علب الاسمنت -حاميد اليوسفي

img

قصة

علب الاسمنت 

حاميد اليوسفي (مراكش ـ المغرب)

اشترى احميدة وفاطمة شقة في الطابق الثالث بالتقسيط لا تتعدى مساحتها اربعة وخمسين  مترا .. مطبخ وحمام وثلاث غرف صغيرة مثل اقفاص الطيور.. في البداية غمرت فاطمة فرحة كبيرة عندما استقلت عن حماتها بعد فشل تجربة الكراء ، رغم الضجيج وطول السلالم وضيق الفضاء الداخلي ..

أحست فيما بعد بأنها فقدت جزءا من ذاتها .. أصدقاء والدها وهي تتقدم للسلام عليهم في الدرب او عندما تدخل بيوتهم .. ابناء وبنات الجيران وصديقات امها وهن يتبادلن معها التحية من باب المنزل ويسألن عن احوالها …

تسكن بجوارها اسرة من زوجين موظفين انجبا طفلة لا زالت في شهرها الرابع ربما رمت بهما الازمة الى السكن بشكل مؤقت في علب الاسمنت هذه …

في الحد الادنى لا تستهلك اكثر من سبعين درهما من الماء والكهرباء .. السانديك يأكل بالباطل مئة درهم في الشهر دون مراعاة ظروف الناس .. قسيمة السكن تلتهم سبعمئة وخمسين درهم شهريا .. البقال يأخذ ما بين 500 و 600 درهم .. دراجة حميدة 300  درهم بنزين مع احتساب التامين وعملية استبدال قطع الغيار المتهالكة .. الخضار والجزار ومول الحوت 600 درهم اذا لم يزرهم ضيوف .. اضف الى ذلك الحمام واللباس والتطبيب والترفيه … سلسلة تدور بشكل مجنون مثل حمار الطاحونة ولا يوقفها إلا الموت .. مدخول حميدة اليومي لا يتجاوز 100 درهم وفي فترات الكساد يهبط ب 30 % ويتوقف نهائيا عندما يتعرض للبطالة التي قد تمتد 15 يوما او اكثر ..

بعد الزواج عادت للعمل في الرياضات مقابل 80 درهما وما تجمعه من بقشيش في اليوم في فترات الذروة السياحية .. تساعد حميدة في مواجهة سلسلة الموت (الخبز والماء والكهرباء والكريدي والجزار والخضار…)

عندما تركد حركة  السياحة في فصل الصيف الذي يطول في مراكش وقد يمتد الى نصف سنة ..قد تدعوها ليلى صديقتها التي تزود الرياض بالحلوى إلى مساعدتها مقابل 100 درهم في اليوم خاصة عندما تكثر لديها طلبات افراح وأعراس الصيف .. وفي رمضان تساعدها في تهييء الحلوى الشباكية والبريوات وسليلو ، أو تجلس في شقتها تقلب عينيها وتلعن الظروف الذي دفعتها لمغادرة المدرسة وحرمتها من الحصول على شهادة قد تحسن من وضعها الاجتماعي وتمكنها من الحصول على وظيفة وأجر قارين …

جارتها الموظفة تقبل رأسها من اجل ان تترك لها طفلتها حتى تعود من العمل عندما يتأخر بها الوقت ولا تستطيع المرور على بيت والدتها او اخت زوجها …

في نهاية الشهر لا ترضى ان تقول للبقال بان احميدة لم يعمل هذا الاسبوع .. في نهاية كل شهر تطاردها الكوابيس وتشعر بان شيئا ما لا تعرف ما هو يجرح كرامتها .. وتتساءل مع نفسها ما الفرق بينها وبينهم ؟.. هي تعيش في علبة من الاسمنت وهم ينعمون في ابنية مثل القصور وسط جنات من الحدائق التي يزينها العشب وأزهار الكاميليا والياسمين وأشجار الليمون والمزاح .. يتقاضون أجورا لا تُصدق حتى في الخيال .. يسجلون ابناءهم في مدارس البعثات وعندما يتخرجون يضعونهم في أعلى المناصب .. ويشترون آخر موديل من السيارات ويقضون عطلهم الصيفية في اوروبا ويتناولون وجباتهم  في أغلى المطاعم وينامون في افخم الفنادق  …

عشقت مرة ان تذوق وجبة من طعام الماكدونالد وكادت ان تستضيف حميدة للذهاب معها لولا ان وقف عليها شبح فاتورة الماء والكهرباء ووصْل السانديك وسرق منها هذا الفرح البسيط فأعادها الى جحيم علب الاسمنت التي تلتف حول عنقها مثل حبل المشنقة ..

عندما تشتد الحرارة تصبح كمن بها مس تلتفت و تتكلم مع نفسها :

ـ لا أحد يستطيع ان يدرك حجم الجحيم الذي نعيش فيه ..

تعرف أن الأثرياء الذين يحكمون البلد لا يستطيعون ترك عطلتهم والتخلي عن الشواطئ والفنادق والمطاعم والسهرات الحمراء والهواء المكيف ليوم واحد وينزلوا ضيوفا عند سكان علب الاسمنت  لمعاينة هذا الجحيم الذي يتباهون بوضعهم فيه ويصفقون له بمناسبة وبدونها !

درجة الحرارة تتجاوز هذه الأيام 48 .. خففت لباسها .. استبدلت قميص نومها  بسروال خفيف مزقت رجليه إلى ما فوق الركبتين .. قطعت اكمام القميص القصير حتى كشفت عن شريط حمالة النهدين ورغم ذلك لا زالت تتصبب عرقا .. اشترت مروحة كهربائية (فرفارة) ب 150 درهما  كريدي .. روحها تكاد تزهق من جسدها لا تستطيع الوقوف في المطبخ ولا الجلوس في الصالون وكأن الشمس تطاردها داخل الشقة من الثامنة صباحا الى الثانية بعد منتصف الليل ..

في منتصف النهار تتحول الشقة الى مقلاة وتتحول فاطمة الى سمكة تتقلى في زيتها ..

في المساء تخرج  مع احميدة الى حديقة قريبة من الحي هربا من نار الاسمنت تفترش العشب وتتوسد فخده وتتأمل النجوم في السماء وتناوله كوب ماء بارد وتستمع لنعيمة سميح وهي تشدو : (ياك اجرحي جريت وجاريت حتى شي ما عزيتو فيك واسيت وعالجت وداويت وترجيت الله يشافيك) .. تتخيل نفسها ترقص مع احميدة تحت نور القمر في  شاطئ خال من البشر …

تنزل من العمارة وهي في حالة استنفار قصوى .. المشرملين بسيوف صينية تلمع قرب الباب .. ما يتبادله البعض من فيديوهات في الفايس بوك حول التشرميل ويثير استغرابهم اصبح وجبة يومية عند فاطمة وسكان الحي .. أحيانا لا تنام العمارات إلا اذا خرج المشرملين في مهمة بعيدة عن الحي .. ينامون بالنهار ويستيقظون بالليل مثل منبوذي الهند …

عندما يشتعل الضوء الاحمر في راس فاطمة ويركبها الجنون الطبقي ، يدعو احميدة ربه ان تمر هذه اللحظات بسلام ..

يرتبك السارد .. تصعد فاطمة إلى الخشبة .. يركبها جنون الاحتجاج .. لا تريد ان يتكلم أحد باسمها  .. تقترب من النافذة وترفع يدا واحدة الى السماء و تصرخ بصوت عال وهي تتكلم مع نفسها :

ـ اتركوا الكراسي .. اتركوا الكاميرا شاعلة .. من يهدد أمن الوطن ؟ من يتناول عشاءه في أفخر المطاعم المكيفة في شواطئ شلوبينية وأستورياس وبويرتو بانوس باسبانيا ؟ من يهرب الأموال إلى سويسرا … من يطلب منا الانتظار مئة سنة أخرى حتى تتغير موازين القوى لصالحه ليفصل في الخلاف الحاصل بينه وبين خصومه حول من يحكم او يسود ؟

من يختلف حول الرجل التي  ندخل بها الى المسجد هل هي الرجل اليمنى أم الرجل اليسرى ؟ …

نعرف الله أحسن منكم ونتضرع اليه في صلاتنا بعمق صوفي ولا نحتاج الى وساطتكم … مشاكلنا بسيطة مثلنا  و نريد  لها حلولا ملموسة ..

سقطت دمعة من عينها .. مر أمامها شريط من الشعارات على شكل لافتات :

ـ عمل قار لنا ولأبنائنا

ـ أسعار معقولة تناسب أجورنا

ـ سكن لائق

ـ مدرسة عمومية تقدم حدا أدنى من الجودة

ـ تغطية صحية حقيقية ..

عادت إليها النوبة .. كادت تسقط قبل أن تتجه إلى الحمام وتسكب على رأسها المشتعل سطل ماء بارد ثم أضافت :

ـ لسنا قرودا أو ثعابين قابلة للترويض بيننا وبينكم الشارع …

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: