عبد الفتاح الهوس، مجهول التشكيل المغربي، أشرف الحساني – المغرب

img

* أشرف الحساني – المغرب
ناقد فني مغربي

يحدد لنا المفكر الفرنسي الراحل أندري لالاند ( 1963 -1867 ) في النصف الثاني من القرن العشرين تعريفا للفن بكتابه الطليعي ” vocabulaire technique et critique de la philosophie ” في كونه يحمل معنيين : الأول عام يحيلنا مباشرة الى جملة أو مجموع العمليات التي عادة ما تستخدم للوصول الى نتيجة معينة ما، والثاني يحمل معنا استيطيقيا، أي أن الفن هو كل ابداع أو انتاج يتحقق في عمل يصبو و ينحو نحو غايات جمالية بامتياز. وذلك في مقابل ما جاء به جيل دولوز في كتابه ” Qu’est-ce que la philosophie ? ” وهو الطرح عينه الذي نجده يتماشى مع مسار الفنان التشكيلي المغربي عبد الفتاح الهوس منذ 20 سنة خلت، بحيث يعتبر دولوز أن الفن يعمل من خلال جملة من المؤثرات، والتي يقسمها الى نوعين : الأولى ادراكية وتخص عملية الادراك الحسي للعمل الفني، لأن الفن في ماهيته وأصله هو عبارة عن خطاب روحي موجه الى الحواس، أي أنه مرتبط بالمواد المشكلة حسيا. أما المؤثر الثاني فهو وجداني، اذ يحاول الفنان أن ينقله لنا عبر مواده. فالمؤثر الوجداني انطلاقا مما جاء به جيل دولوز، هو ما يجعل ويمنح للعمل الفني ديمومته الفلسفية والاستيطيقية بغض النظر عن وجود صاحبه، فهو يظل خالدا وأبديا منذ اللحظة التي يتم الاشتغال عليه و طرحه وبثه في المادة. كما أن هذه المسألة، أي مسألة دوام العمل الفني قد سبق أن ترددت في المشروع الفلسفي لدى هيدغر، الذي اعتبر أن العمل الفني يبقى دائما ليحفظ من لدن شخص اخر ( المشاهد ) غير صاحبه ( الفنان )، فقد ربط ذلك بما سماه يوما ب ” تكشف الحقيقة “، أي أنه يربط الجمال بعملية الكشف عن الحقيقة، وهو الأمر الذي نفهمه من هيدغر في كون أن العمل الفني له وجوده الخاص والمستقل عن الفنان والمشاهد معا، اذ يقول محللا قصيدة البئر الرومانية و لوحة فان غوخ ” الحقيقة تعمل عملها في الفن. فهي إذن ليست شيئًا حقيقيًّا فقط. فاللوحة التي تُظهِر حذاء الفلاح والقصيدة التي تتحدث عن البئر الرومانية، لا تفصح عن الموجود المفرد من حيث هو فحسب، وإنما تترك الكشف يحدث من خلال علاقته بالموجود كلية…. كلما كان ظهور الحذاء أبسط وأكثر جوهرية، وكلما كان ظهور البئر أكثر صفاء، كان كلُّ موجود معهما أكثر حضورًا وأكثر لطفًا. على هذه الصورة تتمُّ إضاءة الوجود المتخفِّي. وهذا الشعاع في العمل الفني هو الجميل. الجمال هو الطريقة التي توجد بها الحقيقة بوصفها كشفا ” (1).
يمثل المشروع الفني والجمالي الذي يشتغل عليه الفنان التشكيلي المغربي عبد الفتاح الهوس ( مواليد مدينة سلا سنة 1971) ، امتدادا عميقا لما جاء به جيل دولوز وأندري لالاند في تعريفاتهما الفنية، و الذي قدمه من خلال معارض فنية عديدة ومتنوعة، سعى فيها دوما الى توجيه الذوق الفني الجمالي العربي نحو استيعاب تقنيات جديدة في الاشتغال على المادة واللون ، وذلك بغية توجيه الفرد أو الفنان العربي نحو تحقيق شروط فنية تقوى على استنبات شروط حداثية فنية عربية، فأعماله الأخيرة التي سيشارك بها قريبا في معرضه الفردي بمدينة الرباط، تمثل لحظة متميزة في السياق التاريخي الفني العربي المعاصر. وعلى الرغم من تكوينه العصامي، فقد استطاع من خلال مطالاعاته الكثيفة لتاريخ الفن الغربي والعربي أن يستوعب بدقة بالغة الأسس الفنية والجمالية، التي قامت عليها الحداثة الفنية المغربية عند كل من الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية ومحمد القاسمي وفؤاد بلامين وغيرهم من الفنانين المغاربة، الذين تميزت أعمالهم بابدالات فنية وجمالية هامة تضاهي أعمال كبار الفنانين العالميين.

يشكل الفنان عبد الفتاح الهوس ظاهرة فنية غريبة في التشكيل المغربي، فنان عصامي اختار لنفسه عزلة المتصوف المتعبد لفنه بعيدا عن طبول المؤسسات الفنية المبتذلة وعن زعيق الساحة التشكيلية المغربية وما تفرضه من رسميات و بروتوكولات مملة لا أساس فني لها، أصبح النقد الفني من خلالها يحتكم الى الشخص بدل العمل الفني، وما يفرضه على المشاهد من فتنة فنية وجمالية وقيمة معرفية و فلسفية كبرى، هذه الحالة الفظيعة التي وصل اليها النقد التشكيلي بالمغرب، هي التي فرخت لنا جملة من الفنانين ذوي التجارب التشكيلية المعطوبة داخل الساحة الفنية المغربية، هم في الأصل ليسوا فنانين ولا تاريخ ثقافي أو فني يشهد لهم بذلك، بل هم متطفلون ودخلاء على المنظومة التشكيلية المغربية، لأنهم في الأصل عبارة عن أطباء لقرحة المعدة و القلب والشرايين ورؤساء لجمعيات تدير مهرجانات وصالونات فنية تافهة باسم العالمية تدعي الفن والثقافة ، فمثل هذه الأخطوبوطات و الطحالب الفنية، التي تساهم وزارة الثقافة بشكل غير مباشر، ودون وعي فني منها في دعمها وتأجيج لهيبها الوهمي، هي التي أصبحت اليوم تكتسح المؤسسات الفنية و المنابر الإعلامية بشتى ألوانها، تساهم بطريقة ضمنية في تغريب وتهميش جملة من التجارب التشكيلية المغربية الجادة، كعبد الفتاح الهوس وغيره من الفنانين والمبدعين العصاميين داخل المغرب .

يؤمن عبد الفتاح الهوس ايمانا يقينيا بمقولة ” الفن للفن ” التي بزغ نجمها بفرنسا في مطالع القرن التاسع عشر عند كل من ستيفان مالارميه و شارل بودلير و غوستاف فلوبير وغيرهم من الشعراء الفرنسيين الرومانسيين، الذين حاولوا نسف الفن عن كل عقلانية متجمدة تعطل و تنفي و تحد من قيمة الخيال ودوره الخلاق في تشكل العمل الفني، هذا فضلا عن فصل الفن عن كل الموضوعات و المعايير التي تحكم على العمل الفني بمعايير و طروحات الدين والسياسة والأخلاق.. كما أن مقولة ” الفن للفن ” التي يرفضها بشدة نيتشه لم تبقى حبيسة فرنسا فقط، بل عمت و وصلت أصدائها الى بريطانيا، حيث ستشكل هناك أساسا معرفيا وجماليا لجل التيارات الفنية والجمالية البريطانية .
لما زرته في مرسمه قبل أيام في تلك الضاحية الرهيبة داخل مدينة سلا، أصبت بالدهشة وأنا أقف سامقا أمام لوحاته المزركشة، التي تنضح بجمالية مشرقة وبخصوصيات فنية تمتح عوالمها التخييلية والجمالية من الاتجاه التجريدي عبر تقنية التقطير اللوني، التي يستخدمها الفنان بتلقائية، وهو يستمع الى موسيقى jazz تنساب من هاتفه هادئة، عبر أشكال متداخلة ومتمازجة من الخطوط اللونية الناصعة، وذلك من خلال توظيف عنصر الماء بكثرة وتجفيفه بعد وضع اللون على اللوحة، وهو ما يمنح للعمل الفني توهجه الساطع والبهي، كما يسهم في تشكيل وتكثيف فضاء اللوحة من خلال الخطوط والألوان ذات المنحى التجريدي، حيث يركز فيها عبد الفتاح الهوس على اللون الأزرق كمكون رئيسي عبر ما يمارسه من سحر وفتنة على العين مع التركيز على ابراز لمعان اللوحة.

والحقيقة أن علاقة عبد الفتاح الهوس الأسطورية بالماء واللون الأزرق، جاءت نتيجة اشتغاله لسنين طويلة في مجال البحر، قبل أن يتخلى عن مهنة الصيد والتجارة في أعماق البحر، وما تدر عليه من أرباح مادية، لكنه فضل الاكتفاء بخبز أمه وقهوتها كما يقول، و العودة الى رحم الفن الذي خرج منه لأول مرة، والذي عشقه منذ نعومة أحلامه على شاطئ مدينة سلا . هذه الرغبة الأنطولوجية للفن والجمال الدفينة فينا، والتي تجعلنا ننسج علائق ” وهمية ” مع الأشياء والألوان ومحيطنا البئيس الذي نعيش فيه، لا تلبث أن تخترق كياننا في غفلة منا، ثم نظل نطاردها بجنون في فسحة وجودنا مثل زهرة تموز الجميلة التي نمت ذات يوم في أحلامنا .

الهوامش :
(1) – مارتن هيدغر، ترجمة أبو العيد دودو، منشورات الاختلاف، الجزائر 2003، ص : 77.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.