عن أوّل مدرسة فلاحيّة تأسّست فـي تونس ومنعت فرنسا أبـناء التّونسيّين من التّعليم فيها

img

 

بقلم :بلقاسم بن عمّار الشّابّي

تأسّست بتونس إدارة العلوم والمعارف سنة 1883 وعيّن على رأسها المستشرق الّذي نشأ بالجزائر Louis Machel ، ونمط المدارس الإبتدائيّة الفرنسيّة العربيّة Franco – Arabe الّتي شرع في تأسيسها تجدّث عنه تقرير ميزانيّة التّعليم الّذي أعدّه الكاتب العامّ للحكومة Etienne Flandrin وقال فيه : إنّ المدارس العموميّة يجب أن تكون مفتوحة لأبناء جميع المتساكنين مهما كان جنسهم أو دينهم لتنصهر فيها أجيال المستقبل وتعطي مجتمعا موحّدا في فكره وثقافته ، وهو نفس نمط المدرسة الّذي تحدّث عنه التّقرير العامّ لمؤتمر المحفل الماسونيّ بشمال أفريقيا الّذي انعقد بتونس أيّام 7 و 8 أفريل 1901 وتحدّثت عنه بإطناب إحدى جرائد المحافل الماسونيّة Le Courrier de T unisie . وواضح تماما أنّ اختيار هذا النّمط من المدرسة الّتي تنصهر فيها كلّ الأعراق والأديان ليعطي مجتمعا موحّدا في فكره وثقافته يهدف إلى وضع الأسس الأولى للفرنسة والإدماج .
وعلى الرّغم من ادّعاء المساواة بين أبناء جميع المتساكنين فإنّ الإجراءات العنصريّة الّتي اتّخذت في العديد من المدارس وبمختلف مناطق البلاد ، تتطلّب بمفردها دراسة خاصّة تشرح أسبابها وتكشف عن مقاصدها فإنّنا نكتفي في هذا السّياق بما يلي :
في محضر جلسة المجلس التّشريعيّ المنعقد يوم 6 ماي 1899 قام اثنان من أعضاء المجلس وهما في نفس الوقت قياديان في المحفل الماسونيّ التّونسيّ المدعوان Omessa و Communaux يدافعان عن الإجراء العنصريّ الّذي اتّخذ بمعهد ـ كارنو ـ القاضي بفصل أبناء الأوروبّيّين عن أبناء العرب وتمكينهم من قاعات دراسة خاصّة بهم .
وتبرز العنصريّة في أبشع تجلياتها عندما تأسّست أوّل مدرسة فلاحيّة منع التّعليم فيها عن أبناء التّونسيّين بموجب القرار الّذي اتّخذه المجلس التّشريعيّ في جلسته المنعقدة يوم 11 ماي 1895 الّتي ورد في مجضر جلسته ما نصّه الحرفيّ :
l’exploitation progressive des Français dans l’interieur de la Regence et surtout leur éparpillement rendent indispensable la creation d’un etablissement agricole avec interna à recevoir les fils de nos compatriote …..
ولمّا منع التّعليم عن أبناء التّونسيّين بهذه المدرسة ، قامت حركة الشّبّان التّونسيّين بتأسيس مدرسة فلاحيّة خاصّة بأبناء التّونسيّين ، حيت تبرّعت جمعيّة الأوقاف الّتي كان يترأسها المرحوم محمّد البشير صفر بضيعة الأنصارين بجهة طبربة ، وأعدّت فيها الفضاءات لاستيعاب مائتي تلميذ بمعدّل عشرين تلميذ عن كلّ جهة من جهات البلاد وتدوم الدّراسة فيها ثلاث سنوات وانتدب مهندسون فلاحيّون ايطاليون وفرنسيون للتّدريس فيها وتكوّن مجلس ادارتها من :
محمّد البشير صفر ــ عبد الجليل الزّاوش ــ محمّد الأصرم ــ علي بوشوشة ـ .
والسّؤال الّذي يتبادر الى الذّهن حول تأسيس هذه المدرسة هو : لماذا منعت السّلط الفرنسيّة أبناء التّونسيين من التعليم في المدرسة التي أسستها ادارة العلوم والمعارف وفي نفس الوقت تسمح بتأسيس مدرسة فلاحيّة خاصّة بأبناء التّونسيّين ؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال نجدها في الرّسالة الّتي وجّهها المقيم العام René Millet لوزارة الخارجيّة الفرنسيّة بتاريخ 24 جويلية 1901 قال فيها :
Il sera créer dans le domaine habous de Lansarine cédé gratuitement une colonie agricole destinée à recevoir un certain nombre d’enfants indigènes le but a poursuivre dans cet etablissment consistera uniquement à former des ouvriers agricoles ou garçons de fermes sur ce domaine on enseignait aux enfants le travail de la terre l’entretien du mareriel tout en fournissant aux exploitation de nos compatriotes une main d’oeuvre bien exercée
كان المؤسّسون لهذه المدرسة الفلاحيّة يهدفون الى تكوين جيل من الإطارات الفلاحيّة التّونسيّة وتوظيفه لخدمة الفلاّحين التّونسيّين باستخدام الأساليب العصريّة للفلاحة بالشّكل الّذي يرفع من انتاجهم ويجعلهم يتشبّثون بأراضيهم ولا يهجرونها ليستولي عليها المعمّرون أو يبيعونها لهم بأبخس الأثمان * أو بالكراء الطّويل الأمد فيقيمون عليها منشآت وبناءات يصبح من المستحيل عليهم استرجاعها .
ولمّا تأكّذت السّلط الإستعماريّة من الأهداف الّتي أسّست من أجلها حركة الشّبّان التّونسيّين هذه المدرسة وضعت أمامها كلّ العراقيل للقضاء عليها … وذلك ما أشار اليه المرحوم علي باش حانبه في العديد من المقالات التي نشرها بمجلّة Revue du Magreb الّتي اصدرها محمّد باش حانبه بجنيف … نورد فقرة من مقالة نشرها بالعدد الخامس سنة 1916 من المجلّة المذكورة :
En regard a-t-on songé de former au cultivateurs Tunisiens des écoles agricoles aucunement , le Tunisien doit payer les impots et il ne doit pas en orofiter il n’y a pas pour lui d’enseignement primaires , et pourtant l’école primaire aurait fait beaucoups l’administration et les gros colons soutiennent qu’ilo n’y a pas besoin d’ouvrir des écoles agricoles l’ouvrier qui travaille chez les colons apprend le maintien des instruments cela est suffisant pour lui faire gagner sa vie La propriété de Lansarine dont la colonisation n’avait pas voulu était insolubre aucune route ne la desservait et en resultait une grande difficulté pour le ravitailement en hivers … l’administration tendait de faire des élèves des ouvriers agricoles et pourtant lav majorité de ces élèves étaient les fils de propriéraires ou paysans qui désiraient exploiter leurs terres avec profit les colons disent ouvertement que les propriétairesc et les paysans sont déstinés à devenir des ouvriers chez les colons …. ainsi La Tunisie serait partagée en un certain nombre de grand fiefs avec les indigènes comme serf et de fait la politique de ces denières années tendait à réaliser ce rève

* قالت جريدة الزّهرة في عددها الصّادر يوم 23 أكتوبر1889 : في التّقرير الّذي أعدّه وزير خارجيّة فرنسا ـ ريبو ـ ووزّع على أعضاء البرلمان الفرنسيّ ذكر فيه أنّ الفرنسيين خلال الثّمان سنوات الأولى للحماية اشتروا أربعة آلا ف هكتار من أخصب الأراضي وغرسوا في الأراضي الدّوليّة خمسة آلاف هكتار من الكروم

بلقاسم بن عمّار الشّابّي

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: