عذرا رصيدك غير كاف…

img
عذرا رصيدك غير كاف…
بقلم :الفاضل النايلي
منذ أن هلّ هلال الثورة، وثار جياع الوطن لحظة نهاية دورة، ونزل إلى شوارع الغضب فقط من كان قد قرأ تاريخ جلد الثور ومحطّاته النضاليّة المغدورة، تقاسم الأفّاقون الغنيمة في الوقت الإضافيّ بعد انتهاء الوقت الأصليّ وتتالي الفرص المهدورة… اغتسل البعض في مضية خصّصت تخلّصا من بقايا درن “العورة”، انتشروا في وادي النضال ب(الغورة).. وتخلّوا عن شعائرهم القديمة، كفروا بآلهة المعبد وتعاويذها المنكرة حتّى أضحت في عداد المرفوضة والمقبورة…
جماعة لم تقرأ كتابا واحدا من كتب العقد الاجتماعيّ ولا سفرا من أسفار بنائيّة العقل.
جماعة أعرضت عن الشعر وشعرا ء الالزام ودخلت كلّها الحمّام، حمّام حريم السلطان.
عصر الثورة شربت تلك الجماعة من كأس حريّة التعبير الذي كان مذاقه مذاق ( ميّة الشعير) فتناخت شرفا بأنّها من سلالة الشارع، شارع الثورة الكبير، حتّى ظهر بينهم الأنبياء الأوصياء، ونجم بينهم شيوخ الفقه من أصحاب الكتب الصفراء، وأصبحت ساحات الوطن ساحات مجالس طرب وأخرى للعزاء… وأعلن الفيس بوك سيادته للقوم السجناء، أتاح لهم فرص السبّ والشتم والتعريض وربّما التعويض والاستمناء،
أذكر جيّدا عصر ذاك اليوم لمّا اصّعد ناطق رسميّ باسم الوطاويط والغربان والبوم وقرأ بيانا في العلن عنوانه ( الشعب يحبّ اللعب)، فهلّل الجمهور ورقص على ( الوحدة ونص) حتّى امتلأت شوارع المدن بما يثير النكد و اليأس..
وعند المفرب وقبل حلول الديجور، أبرقت جهات نافذة إلى ممثّليها في المدن والقرى والأرياف، امرتهم بضرورة تزويد “القطيع” من مشروبات ثورات الربيع و توفير مستلزمات العيش الكريم من جرعات (حريّة التقزيم) للوطن والرموز. لحظتها شرب الجمهور من كوثر الثورة _ ومن شرب النغبة فلا موت، وقد أمن هناك الفوت_.
جمهور متحكّم فيه عن بعد، حوّل جداره فضاء تحريم وتحليل، أو ساحة تجريم وتخريب.
جمهور قتلوا فيه سحر الكرّاس والكتاب.
جمهور كفّر بدالمثقّف ونادى بقطع الرقاب.
جمهور ينهش لحم الوطن اغتناما وغيبة واحترابا.
جمهور صنع في مختبرات ( تعليب الذوات _”الديكور).
وطن ترفع في وجه مثقّفيه لاءات المنع لسنا سعداء فيه؟
وطن تقبر فيه الكفاءات ويرمى بها في بحر الظلمات، سبقى سجين السرّاق والنشازات.
وطن أنبت الثعالبي والشابي والمسعدي والحداد لا نريد له أيّام جوع وحداد.
وطن فراغ من المختبرات والأكاديميات والندوات… سيبقى بورا ولو نزلت به للكرامات.
وطن يحتلب يوميّا ببعض الملّيمات… سيموت الضمير فيه حتّى لا حياة….
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: