على رصيف الذاكرة . بقلم ريتا الهلالي

img
فكر 0 syef salem

تَمضي الأيامُ على رسلها ناقرةً شبابيك العُمر، بينمَا أزالُ أنا أتعثرُ بالأشياء التي أَجهضها الزمن وأُلملمُ شظايا أحلامي
هذا المساء تحاملتُ على نفسي،وعلى تَعبي، وعلى حُرقتي ونهضتُ إلى الحياة. شَرعتُ في قراءةِ “التيه”، الجزء الأول من خُماسية “مُدن الملح” ل”عبد الرَّحمن منيف”:
“إنهُ وادي العيون..
فجأة،وسط الصحراء القاسية العنيدة،تنبثقُ هذه البُقعة الخضراء،وكأنها انفجرت من باطن الأرض أو سقطت من السماء،فهي تختلفُ عن كل ماحولها،أو بالأحرى ليس بينها وبين ماحولها أية صلة….”
وأخذتني الروايةُ منذُ سطورها الأُولى إلى عالمٍ بالكادِ أتناساهُ. وتَذكرتُ القاعة عدد “٢٤”، في أول الممر الشمالي، في مكانٍ طالما ضاقتْ وحشتهُ بي.
وتَذكرتُها، تلك البَقعةُ اليتيمة المُترامية بين عوالمٍ لا تُشبهها، تطلُ على سماء ليستْ كالسماء، وتنهلُ من وهجٍ شمس تَكاد تحارُ أهو وهج نور الكونِ أم وهج نار العقلِ. تلك البُقعة التي هَزتْ كياني،وأقحمتني في أُفقِ الترحالِ بحثًا عن المعنى والذات وصيرتني إنسانًا جديدًا يُلاحق ألغز الأسرار.

لا أُدركُ كم يتسع عالم المجازِ والاستعارات والتشابيه حتى أسمح لذهني بأن يُماهي بين تلك البُقعة الخضراء المُذهلة التي تنفجرُ في صحراء “منيف” وبين القاعة “٢٤”،التي تَنفجرُ في ذاكرتي، بيد أن تلك السطور الأولى من الروايةِ جرَّتني جرَّا شرسًا إلى استعارتها كي أُوصّف بها هذا الركن من عالمي المُتهاوي.

هُناك عند بابِ القَاعةِ “٢٤”، صُلب قلبي كالمسيحِ،أو أبعد. وقد كنتُ من قبلِ أن ألج هاتهِ القاعة كالطفلِ الشارد في دُنيا لا يُدركُ من أسرارها إلا القليل، وكنتُ أُحدقُ في الحياةِ بإبهامٍ باهتٍ. وكنتُ هشةً لا أَعرفُ من المبادئ إلاَّ تلك التي ورثتها من أبناء جيلي ومن قبيلتي. وكانت الكلمةُ تُجهضُ على لساني خوفًا من التأويلِ. وكانت الفكرةُ إذا راودتني ترتدُ إلى أعماقي خشيةً من الناسِ.

هُناك، احترقتُ بأكبر الرؤى المُلغزة فألقيتُ كل العقائد الواهية وخلعتُ عن قلبي خشيتهُ وخوفهُ وسرتُ إلى العقلِ أتوسلهُ إجابة تُشفي إلحاح هواجسي.
هُناك كنتُ أجلس في المقعد الأول، أَتعثرُ بأولِ التأملاتِ الميتافيزيقية، وأُحدقُ في وجه الشمس والشغف يتوهّجُ في ذهني كقبسٍ من اللَّهبِ واللَّهفة تتأججُ في قلبي كلَظَّى الظهيرةِ.
هُناك، كنتُ أحملُ الصخرة إلى أعلى الجبل، وحيدة حافية يتيمة، وكنتُ أتعثرُ بصدى الفلسفة الإغريقية وأرتطمُ بالعدمِ، وماكنتُ أَشعرُ بالمللِ ولا بالإعياء، بل كنتُ أتحاملُ على تعبي وعلى وهني وأُعيد الكرة وخافقي يَهمسُ”وهاتي يا حياة، وهاتي يامُثابرة..”
هُناكَ نما لي جَنَاحان ووطن حتى صرتُ أضل طريقي خارج هاتهِ القاعة، فأَعرجُ إلى حضاراتٍ تفصلني عنها مسافات زمنية خُرافية: لَكم كنتُ أشتهي الطيران إلى أثينا القديمة….

هُناك، كان الرِفَاقُ يُقاتلونَ من أجل الدروسِ المُبسطة والكلماتِ العذبة التي تكفي لتجاوزِ مآزق هاتهِ السنة بأقلِ الخسائر الممكنة. وكنتُ أنا أُناضلُ من أجلِ أخسر القضايا وأغربها في هذا الزمن: “أن نُفكرَ”.
هُناك انصهرتُ بالشغف الكبير، وحلقَ قلبي إلى أزمنةٍ ولَّتْ لكنها ماتزال تشتدُ في الذهن إبهامًا وإلغازًا، وماتزالُ تشتدُ بريقًا وإبهارًا.
هناكَ أرَّقني السؤال: “أأكون أم لا أكون”؟
وإن كنتُ فكيف أكون ؟
هُناكَ، أصغيتُ للمرةِ الأولى في هذا الوجود الغريب، إلى صوتِ العَالمِ وتتبعتُ هَمسَ أصغرِ الكائناتِ، وتمعنتُ في عسس النمل وتبصرتُ في طنينِ النحل..
هُناك نَظرتُ إلى جسدي نظرةَ المُتأملِ المُندهش من شيء يسكنني وأسكنهُ بيد أنني ما أدركتهُ وماأدركني إلا الآن.
هُناكَ عرفتُ الطريق إليَّ..
أنا هذا التائهُ في المسافات الخُرافية للذاكرة، أنا هذا المُتمزق بين “أناي” وبين الأيادي الممتدة إلى عُنقي؛ تَخنق بوحي، بين الرغبةُ التي تتفجرُ في خافقي وبين أصواتهم تُميتُ إنفجاري.
هُناك أذعنتُ لنداء الحياة، “ما أضيق العيش لولاَّ” حصص الفلسفة !

هُناك اجتزتُ فرض الفلسفة الأول. وبتُ ليلتي أَهذي كالسكارى، وسرتُ صباح الاختبارِ إلى الفصلِ تتقاذفني الرؤى البعيدة ، وسلمني أُستاذي الورقة وتركني إلى الفرضِ هامسًا :”استمعي إلى سمفونية ما، أو إلى فيروز”. ووضعتُ السماعات في أُذنيَّ وتركتُ Yanni يَعزفُ مقطوعتهُ “Until the last moment”.
وأَنجزتُ أولَ الفروض في حياتي بمزيجٍ من الشغفِ والتأمل والتَّبصر. ومازلتُ أذكرُ كيف انصهرتُ بذاك النص ل”لويس لافال” ووهبتهُ عقلي وروحي حتى كدتُ أَتوهجُ في القاعةِ كَشعلةٍ من اللّهبِ.
ومازلتُ أَذكرُ أجمل جملةٍ ختم بها أُستاذي المُلاحظات المنهجية والمعرفية التي دُونت على ورقةِ فرضي:”.. عزف مُنفرد لا أملكُ إلا الشُكر..”
الأُستاذُ العظيم هو ذاك الذي يُعلمك ثورة السؤال وثورة الحُلم وثورة الفكرِ. هو ذاك الذي في حضرتهِ يَتجلى العقل وحده الإمام والقائد.

عند باب القاعة “٢٤”،مع أولِ نصٍ ندرسهُ ل”سارتر”،بعد قولهِ”إن الإنسان بالأساس مشروع يُعاش ذاتيًا بدل أن يكون زَبدًا أو درنًا أو كُرنبًا، لاشيء يُوجد قبل هذا المشروع، ولاشيء يوجد في العالم المعقول،إنّما يكون الإنسان وفق ماقد خططهُ لوجوده فحسبْ..”
ركلتُ كل الأُمنيات القديمة وتركتُ قلبي العاصف بشتات الأهواء يختارُ مصيرهُ. أدركتُ حينها أن الفلسفة هي الامتداد الرُوحي والذهني والطبيعي لوجودي. وقررتُ يومها أن أَهب عُمري للفلسفة. وهمستُ لنفسي: فلتنجلي كل الأُحلام القديمة، والعربية التي حلمتُ بدراستها وتدريسها منذ بدأت أعي الوجود، فلتبقى الحب الذي لا يُختزل في مرحلة جامعية أو مهنية.
والحقوق، حُلم الطفولة وطموح الصِّبا والصورة التي استفحلتْ في كياني لامرأة القانون الشرسة المُثابرة ورغبةُ أبي التي عبثًا كان يُخفيها حتى يتركني أُحارب بسلاحي وأختار بإرادتي، فلنرمي بهذا الحلم أيضًا في صندوق الأحلام. ولتحيا الفلسفة: نداء الحياة الأعظم والأعمق.

لقد كنتُ يوم همستُ لنفسي بذاك الكلام مأخوذة بسحرِ حب عظيم، وكنتُ أصغر من قتامة الدُنيا، وكانت أحلامي أكبر من سوداوية المُستقبل، وكنتُ أرى في هاته البلاد أملاً يتسعُ لطموحي، وكنتُ أؤمن بالعقول الحرة المفكرة، وكنتُ أَظنُ أن الفلسفة ستنصفني..

أُربتُ على كتفٍ تُوشك على البتر وأصفرُ للزمن..
اليوم نطوي حُبًا آخر.. ونُغادر مكانًا يعزُ علينا.. نمضي إلى سماء لا تُشبه تلك السماء التي تطلُ عليها القاعة “٢٤” وإلى شمسٍ صمَّاء لا تُلهب القلب ولاتُحركً أوصاله.
اليوم نمشي إلى أول الأحلام وأقدمها وأبعدها، نمشي إلى شيء نُحبهُ لكننا نُحب غيره حبًا جمًا..

سأدفعُ الثمن باهضًا، أعرفُ. كل ركنٍ في هاته القاعة التي أحببتها،ووهبتها شغفي وجهدي وتعبي ووهبتني سرها ولغزها وسحرها ثم تنكرتُ لها، سيشهد أنني سأدفعُ الثمن باهضًا، ولتشهد الفلسفة أنني سأدفعُ الثمن باهضًا.. وأنني سأقتحمُ رحاب عالم جديد وسأحبه وسأهبهُ وقتي وتعبي لكنني لن أهيم به كما الفلسفة. ولتشهد الفلسفة،إذا استعرتُ لغة أبي الطيب المُتنبي، أن من يشقى فيها إنَّما هو يشقى في النعيم، وأن من ينعم في غيرها إنَّما هو ينعم في الشقاوة.
ولتشهد الفلسفة أنها ستستيقظنا ذات يوم على أهول الخسائر؛ خسارة الذات..

وتذكرتُ “عمر الحمزاوي” في رواية الشحاذ، والقانون لم يُنصفهُ، وسنوات المحاماة لم تكشف ذاته، والشعر وإن مضى أو عاد فلن يُقدم إجابة شافية.. ولكن وحدهُ صوت الفلسفة،لو كان يدري، يُحرك “القلب الأصم”..وحدهُ صوت الفلسفة يُزيل غربة الذات عن ذاتها..

وتذكرتني؛ أتخبطُ بين الأشياء التي أُحب وأخشى، وأمضي في غمرة الجنون إلى العقلِ أحتكمُ إليه لاختار.
أيلتقي الجنون بالعقل؟

وتَذكرتُ أن الحب العظيم هو ذلك الذي لا نبلغهُ أبدًا.. وراودني قول “روسو”: “لا يكون الإنسان سعيدًا إلا قبل أن يكون سعيدًا..” وهَمستُ إليَّ”: فلنظل نطلب هاتهِ السعادة ولا نبلغها..، إن السعادة تكمن في السعي وحده.”
وأعادتني الصورة إلى تأويل “هايدغر” لدلالةِ عبارة “الفلسفة”، أو “حب الحكمة” إيتمولوجيًا حيث الحب سعي إلى الامتلاك ووعي باستحالة الامتلاك، استدامة طلب واستحالة موضوع الطلب..

تَمضي الأيامُ على رسلها ناقرةً شبابيك العُمر، تمضي وفي رِحابها آلاف الأمنيات البعيدة، تمضي والجدرانُ تعلو شيئًا فشيئًا..

أَتذكرُ تلك النخلة اليتيمة التي تطلُ عليها القاعة عدد “٢٤” وأُدندنُ:
“يانخلة وادي الباي ردي خبر للنجوم…….. “يوميات ٢٠١٨/(الصورة من أمام القاعة ٢٤)

Facebook Comments

الكاتب syef salem

syef salem

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: