عضو ذكريّ-شيماء محمدي

img

عضو ذكريّ

تأليف:شيماء محمدي – من تونس

السّاعة الثانية بعد منتصف الليل.

أشعر بالقيء. جمجمتي تضجّ بالعبث و بالفوضى و “أنا” مستلق على فراشها… هل يوجد شيء يضاهي تجربة الموت عنفا ؟

شيءٌ ما هنا , على مقربة مني , يعنّف مخيّلتي. تُراها رائحتُها الكريهة لا زالت ملتصقةً بوسادتها؟ أم تراها رائحة الغثيان؟ .. حفيف الشجر في الخارج محمول برائحة الخريف القادمة من مكان ما. مرآتها. تراتيل الفجر و صوت المؤذن يزعجانني و يقطعان عني شرودي. الشهيق و الزّفير.. إفرازاتي الذكوريّة .. شهادة وفاتها.. تبانها..ملابسها الدّاخلية.. لون الجدار الدّاكن و عطلة نهاية الأسبوع.. حذائي المثقوب…

أبحث عن شيء ما له أن يضاهي تلك القوّة الداخلية التي تُمنح إلى بعض البشر أو يضاهي غمرة الأمومة -التي أجهل ماهي حقا- روعةً.

عزلة ما في قلب العالم.

خيط الغسق الأوّل. ولا تكفّ قهقهاتهنّ عن اجتياز الحائط لتمرّ إليه,تخترق هدوءه النسبي في كلّ مرّة. تدنو ضمائرهنّ المفتوحة على الصّخب العفوي من الدفاتر القديمة المنسوبة إلى ذاكرته و المصحوبة بآثام الأرصفة و بعنف أجسادهنّ المتواصل لتبدّد تفاصيله جميعها و تمنعه من الكتابة.

غربة ما صاحبته طويلا و جعلته يألف رطوبة الجدران المعلّقة و التي يستعين باجتيازها المتواصل من أجل ذاكرته و أحيانا ضدّها. “هي”, إنّها غربته المألوفة كما ظلّ يستجمعها منذ كان صبيّا في غرفته المعزولة داخل “الكارتي” (الماخور) الكائن بأحد أحياء العاصمة.

ثمّة بين عضوه الذكري و الأعضاء الأنثويّة للمشتغلات بالماخور مركبّات عميقة و شتات يلتئم في داخله , في بقعة ما, هي حضوره الوحيد.

أعضاء متراكمة في تعثّر عفوي هنا و هناك تتداخل بهمجيّة تكاد تكون منظّمة   و محكمة بين اللّعاب السائل على الأقمصة و على الوسائد . تلك الأعضاء هي العائق الذي يحول دونه و دون العثور على مسميّات تلائم الأشياء و دون التساؤل عن محلّه بين تلك المكعّبات البشريّة الطافية على سطح ما.

هذا العالم المغلق عضويّا هو العالم الوحيد الممكن بالنسبة إليه, العالم الوحيد المتوفّر إليه حيث تتشابه الأعضاء جميعها.

هو “ابن الكارتي (الماخور)”كما يعرّفه الجميع هناك و كما لا يعرف نفسه. في غرفة جانبيّة شبه معزولة عن المسمّى “عالم” أصبحت ضحكات اللاتي تشاركنه الفضاء الخارجي و أنّاتهن و سخطهن أحيانا كلَّ ما يؤثّث حضوره و كلّ ما يلوّن تفاصيله المعلّقة على الحائط الفاصل.

الصمت واقف خلف النافذة و الساعة بطيئة جدا. و هو لا يزال مستلق على فراش “أمّه” يعاين بقع الرطوبة على السّقف.

منذ ساعات كان جثمانها موضوعا أمامه و الأنفاس من حوله تتصاعد. و كان واقفا يتمعنّ وجوه الواقفات باحثا عن إجابة لأسئلته بين تجاعيدهنّ المؤجلّة. ما تراه يفعل بنفسه؟

يقلّبني الارتباك على السرير و يدعوني مرارا إلى إيجاد صيغة أخرى أنظّم وفقها أفكاري. يدفعني إلى الامتناع عن التصريح بكلّ شيء لنفسي و يجرّم فيّ البوح الباطني. هي نفسها نوبات الحزن العميق التي تأتي فجأة و تأبى المرور. لا أجيد وصفها أو الحديث عنها. أستغرق نفسي. أغرق فيها, في الوحل, في القاع أسفل السافلين. أستهلك نفسي كلّها في شكلها اللولبي المنبئ بانعدام المكان و الزمان. إنّها ذات النوبات التي لم اُجد فيها يوما الإمساك بي لأنّها تندفع بمفردها دون أن أريدها.

كان يبحث بين صمت مرتبك و سرير بطيء في الفهم, بين شعيرات ساقه الكثيفة عن طريق يفتحه على الاعتراف العميق.

لقد كانت المسماة “أمّه” تفتح الباب بهدوء ملتبس ينتفض معه قلبه و يختنق دونما سبب في كلّ مرّة. تضع طبق الأكل من بعيد و تعود لتقفل الباب. لقد كان يتعامل معها بحاسة السّمع دون غيرها من الحوّاس. يصغي جيّدا إلى صوت قدميها تقتربان ثم تبتعدان و إلى صوت أصابعها تمدّ المفتاح كي تفتح الباب ثمّ تعيد إغلاقه و إلى صوت الطبق تضعه ثم ترفعه. كان يصغي جيّدا إلى عينيها لا تريدان التوّجه نحوه و هو لا يجيد التعامل معهما في هروبهما اللامنقطع. أكانت تخشاه و تخشى النظر إليه؟

أحيانا كانت تحمّمه, فتصبّ الماء الفاتر على j3J ? و تطيل تحريك أصابعها بين خصلات شعره في لحظة شرود منها. تغرف الماء و تصبّه على لحمه و على “عضوه الذكري”. علّها كانت تقول لنفسها: “أنت مثلهم.. ذكر.”..

إنّه يعلم في داخله أنّها هي هويّته الوحيدة. و هي ما يعرّفه و ما يتلقبّ به. إنّها هي الشيء الوحيد الذي يكون به ما يكون في كلّ مرّة. إنّه لا شيء سوى “ابنها” الذي أخفته طويلا في غرفة منزوية من “الماخور” يفصلها عن بقيّة الفضاء رواق ضيق و مظلم. لقد جعلته يشعر أنّ عتبة بابه بمثابة خطّ العبور من مجال تغلب فيه العزلة المألوفة و يحكمه التماهي إلى مجال تسيطر فيه الخلطة المضطربة و الفوضى و الضجيج, إلى مجال تحف به هالة من الغموض تجعله يتوجّس. فهو لا يزال يحمل معه ذات الرّهبة عند ذلك الممر و لا يزال يخشى عبوره. لم يكن انفتاحه على العالم الخارجي المغلق من خلال ذلك الممر –أوبالأحرى انفتاح العالم عليه- أمرا متاحا و خاليا من الانزلاق في المجهول المريع.

منذ أن أصبح قادرا على ادراك ما يحدث من حوله على الأقل, لم يكن باب غرفته يفتح إلاّ عند مجيء “أمّه” مصطحبة طبق الطعام لتلبية حاجته البيولوجيّة و من بعد ذلك عند مجيء مدرّسه “علي”. أصبح المدرّس يتردّد عليه قصد تعليمه القراءة و الكتابة بطلب من “أمّه” فحوّل عزلته إلى قراءة ملوّنة للكتب والمجلات التي يمدّه بها و دفع به إلى العالم الخارجي دفعا مسكونا بحركيّة ما : إنّها حركيّة مغايرة تقتحم العالم الكبير بفعل الأحداث و الأفعال و الضمائر المكتوبة و بفعل الأفكار المجردّة.

ثمّة على الحائط المقابل منفذ صغير يطلّ على الشارع الخلفي. وكان يصعد كرسيّا يمكّنه من أن يطلّ من ذلك المنفذ أحيانا على أفق بعيد. كان يسترسل عبره في النظر إلى العالم الغريب دون أن يخالطه تمام المخالطة, كما لو أنّه كان على يقين من عزلته و من انقطاعه المحتّمين. لم يكن يستعين بالمنفذ إلاّ قليلا, عندما يظنّ أنّه يطلب خلاصا من وسادته و من ذهنه المنتفخ و دون ذلك فهو لا ينزعج من رائحة العفن المنبعثة منه مطلقا. كان يرى أطفالا في سنه أو دون سنّه يلهون بألعاب ملوّنة لم يكن من الممكن أن يحوز مثلها يوما. كما لو أنّ تلك الأشياء لم توضع من أجل صبيّ مثله وُلد بلا سابق انذار ثمّ نما و كبر داخل “ماخور” جانبي,هامشيّ بأحد الأحياء الفوضويّة بالعاصمة.

لم يفلح يوما في استيعاب الحصّة المخصّصة للصّرف و التّصريف.

يطلب منه “معلّمه” تصريف فعل ما مع جميع الضمائر: المتكلم مفردا و جمعا, كل من المخاطب و الغائب مفردا و جمعا و مؤنّثا و مذكرا.

مؤنث و مذكّر عند الخطاب و عند الحديث عن غائب. لمَ لا يتأنّث المتكلم و لا يتذكّر؟ لم لا يقيس “المتكلّم” نفسه إلا بالكم, فيكون إما مفردا أو جمعا لا غير؟ ألا يدرك “المتكلّم” جنسه؟ ألا تحضر مسألة الاختلاف الجنسي-تأنيثا و تذكيرا-إلاّ بحضور الآخر –مخاطبا أو غائبا- كغيريّة تقابله؟ أيتماهى التذكير و التأنيث لدى “المتكلّم” حدّ التشقق فالتحلّل و التلاشي؟ أيُخفي الخطابُ الاختلافَ أمام إنيّة “المتكلّم”؟ على أيّ أساس يتحدّد كل من التذكير و التأنيث؟

 

«لقد فهمت يا سيّدي ما الذي تقصده بصيغتي المفرد و الجمع تماما. لأنّ الأمر متعلّق بالكمّ أساسا. يمكنني حساب المفرد فالمثنّى فالجمع و يمكنني رؤية كل ذلك و ملامسته. و لكن يا سيدي ما الذي يسمح لك بتصريف المذكّر و المؤنّث؟ ما الفرق الذي يحدث بينهما ؟ كيف يكون المذكّر مذكّرا و المؤنّث مؤنثا؟ »

يطول صمت الرّجل و يكتفي بتمرير يديه –كما اعتاد دائما- على عضو الصبيّ الذكري في هدوئه المعتاد.

«عضوك التناسلي الذكري هذا و عضو أمّك الأنثوي… بكلّ بساطة.»

يطلب منه نزع سرواله و التمشي  عاريا أمامه . نظراته الغريبة لا تدهشه .

«هذا هو الذي يُحدث الفرق… فما يراه فيك كلّ من “يخاطبك” عند احتلالك موقع “المُخاطب” هو نوع عضوك التناسلي.. يتوقّف كل خطابه نحوك على ذلك العضو لا غير..»

أيقوم الخطاب و التخاطب على التناسل يا سيّدي؟

علّمه معلّمه الوقوف أمام مرآة موضوعة في الزاوية المقابلة أو في المرحاض لساعات متتالية يتساءل عمّا يعنيه هذا الجزء المادّي المعزول من جسده؟ ما الذي يجعله مختلفا عن والدته و عن بقيّة المومسات اللاتي تشاركنه فضاءه الخارجي؟

عند مرآته أو في مرحاضه-وهو يقف وجها لوجه أمام “عضوه الذكري” الذي على أساسه يتخاطب و يتحدد نوع حضوره أمام الآخر- يتذكر يوم “ختانه.  حيث طرحته والدته في عامه السادس فوق منضدة وسط “الماخور” و قدّمت عضوه المختلف للطبيب يقصه على وقع غنائهنّ و زغاريدهنّ. « لا تبكي أيها البطل. فقد صرت رجلا الآن.»

صار “ابن الكارتي (الماخور)” رجلا بمجرّد أن قام رجل آخر بقصّ شيء ما منه. أيمكن لقطعة اللحم تلك أن تختزل هويّته كلّها؟ أم أن هويّته تحلّ في اختلاف الشكل لا غير؟

كان يسأل السيد “علي” أحيانا اذا ما ¡§خُتنت والدته و خالاته “المؤنثات”. يضحك المعلّم و هو يفسّر له عناصر الجملة الفعليّة و يحاول افهامه أنّ لكلّ مفعول به فاعلٌ هو الذي يسلّط عليه الفعل إذا ما كان الفعل متعدّ.

أصبح يتعمّد الخروج خلسة من غرفته متى وجد فرصة مناسبة للخروج ولاجتياز عتبة الباب. بخطوات صامتة لا تثير غضب والدته و بصدر خافق مصاب بالهلع بسبب الممر الضيّق الذي يفصل غرفته عن بقيّة الغرف, يقوم باختراق ذلك الفضاء المحاط بهالة مهولة من الغموض و من الاسراريّة.

منهنّ من تختار ملابسها الداخليّة الشفافة و الملوّنة التي تناسبها اليوم و التي تختلف عن سرواله الداخلي الداكن. و التي تلصق مادّة ليّنة مزيلة للشّعر على لحمها في حين ينمو الشعر و يزداد طولا في كامل جسمه دون أن ينتبه إلى ذلك. و تلك التي تقف أمام المرآة تلوّن شعرها أو تنعّمه كما تبالغ في وضع أحمر الشفاه و كحل العينين, و هو بالكاد يقوم بغسل وجهه صباحا. و منهنّ من تغازل حريفها المذكّر  محاولة إثارة هرموناته المتعفّنة . و أخرى تستلقي عارية على السرير المحاذي تنتظر الزبون يدفع المقابل ..

ما كلّ هذا الازدحام و كل هذه اللزوجة؟

كان يصيبه الغثيان أمام تلك الصّور اللزجة و تلك الأشياء المزدحمة و هي تطفو على السّطح. يصيبه الدوّار أمام الأجزاء المحطّمة من تلك الأعضاء الكثيرة وأمام البعثرة الهجينة.

يسيء الفهم فيسرق منهن ملابسهن الداخلية يجرّبها على جسده المختلف.

يُفهمه سيّده “علي” أنّ والدته كما خالاته لا يشغلن غير وظيفة “المفعول به” داخل الجملة و أنّ الأسماء المذكّرة جميعها لا تشغل غير وظيفة “الفاعل” بإطلاق. كلّ “مؤنّث” هو “مفعول به بالضرورة و هذا الأمر من وضع الطبيعة.

كان يحدّثه مستمتعا مفتخرا عن “أفعاله” الذكوريّة الفحوليّة المسلّطة على “المفعول بهنّ” المؤنثات.

و لكن يا سيدي, إذا ما كنت أنت “المذكّر الفاعل” بالأنثى “المفعول بها” , لماذا تعتبرني مفعولا به مثلهن بالرّغم من أنك تقنعني أحيانا بأني “مُخاطب” مفرد مذكر؟ هل يمكن للمذكّر أن يكون مفعولا به أيضا؟ لمَ تجعلني أتعرّى فوق السرير فتفعل بي ما تفعله بوالدتي و بخالاتي؟ أليس من المفروض أن أكون فاعلا مثلك؟ ألم تُفهمني أنّي مثلك؟ أنّ عضوي مثل عضوك؟

تداخلت الضمائر التناسليّة و تشوشّت الطبيعة التي أقنعه معلّمه بوجودها. لم يعد يفهم سبب إرجاع “الفعل” إلى المذكّر كلما دخل مذكر وحيد على مجموعة مؤنّثة مهما كان حجمها. تغلّب المذكّر و تفوقّه داخل الخطاب اللغوي التناسلي كما هو داخل عقل معلّمه و عقل كل “فاعل” يقصد الماخور من أجل “الفعل” وسط شبكة ضمائريّة غاية في التعقيد.

لم يكن “الكارتي (الماخور)” الذي وُلد فيه بصفة غير متوقّعة وكبر بين جدران غرفة منزوية داخله منظّما و مراقبا كبقيّة المواخير المرخصّ لها قانونيا من طرف الدولة. الأمر الذي عرّضه إلى مداهمة أمنية مفاجئة, ذات يوم, انتهتبإغلاق البيت. كما انتهت باصطحاب الطفل المنزوي في ركن غرفته الجانبيّة إلى مركز لرعاية الأطفال فاقدي السند. اصطحبوه حاملا معه عزلته و قواعد اللغة التناسليّة.

من “ابن الكارتي(الماخور)” إلى “طفل فاقد للسند” . و من غرفته المعزولة الجانبيّة إلى غرفة أوسع بقليل يشاركه فيها أطفال آخرون.

كان عليه –داخل المركز- أن يتعلّم تناول الطعام بصفة مشتركة و أن يجرّب اللعب المشترك و الضحك المشترك أحيانا.

قد تتغيّر الجدران و التفاصيل اليوميّة الصغيرة و تتسّع المساحة قليلا و يتّسع مجال العيش المشترك. قد تتبدّل المسميّات و الإطارات. إلا أنّه من غير الممكن استبدال قواعد اللغة التناسليّة بقواعد أخرى داخل الخطاب مهما كان نوع المفعول فيه للزمان و للمكان.

ظلّ محافظا على عادة الوقوف المطوّل أمام المرآة و في المرحاض يحاول فهم ضميره التناسلي و قد بدأت أشياء كثيرة في التطوّر و في التّغير. يزداد صوته خشونة, يتسارع نموّ الشعر في وجهه و يتغيّر حجم عضوه الذكري و شكله يوما بعد يوم.

إنّه يتحوّل إلى ضمير تناسليّ بالغ مثل معلمّه و مثل حارس المركز المختص ومديره. سيصبح “فاعلا” مثلهم عمّا قريب و لن يظلّ مفعولهم الذي يسلّطون عليه فعلهم داخل غرفته المعزولة أو داخل غرفة الحارس أو مكتب المدير.

لم يمكّنه وقُوفُه المطوّل أمام المرآة و في المرحاض من الإمساك بتشابك تلك الضمائر التناسليّة كما وضعتها الطبيعة و لم يمكّنه من استيعاب قاعدة معلّمه المتعلّقة بتذكير “الفاعل” تذكيرا مطلقا و بتأنيث “المفعول به” الدائم أمام التداخلات الضمائريّة المهولة.

كانت الضمائر العضويّة في تراكباتها وتعقيداتها البسيطة أحيانا, في تشويشها العابر و الخالي من المعنى و من الفهم وسط غرفة يتشاركها مراهقون تدهشهم أجسادهم و أعضاؤهم التي بدأت في النموّ و في البلوغ, في تداخلاتها الصامتة والمعلنة, في تعثرها اللامرئي و الظاهر, و في ازدحامها اللامحتمل, تصيبه بنوبات من الصمت العميق و تحمله على استهلاك نفسه من العمق.

كان يفلت منها جميعها كما يفلت من نفسه و من الفوضى التي تحدثها فيتسلّق مبنى المركز خلسة و يثبّت نفسه على سطحه ساعات طويلة دون أن ينتبه. لم يكن يجيد التسلّق. و لكنّه يتسلّق غير آبه بإمكانية سقوطه.

ينظر إلى عالمهم المزدحم بالضمائر من فوق, من أعلى, أعلى ما يمكنه الحصول عليه. يشبه العالم خليّة النمل عند النظر إليه من فوق. يبدو أصغر بكثير مما هو عليه حقا.  يفكّر أحيانا في إلقاء نفسه من سطح المبنى الشاهق حتى ينكبّ على وجهه و ينتهي كل شيء لا يجيد فهمه. و لكن كانت تقلبات ضمائرهم العضويّة الممتلئة دونما توقّف بالأرصفة و بالمجاري تغريه أكثر من فكرة الانزلاق الممتع من مكان شاهق.

أحيانا, كان يجتاز سور المركز. يكتشف الشوارع و الأنهج و الأرصفة التي لم يخالطها أبدا. يكتشف الخمّارات و يتذوّق طعم البيرة و السجائر.

ثمّ يعاقبه المدير على تهوّره و استخفافه بقوانين المركز الذي يأويه فيسجنه منفردا و يعزله عن العالم الخارجي. العالم المغرق في الدعارة و في العهر و في السوائل التناسليّة اللزجة. لم تعد تجدي التعابير الدّالة على الفضاء المكاني وعلى الاحتواء و التعولب. هو عالم مزدحم بالأعضاء التناسليّة التي تسير متبعثرة هنا و هناك دون تعب لا غير.

إلى أن جاء أحدهم يوما يعيد اصطحابه ثانية إلى “الكارتي(الماخور)”, لا لكي يرجعه إلى غرفته المعزولة خلف الممرّ الضيّق المظلم, بل لكي يسمح له بالوقوف على مراسم دفن والدته. “هويّته الوحيدة”.

فيظلّ معرّفه الوحيد  “عضو ذكري” من بين أعضاء ضمائريّة أخرى.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: