عجوز الحلوى، إلهام عيساوي

img

في الغرفة الضيقة حيث تطل الشمس كل صباح تصحو الجدة العجوز, عجوز برائحة الصابون الأخضر و رائحة الأزل. تتوضأ و تصلي و الماء بارد. تصل إلى نافذتها أغاني فيروز التي لا تموت. تفكر هي. لم أدر يوما بم تفكر. ربما تسترجع الحروب التي عاشتها و ابنا عزيزا تحت الترب قد نخر الدود عظامه…
وجه الجدة حسنية أجمل من جميع الوجوه و أصدقها و أكثرها طيبة. على وجهها وشوم خضراء، يقال أنها كانت طريقة للتمييز بين القبائل الأمازيغية قديما. لعل الجدة حسنية كانت يوما سليلة أنقى القبائل قبل زواج إنتهى بالطلاق. منذ طلاقها ظلت حقيبتها البنية ذات اللون الخشبي في زاوية غرفتها كأنها ستظل مسافرة. ما أثقل حضورنا حين نعيش الإقصاء و لو مرة. في الشتاء، لم يكن هناك شيء أكثر دفئا من إبتسامة الجدة حسنية أو فراشها. يتحلق الصغار حولها حينئذ كي تروي لهم القصص الحقيقية و الخيالية، قصصا من نسج خيالها و أخرى عن أيام الاستعمار الفرنسي. كانت للجدة حسنية قطعة قماش حمراء تتحول أحيانا إلى دمية. تحدثنا الجدة عن أفلام قد شاهدتها، عن أطفال كادت الحروب أن تخطفهم، عن بطولات نسي التاريخ تدوينها، عن شخصية أمي سيسي (شخصية خرافية من التراث التونسي) و القط الذي أكل طبق الكسكسي الذي تعبت هي في تحضيره، عن الطبخ قديما ، عن الكنوز، عن الأساطير، عن حكايات ذات عبر، و عن “قريد العش”، ذاك الكائن الصغير الذي تجده في كل عائلة و يحبه الجميع لصغر حجمه و عفويته…
كانت الجدة حسنية تحب الحلوى، و كانت تخبئ لكل طفل حصته و تترك لنفسها القليل. أتذكر مذاقها جيدا تلك الحلوى. كانت بنكهة العجائز و كل ما هو قديم. كان الأطفال لا يكفون عن سرقة حلوى الجدة حسنية. ينتظرونها بفارغ الصبر حتى تخرج من غرفتها. واحد يترصد كل تحركاتها و آخر يسرق الحلوى من تحت سريرها. و حين تعود لغرفتها تفتش عن الحلوى كي تقتسمها مع الأطفال بدون أن تتفطن لخطيئتهم الحلوة.
بين العصر و المغرب تذكر أحفادها بأن يخبروها حال سماعهم الآذان. تذكرهم آلاف المرات. و رغم ذلك كانت تحمد الله على أذنين لا تسمعان سوى القليل. الجدة حسنية كانت بهجة الحارة. تحب أطفال الحارة و تروي لهم القصص. تتقاسم معهم عشاءها فيتحلقون حولها كالقطط الصغيرة المتشردة الجائعة.
أذكرها عندما كنت صغيرة مريضة. كانت تأخذني معها و أنا أرتدي جبتي البنية المطرزة بالألوان و التي كنت أحب. كانت تجوب بي الأزقة فأنسى مرضي و ضجري.
أذكر عشقها للحناء و لون الحناء و رائحة الحناء و نقوش الحناء. كانت كلما وقعت يداها على القليل منها تخلطها بالماء كي تصبغ شعرها، أو تطلب من بعض الجارات أن ترسم لها نقوشا على يديها فتتحول في لحظات من عجوز إلى عروس.
عشق الجدة حسنية للألوان لا يضاهيه عشق. كانت ترتدي الملية الحمراء (لباس تقليدي تونسي) في الأفراح لا الأيام العادية و لها وشاح أزرق فاتح لا ترتديه إلا في المناسبات الخاصة.
أتعلمون سر تلك الملية؟ أتعلمون أنها كانت تخبئ في جيب الملية الحلوى؟ لقد كانت الملية، أحيانا كثيرة، المخبأ السري الذي تضع فيه الجدة حسنية ألذ ما يقع عليه بصرها الكليل.
و كانت كلما رأت طفلا وحيدا تسعده بقطعة حلوى تفوح منها رائحة العجائز, تلك الرائحة التي كلما كبرنا صارت أفضل الروائح بالنسبة إلينا, رائحة تختزل الماضي, رائحة حقيقية عن قصص حقيقية و أناس حقيقيين أحبونا بصدق, باختصار تلك الرائحة التي كبرنا بها.
أتعلمون؟ لعجوز الحلوى قدرات خارقة. فهي تستطيع أن تقي الأطفال من برد الشتاء و من الزكام. أذكر عندما كنت أمرض كيف كانت تحتضنني ليلا. و المفاجأة كل المفاجأة في الصباح حين يلاحظ الجميع أن الزكام قد غادرني تماما بين ليلة و ضحاها. فأصير أركض و أرقص كأن شيئا لم يكن.
أذكرها عندما كانت تجلس في ركن المنزل صامتة دائما و في يدها مسبحة و عروق يديها الخضراء بارزة كأن شجر الزيتون سينبت منهما قريبا. كنت كل عشية أستمع لتنهيداتها، لم أكن أدري ماذا كانت تحمل تلك ال”أوف” المقيتة من أسرار و ليتني لم أعلم. لكن الهدنة تفرض علينا التزام الصمت. كم أريد لعن الهدنة.
أتعلمون أن الجدة حسنية قد تجاوزت كل الكليشيهات التي قد نسجت عن الحماة و شرورها على مر العصور و رمت بها عرض الحائط؟ لم أرها يوما تشكو من زوجة ابنها بل تساعدها, و دوما في صمت تام. تحب الحياة و الحياة تحبها. كانت تتجمل في المناسبات و غير المناسبات. تعشق الحناء. تتعطر بالصابون الأخضر و الشب. و كلما وقعت يدها على مشطها سرحت شعرها الأبيض.
لازلت أذكر اليوم الذي إمتدت فيه مخالب القطة إلى ساقي الجدة حسنية و إنهالت عليها خدشا, وقتها علمت أن الجدة حسنية لم تعد تلك القوية التي تخبئنا بين أحضانها حين ينهال علينا الشتاء بوابل من لدغات البرد القارس, حينها فقط علمت أن الجدة حسنية صارت عظاما يغطيها جلد.
ذبلت الجدة حسنية، و صارت كلما خرجت من البيت تاهت و لم تعرف طريق العودة إلى أن يأتي بها أحدهم. قلّ ذهابها و إيابها و تناولها للحلوى و صارت رهينة الفراش الخشبي.أتعلمون؟ عندما توفيت الجدة حسنية كان فمها مفتوحا، ربما كانت ترغب في قطعة حلوى أخيرة أو أن وجعها كان أعمق من أن تخففه الحلوى.
و قلّت من بعدها الطيبة و العفوية إن لم نقل انعدمت. لم يعد هناك من يحتضن الأطفال في مرضهم, من يناديهم لتناول العشاء على جلد الخروف الذي كانت الجدة حسنية تحب الجلوس عليه و تنتظر كل أضحى حتى تحصل على واحد جديد كي تجلس عليه في الفرندة الواسعة للبيت و تصطاد الأطفال كي تروي لهم قصصا جديدة. لم يعد هناك من يأتي بحلوى .تفوح منها رائحة العجائز. إمتلأت الأرض بالهندباء
كم بت أشفق على أطفال الحي الذين ولدوا حديثا. هم لم يعرفوا يوما عجوز الحلوى و حكاياتها و أغانيها. أعينهم لا تغادر شاشات الهواتف. لا ألومهم…
أتعلمون؟ حين أروي للناس قصة الجدة حسنية يخالوني أكذب. لا ألومهم على ما تعودوا عليه من قصص عن العجائز الشمطاوات. لكن عجوز الحلوى حقيقية. أنا رأيتها…

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.