكلّما كنّا نجهلُ ما يحدثُ حولنا، إلا وازداد إرتباكنا وكثرت توجّساتنا ممّا يؤدي بنا إلى توقّع الأسوء والتصرّف –تبعا لذلك- بحماقةٍ قد تزيدُ الأمر سوءً وهو ما نحنُ في غنًى عنه.
ولتقصّي المعلومات حول الوضع الحاليّ، إعتدتُ كلّما شغّلتُ التلفاز على القيام بجولة بين القنوات الاخبارية المختلفة، و تشدني أكثر القنوات التونسية لأنها مرتبطة بالواقع الذي نعيشه في تونس. ولكنّني كنت أصطدم في كلّ مرة بالاعداد المهولة للمواطنين الذين يتجنبون الحجر الصحي ولا يكترثون للنداءات المتواصلة للمجتمع المدني وللمؤسسات المختلفة للدولة بما في ذلك وزارة الصحة و وزارة الدفاع حيث تركت عناصر الجيش بعض مواقعها فقط لتنبّئ الناس بخطورة الوضع الصحي في تونس على غرار البلدان الأخرى، فترى هؤلاء المواطنين يخرجون في تجمعات غير عابئين بأي عدوى قد تنتقل لهم أو ينقلها بعضهم لغيرهم  أثناء تواجدهم في تلك الحشود.
اثناء رؤيتي لتلك التجمعات، يَرتسمُ في مخيلتي مشهد واحدٌ تقريبا هو مشهد منقذي الغرقى .

مترٌ واحدٌ يمكن أن يخفّض إحتمال وفاتك. إنه درسٌ يمكن أن نستخلصه من مهارات السباح المنقذ.

من تقنيات الإنقاذ التي يستعملها السباح المُنقِذ، محافظته على مسافة متر واحد على الأقلّ بينه وبين الغريق ويكتفي فقط بمتابعته من بعيد دون أيّ حراك ، وفي المقابل يكون الغريق في هاته اللحظات في حالة هلع وهيجان. هاته التقنية قد تتراءى لمن هم خارجَ مشهد إنقاذ شخص غريق، تقنية قاسية و لا إنسانيّة. ولكن في الواقع، هي تقنية ذات غايات إنسانية بحتة. فتخبّط الشخص الذي هو بصدد الغرق ، والذي قد يصل به الأمر إلى التّصرف بجنون مستسلما لما قد تمليه عليه غريزة البقاء من سلوكات بعيدة عن التّعقل، يمكن أن يؤدي به إلى سحب كلّ من يقترب منه إلى أسفل فيلقيان حتفهما معا، وذلك ما يدفع المنقذ الى المحافظة على مسافة الأمان بينه وبين هؤلاء ، إلى أن يهدأ روع الشخص الذي في حالة خطر، حفاظا على حياتهما معًا، وعندها يتدخّل السباح المنقذ لانتشال ذلك الشخص.
هاته التقنية قد نجدها ،في هذه الفترة الإستثنائية التي يمرّ بها العالم أجمع، مُضَمَّنة في خطابات بعض الشخصيات المعروفة بما أسمَوْهُ بنظرية أو سياسة “التّباعُد الإجتماعي”، ويُقصد بها أن لا يقترب أي شخص من غيره مسافةً تُقدُّر بمتر على الأقلّ وقد يُعاقب الأفراد في صورة عدم إحترامهم لهذه المسافة بعقوبات زجرية قد تصل إلى السجن في بعض البلدان (القانون السّويسري مثلا يحدد العقوبة بالسجن من يوم إلى ثلاثة أيام).
فعندما ساء الوضع في عدة دولٍ جراء إنتشار فيروس كورونا، توجّهت عديد الحكومات الى حثّ مواطنيها على إتّباع هذه النظرية للوقاية من هذا الفيروس.
وعلى سبيل المثال، توجه الرئيس الصيني لشعبه مخاطبا إياه بأن يفترض كلّ فردٍ منهم بأنّه مصابٌ بالعدوى وأن الشخص الذي أمامه أيضا مصابٌ بها، ولْيتعامل معه على ذلك الأساس فيترك مسافة متر بينه وبين الآخرين على الأقلّ . وهو نفس الأمر الذي إعتمده ماكرون في خطابه الذي توجّه به إلى شعبه أيضا، على غرار عديد الشخصيات الحكومية في عدة بلدان أخرى.

غرقى إراديًّا في بحر الكورونا … متطوّعون كجنودٍ في صفّ الوباء

النتيجة التي نستخلصها من هذه التقنية، أنّ ترك مسافة أمان بينك وبين الآخر مُفترِضًا أنه مصابٌ بالعدوى وأنك ايضا تحمل هذا الفيروس قد يضمنُ حمايتك وحمايته، وبالتالي الحفاظ على حياتكما في الآن ذاته . أمّا الأشخاص الذين يعيشون في تخبّط دائم غير مكترثين بما يسبّبه ذلك لهم ولغيرهم من فتحٍ لأبواب الجحيم على مصراعيه، فإنّهم سيؤدون بسلوكاتهم تلك إلى عزوف الأخرين على مدّ يد المساعدة إليهم خوفا منهم على “سحبهم إلى القاع” والقضاء عليهم بمجرد خبطة عشواء غير مدرُوسة .

هؤلاء الذين يذهبون بكلّ طواعية إلى الهوّة غير عابئين بالخطر الذي يحدّق بهم … غير مكترثين بالأصوات التي تناديهم للإلتزام بالحجر الصحيّ، قد يتحوّلون إلى “قنبلة موقوتة” تصطّفُ إلى جانب “قنابل أخرى موقوتة” فقط لأنهم يتّبعون أسهل الطرّق للنجاة  ولضمان البقاء ولكنها أكثر الطرق فشلا.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: