عمار التيمومي او البرنزي عندما تكون الكتابة مخاطرة ومكيدة و فخاخ

img

“البرنزي او دونكيشوت عربان جلاص” . – مراد ساسي- ناقد

-عمار التيمومي او البرنزي عندما تكون الكتابة مخاطرة ومكيدة و فخاخ –

 

ولان الكتابة ليست ظلّ الصّوت فقط بل آثار خطواتها الأبديّة وهو ما ادركته يقينا  من خلال رصد الكتابة عند الرّوائي عمّار التيمومي خاصّة في روايته التي بين أيدينا ولعلّني لا أبالغ بل أجدني صادحا لحقيقة أن البرنزي أكثر من رواية او قصّ .

فرواية “البرنزي “،هي -كما اسمّيها – تحقيق مضادّ فريد لما يعتمل في بيئة تتنازع الوجود والتّاريخ أي في معركة من اجل تأصيل كيان البرنزي إلى حد ما يعتبر الإرث الإنساني كله وليس الفتى الضرب القيرواني المنحدر من قبيلة أو عشيرة في “بني جلاص” ’هو كما أريده وأراده -ربما الروائي- أخيل في نسخة تونسية شرقية او “دونكيشوت عربان جلاص” كما اسمّيه في تعريف يحمل الحلم والفانتازيا،  ولكن بطابع آخر ضارب جذوره في سحيق الذات ولعل أخاديد الأرض من سمرته تتشكل مع ما يتدفّق فيه من دم بربري أصيل ، ورغم انه ينتمي للهامش والبسيط فهو الوالد والمولود لشخصية فريدة عجائبية مائية تكتنف الكل من اجل الاستظفار باشراقة حياة ،ليقول أنا هو الجبل الذي لا تهزه ريح ولا تهزمه الاتجاهات ، أنا الواحد في الكلّ وأنا نبات الصبّار ورائحة الطّين في خزف البادية، احمل بقلبي بساطة الإنسان وقوّة الإيمان وإصرار الأنبياء وربما كرامات الأولياء ، وهي لعمري عظمة مجبولة في الكبار فقط ،والبرنزي كبير بمعاناته وصبره وجلده كقطعة فولاذ صلب لا تتعب ولا تذوي ، أو هو طود من صخرة برنزية لا تفل ولا تتعب من ريح ولا من حفريات الزمان ’هو ما أراد لا كما أرادوه .

«البرنزي» هي رواية مشبعة بالدلالات والتلميحات والرّموز، وأيضاً بالمراجع والاقتباسات الأدبية. عناصر تثري قصتها التي تشبه إلى حدٍّ بعيد قصة النبي داود. فمثل زبور، نشأ الكاتب في قرية صغيرة، وتربّى في كنف عمه داخل مجتمع قبلي تتحكّم بسلوكه لغة بداوة منفّرة بطابعها الرّسمي وجانبها المفخَّخ بالمحرّمات والخطاب مع لغة نظام رسمي يُخضع كل شيء في خانة “الأيديولوجي الواحد” .

“البرنزي ” الرواية للكاتب عمار التيمومي   إشارة إلى أن كل تجربة لها أدواتها، فالمبدع لا يحتفظ بنسق جاهز يقود طاقته، هكذا الحال في الرواية أيا كان جنسها أو اتجاهها النصي . والتجربة والعوالم التي يخلقها الروائي أو السارد في نصه ومهارته في منحها سمة التجلي والمكر والمراوغة والمجاز الذي يدهش القارئ أو المتلقي  فيأتي ما لا يؤتى ويضرب بك في كل اتجاه أو كل ريع ويمنحك الشعور بذاك النسق الجمالي لأنه في الأخير  هو قانون التوحد والتناسخ بين روح النصّ المحكيّ والمدارات العجائبيّة ،وبين القارئ المنتشي بشوق البحث عما يؤسس كيانه ويطفئ جوعه أو عله يأسر إيمانه كطلاّب الحق ، ضرب من صوفية المعنى والإيغال في تواشيح الذات على حافة تجريد  الواقع حد الانتشاء والوله واحيانا كثيرة الوجع .

تلك هي أعلى درجات التّسامي والتّصعيد في نسج نص فريد ومكتظّ بأسئلة بحواف مسننّة تداهمك على غرة دون سابق انذار  ’ والذي يجعل الروائي يذهب بك ما وراء السّرد وما وراء الرّواية ،تماما كربان بألف شراع في كفّ ريح واحدة ،وهو ما ميّز كتابة عمار التيمومي  في منجزه الروائي هذا، فهو الربّان المبحر بك إلى الضّباب طورا وأطوار أخرى إلى العباب  كقائد يمضي بالمعجم الجمالي والمتخيل المحكي في اتجاه التطور ،معبّدا السّياق الروائي ومنه الثقافي لأفكار جديدة، مع أنه – ربما -في سياقه الاجتماعي قد يكون مرفوضا، يتعرض لهجوم من أقلام الآخرين الذين يريدون له أن يكون مقلّدا، سائرا معهم في  أفق محدود، في فضاء ضحل.وهو ما رفضه لأنه أدرك مبكرا بان الكتابة فخ ،المتعة فيها مصيدة  والمكيدة تقعد لك بكل صراط فهي التورط والتمرد .

فاختار الحيرة والتمرد بنصّه المربك والذي يمثل ” تابو أدبي وربما اجتماعي – تاريخي” من حيث الطّرح لأنه جنح إلى تعرية المتواري من الثّقافة الشعبية ( حياة البداوة تحديدا) والموروث الديني والاجتماعي  وخاصة الأحداث التاريخية التي انتضاها كمنصّة لقصفه المباشر ودون هوادة ’والذي يعتبره البعض حرّا في حين انه مازال يرزح تحت عديد الاءات (لا) والرّفض لعادات اجتماعية تركيعيّة مثلما يسرده النصّ الرّوائي في العلاقة بين البرنزي ومجتمعه …وجملة الأحداث التي تقرع الواقع بسياط الواقع والوقائع التي تذهب في اتّجاهين او صراعين : هيمنة النّفس المعذّبة وتردّدها وتمرّدها وتحدّيها للواقع مهما كانت مخاطره وبين رفض جماعي اجتماعي بمثل هذه الشخصيّة رغم هامشيّتها وبساطتها  التي تصبح في العادة والعرف شذوذ وخروج بل مروق من كل النواحي، الديني الاجتماعي وكذلك الأخلاقي الاقتصادي …

لذلك أرى بأنّ هذا النّوع من الكتابة كتابة صادمة مربكة ومتشظيّة وكانها ” بنادق ملقّمة ” ستنفجر في كل آن وكل اتجاه ….

عمار التيمومي  كان مسكونا على الدوام بهاجس عدم الانحصار في نطاق محدود من التفكير والتعبير والتحليق في عوالم جديدة مبهرة أو مربكة وتعرية المسكوت عنه المتواري خلف حجب ضبابيّة ومقيّدة جدّا بقيود  كفعل وحشي  لعبودية قسرية  ،وهو ما يرفضه كليا وتجاوز إلى الضفّة الأخرى كمغامر لا يصده شيئا أو كصياد لا يخبر فريسته بمجيئه فلا يزعجها بل يحاول مصادقة أوكارها ليظفر بنشوة تجريب الفخاخ والمصائد ديدنه في ذلك بل هاجسه الذي يشترك فيه وتأثر به مثل ” سارتر في كتابه “ما الأدب؟”او ألان بارت الذي كرس سنتين من حياته   لإعطاء درس في ” الكوليج دي فرانس” في موضوع كيفية إعداد رواية حيث أمضى بارت عديد الأسابيع وبذل كثيرا من الوقت في تقريب الطلاب من خلق الوسائل غير المباشرة القادرة على إنتاج الرواية.. أي وضعهم عملياً على الطريق الصحيح لاجتراح مسافة الكتابة ’ ففتح لهم عوالم فوكو  ودولوز وخاصة  كونديرا .

الكاتب الجيد متهم دائما بتمجيد ما هو مشين ، ومتهم أيضا بأنه يستبدل الحياة بكتب تتحدث عن الحياة ، وكأننا مطالبون بتكريم هذه المأساة التي تسمى الحياة بالسكوت عنها وعدم فضحها

وأزعم أنّ الكاتب الجيد لا يعترف بالعقل وحده ، بل يعترف بالقلب والأهواء ، العقل يجعل الكاتب مرغماً على الجري في ممر مظلم منتظرا إشراق الأفكار ذات القيمة والعميقة والتي تقول أن كل شيء خير ، وهي نفسها الأفكار التي تعتبرنا جميعا مجرمين ولنا نفوس تعارض البراءة بالذنب ، وهذا هو التبرير الوحيد لوجود كتابات تحاول تنظيم سلوكنا وتعليمنا الطريقة الوحيدة – الإذلالية طبعا – في عدم الاهتمام بما يقوله الأدب ؛ لأن الأدب لا يجد مضمونه الإيجابي إلا في تحديه ورفضه لنغمة الخير غير الممزوجة بالشر.

فالكاتب الذي يبحث عن الدقة عن المنطق عن الأخلاقي هو كاتب محروم من قلمه ، فرأسمال الكاتب بسيط بشكل ساخر وهو قدرته على أن يثير الفضول بشكل لا يخلو من النشوة ، وهذا ربما يزعج بعض المقلدين والنمطيين  المُصرّين على الانطواء على الذات ، فبالنسبة لهم كل خروج عن المألوف هو لسان مضاد يجب قطعه ، وربما أيضا يزعج أولئك المهتمين بإنقاذ الآخرين من الضياع من خلال كتاباتهم ، لأن الحقيقة الوحيدة موجودة فيها وهي في الحقيقة الأمر  ليست سوى كتابات تنام بعد قراءتها بشكل سيئ أو على الأقل تشعر برغبة في قتل صاحبها  أو صلبه على الخازوق وأنت تبتسم ، هؤلاء لا يفهمون أن الكتابة الجيدة هي تلك التي ترفض فهمها لكي لا تفسد متعة الاستمرار في النظر إليها ، النص الجيد يجب أن يحاول أن يرغمنا على فعل شيء بل يتيح فقط فرصة لما نفعله فعلا كي يدافع عن نفسه .

أما الكاتب الحذر كاتب يخاف المحاكمة ويدخل بسبب خوفه بعد أوراقه ولا يدخل معها أبدا ، لأنه جبان ويخاف سماع وقع مطرقة  القضاة – لقاء يوم ” الزينة ” – مجازا -، مثل هذا الكاتب ينقطع وحيه يختل مصهره وتتشوش غبطة مخياله بكدر الرهبة  كماء آسن وقد لا يكتبه الماء أبدا لأنه أضاع ينابيعه وتيبست أرضه وغادره الخصب إلى الأبد ومنها تموت الكلمات بين شفتيه وتدفن وسط كومة من حرائق المخاوف ، يكفي الكاتب أن يشعر بأنه بمجرد رفَع يده سيمسك مقبض الباب المؤدي إلى الحياة بكل عريها وأن يمتلك الشجاعة لفتح هذا الباب وليس مجرد الوقوف أمامه.

هو ذاك ما أدركته لدى الروائي عمار التيمومي  ومن خلال بدائع نصه وطرحه الروائي في “البرنزي”

كما اشدد الملاحظة وربما يشاركني فيه البعض ممن قراء الرواية  وشاركوا صاحب النصّ الولوج  أنّه جعل للحياة من خلال البرنزي معنى للكفاح والتجذر والمكابرة  مكاناً انغرس فيه و ألح كثيرا لكي نتوقف جميعا فيه ، و لن تكون مجازفة منه و مجرد ادعاء فارغ إذا قلت أنه  أتقن  كل الكلمات التي يمكن أن تقال عن الكفاح والمقاومة بل القتال من اجل أن تكون أنت لا كما يريدون أن تكون  ، لكن البرنزي  عمار التيمومي أجاد الوقوف عند جغرافيته المهيبة لأنه ببساطة  وجدها الأشد إدهاشا وإمتاعا وأهمية من جغرافية الموضوعات الأخرى ، أقول جغرافيته لأنه لا يحب التجريد الخاوي على عروش صدئة إذا تعلق الأمر بالكلام عن المبدأ عن الوطن عن الحب عن رائحة السلالة ، التجريد هنا يشبه الحديث عن غرفة نوم لا سرير فيها ، من وجهة نظري يقاس الكائن انطلاقا من علاقته بالآخر ، كأب ، أم ، أخ ، صديق ،كحبيب ’ كعاشق  …… إلخ ، هذه العلاقات جميعا لا تعرف الحياد بالرغم من أن كل ما أسلفنا الحديث عنه  لا يحقق نفسه فيها عن كثب لأن سبب الحياة معروف ، هذه العلاقات يمكن الحديث عنها كمستويات اشتقاقية لكلمة أن أكون أن أحيا ا ن أحب  ، فالحديث عن الذات أو عن الآخر  المتعلق بالحياة هو جهنم اللغة لأنه يحقق نفسه فيها ، كل من كان حول البرنزي من شخوص أو كائنات لا تتكلم اللغة التي تعلم أن يتكلم بها هو  ، فلغة البرنزي لغة ممزوجة بعدم الاكتراث وقريبة من القيمة والعمق وعن حدود اللغة الفاخرة التي  تهتم بما يجري فعلا في الحياة اليومية ،وعل عمار التيمومي يؤكد:

” نحن غرباء في هذه الحياة ، في داخلنا حنين لا يقهر إلى اتصال لا تلعثم فيه ، إلى جرأة على دمج تفاصيل ظلنا مع ما يهرب منا من صور ، لا شيء غير الحب والانسان و كتابة كتاب يجعل الحياة تبدأ وهنا ندرك ان الانتحار احيانا هو تصرف غايته الإساءة للموت نفسه او قهره .”

فالكتابة هي تصرف غايتها الإساءة للنسيان نفسه ، والحب هو تصرف غايته تفتيت أنانية الحياة وأنانية الكتابة نفسها ، مهارة الربط بين الموت ، الكتابة ، الحب ، هي مهارة ليست من تدبير واضع النص بكل عوالمه أي تأتي بدون خطاطة وذاك هو الفخ الرجيم ’ مكيدة من دون سابق إضمار ولا ترصّد بل هي متعة القنص  ، في منتهى مهارة بدائية تفهم من خلالها كل شيء عن قلبك ، وبعض الأشياء عما في قلوب الآخرين ، وعندما تتحول هذه المهارة إلى كتابة تصبح شيئاً عنيفاً ، تخرم أو تحترم  قناعاتنا سيان ، المهم أن كل احترام  لحقيقة مشاعرنا ومخاوفنا سيكون فظاً ومفرطاً في خشونته ، ومن هنا أخمن أن صاحب النص أحب تلك اللحظة التي شعر فيها أن اللغة جبانة وتتراجع معلنة توبتها ، في هذه الحالة تتقدم الحروف المحظورة و تتكلم بسهولة شديدة عن الرغبات المكبوتة ، عن المشاعر الملغية ، عما يخفيه الجميع في داخلهم طوال الوقت ، يجب أن تكون الحروف كاضطراب غير مفهوم على سطح الورقة ، اضطراب يعطي كل قارئ اسمه وشكله الذي يبحث عنه ، فليس الكاتب   من يقرر إذا ما كانت الحروف في نصوصه بكل عوالمها ومجازها ومشاربها  تنحاز للحب أو للكراهية ، لكنه هو  من يقرر أن يكتب عن خصلة شعر ” شهلاء ” التي تنزلق بحنان او جريان دمعها  كلما نظرت إلى صندوق زوجها ، هو من يقرر أن يكتب عن الحركة عفوية لشفتي في نهاية كل القبلة لتلك ” القاورية – الباريسية- التي هامت به  ، وهو من يقرر الكتابة عن أن لا شيء في العالم يتغير إلا إذا سمعت صوت قلبك وتكتكت أصابعكِ تقرع ابواب المغامرة ، إذا لم يصدر عن كل ذلك  صوت يُسمع، يغادرك ثم يرتد اليك كاول فرقعة عند التكوين تموت الكلمات وتدفن في العتمات ، الكتابة تكون أجمل حين تنبع من الذات من التجربة مهما كان انحسارها وانكسارها أو انتصارها ففي الأخير تمثل على الورق كالانفتاح على عالم مزج بين الأهواء والاحاسيس والعقل  لإخراج الكتابة من البراءة المفتعلة المنغلقة إلى عوالم المكاشفة الخطرة ، و الذي يحذر منه اغلب المنكفؤون على الاخذ منه بالقليل  القليل ، عندها فقط تتمرد الكتابة على الرهافة المفروضة عليها ’ وهو ما لمسته في تجربة الروائي عمار التيمومي من خلال الأثر الذي بين يدينا رواية ” البرنزي” ./ مراد ساسي – ناقد

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: