عازف الأرصفة- علي قوادري

img
Share Button

تتوقف الحافلة المشحونة بالمواطنين وأحاديثهم المختلفة عند نقطة الضوء لتفسح المجال لسيلٍ من العابرين ..صفارة شرطي المرور المتعب من المخالفات والشجارات مع السائقين والمواطنين تخاطبهم ..

يقف بعض الراكبين متشبثين بمقابض الحافلة كلما اهتزتْ في انطلاقتها أو توقفها..

يُغْلِقُ كتابه متأملاً مسيرة البشر التي لاتهدأ ،يشده كالعادة منظر ذاك الرجل الكهل بشعره الطويل ولحيته الكثة والتي كساها بياض الشيخوخة المبكرة..يدخن سيجارته ثم يعود عازفا على آلة عوده ومتنقلا بين أوتاره  دون تردد أو تباطئ..

يبقى هذا المشهد راسخا في ذاكرته الصباحية كلما كان ذاهبا لمحاضراته في الجامعة المركزية ..

فجأة قرّرَ هذه المرة وهو في طريق  عودته أن يترجل،مستمتعا بعض الوقت وعن قرب لأنغام هذا الرجل  الزريابي الملامح،مذوبا بعض الفضول الذي سكنه مذ دخل فصل الربيع وتلطف الجو ..

وقف غير بعيد الخطوات والنظرات متكئا على لوحة اشهارية،رُسِم  عليها امرأة شابة تحمل بطاقة ناخب،كُتِبَ تحتها شعار عريض:

(انتخب من أجل الوطن)

زاحمت الصورة كتابات كثيرة كلها تعبر عن الرفض والمقاطعة؛كتلك التي كتبت بخط كوفي جميل (أنا مقاطع

إذن أنا أحب الوطن) وأخرى بخط مغربي سافر بي إلى عهد الكتاتيب وذكرني بخط والدي رحمه الله (اتركوا المشعل للشباب فقد هرمنا) ،وأخرى بالعامية (خلوها تصدي)..

انتشلته أحاديث الأنغام والألحان من غيبوبته التأملية ليشاهد الرجل يعزف برومانسية وهو يركز على مرور امرأة أنيقة ذات حسن وحضور شهي تُهاتِفُ رجلا في الجانب الآخر من الخط  ،ثم تغيرت نظراته لشيخ انحنى ظهره يحمل قفة ليتباطأ اللحن في حزن وشفقة ، ومع وضع شاب بعض الدريهمات انزاح اللحن بعيدا حاملا ايقاعا مختلفا ولغة تخاطب طبقة مختلفة..

أحسَّ وهو يرى سيارة الإسعاف تشق طريقها في الزحمة أنه يسابقها ويحثها أن تسرع فهناك من ينتظرها، ليضج لحنه بحيوية مع مرور مشجعي فريق محلي لكرة القدم ،التفوا حوله لدقائق يرددون بعض الأهازيج تداخل فيها الهم السياسي بالاقتصادي بالعاطفي، والمميز أنه كان يجاريهم كأن بينهم تدريب مسبق ،واضعا رأسه على آلته،محتضنا إياها كحبيبة لا يريد فراقها،يوشوش لها ،لا يشدك إلا طول ظفر إصبعه الصغير كمخلب الطير..لايرتج ولا يأبه للحركة الدائرة إلا لما يحرك أوتاره..

توقف للحظة مشعلا سيجارة ،التقت نظراتهما الغجرية يكسوها إحساس بلقاء سابق ومعرفة في مكان ما وزمان ما..رأى شبح ابتسامة مكسورة ونداء هلامي يشجعه على الاقتراب..

جلس أمامه كما يجلس البوذي الناسك ، يتحاوران في صمت..سقطت سيجارته بعد أن احرقته،حمل آلته وبدأ يعزف لحنا عرفه صغيرا في صفوف الكشافة الإسلامية؛لحنا راقصا  لأغنية ردداها سوية..

لمعت دمعة على زجاج عينه وغاب يروي حكايته/لحنه..شرد  يقرأها مع الإيقاع والمسافات تتقارب..صرخ وهو يراه يُحَلِّقُ فوق آلته:

-يا إلهي إنه هو هو..

توقف شاحب الكلمات مستفسرا:

-من ..؟

أجاب مشيرا نحوه:

-هو أنت ..أنت…

دون أن يجيب توسَّدَ عوده وعانق ألحانه مؤكدا ومتما للحكاية..

لا يدري كم مرة تغير لحنه مع مرور أناس مختلفين في لباسهم وكلامهم وأشيائهم وهرولتهم ..لكنه  صاحَبَهُ مُرٍيدًا حين عزف في صرْعٍ وجذْبٍ وسَكْرَةٍ  ووجْدٍ..

في اليوم الأول بعد عطلة الربيع عندما توقفت الحافلة عند نقطة الضوء،لم يكن موجودا،بقي مكانه خاليا كما بقي في قلبه حنين له ولآلته..

سمع بعض الركاب يلوكون أكثر من رواية؛ أهمها أنه مجرد طيف يظهر كل شهر مرتين في أماكن مختلفة والمحظوظ المحظوظ من يراه ويجالسه ويسمع ألحانه فهو بركة من بركات هذا الوطن..

أغلق كتابه ونزل يجر خطى التعب نحو المدرج الغارق في الفوضى والتفاهات وعلاقات الحب ليبدأ درسا جديدا..

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً