عادل الجريدي : الصبّار 

img

عادل الجريدي : الصبّار 

حينما يصبح نباح الكلاب أحكاما نافذة تزجّ بالناس في محتشدات الصمت، وعواؤها إشارات مرور تنظم حركة السير . حينما تكون الأرواح المتشبثة بمسارب النجوم قربانا لسدنة الملح . و السّراب الكاذب حجّة لدكّ أسوار المبنى. يتحول الغيث الرحيم الى نفايات صلبة ، سلاسل من حديد  أسلاك شائكة ، قيود و أقبية ، سيوف و رماح  لوأد المعنى. وقتها لن يبقى أمامنا خيار سوى المقاومة. والتي لن تكون إلا بسلاح الفكرة. فلا ماء لخلاص اليابسة سوى ذاك الذي تدفّق من عصارة الورقة.

إنّ العمود الفقري لذاكرة مزدحمة بالفواجع وصراخ ساحات ” الخازوق الرجيم”[1]،خرق التاريخ المضمّخة بالدم . وما سطوة السيّاف والعرّاف و الكهّان ، سوى تخزين للصراعات المدجّجة بالفتن . رمال متحركة ميزتها الخديعة و سرعة انقلابها على ذاتها، لتطمس وحشية  الفناء ، و ما انفلت من قبضة تكتمه عن أكل الميتة وتقطيع الأطراف ونهش الأكباد. ذاكرة مخيفة لصحراء استحل فيها المتنازعون كل ما هو محرم، ليقتسموا في ما بينهم غنيمة الدّم . حتى أصبح القتل جينات وراثية  تتناقلها الأجيال المتعاقبة . وما لّوذ  بعضهم اليوم بالبقع  السوداء من تاريخنا العربي سوي استبطان لإرث العنف ، بتغير  طفيف على الديكور والملابس، وتطوير المشاهد الدرامية من حركة طعن الى حركة تفجير. انّ حالات العنف ” تبنى على موروث ذهني جاهز وقوالب مصممة على الآخر.”[2]  بمنطق واحدة وان تباينت الأسباب والأزمنة  و التسميات. وما العنف المتخفي بين طيات التاريخ سوى اغتصاب لمساحة العيش . وتحويل قداسة الحياة الى مرارة  للموت .

عواصف هوجاء لصحراء دامية توّزع فيها العداء  على ما هو اجتماعي وسياسي و عقائدي . وما حرب البسوس وحرب داحس  وحرب الفجار بين قريش و هوزان وغيرها ، سوى محكيات الإرهاب الذي طال كذلك ثلاثة من الخلفاء الراشدين وعدد من الصحابة وامتد الى الكنائس و المساجد  ودور العبادة . غبار أمراء الظلام  قطّاع الطرق،من  ضيّقوا على الآمنين مجال الحياة ماديا و معنويا . من دون أن ينتبهوا الى خزيهم التاريخي الذي اجتهد في هدر مقومات الوجود الإنساني .غبار لغارات تناسلت في ما بينها وانتقلت  من القفار الى العمار، لتهدي الساحات العامة والأسواق فوضى الأشلاء ، وبقايا جثث حرمت حتى من شاهدة قبر.انه الخروج عن الصف الإنساني ” وتطويق أفقه بأنساق مسيطرة “حسب هيدجر [3] مثلها مثل خلايا ميتة  همّها تدمير الأنسجة السليمة .

نباتات ضارة شطبت أسماءها لتعيش بكنية نكرة ، قد تكون وثيقة وفاة أو بيعة لمشروع زائف  وفي الأصل انعكاس  طبيعي لحالة الفصام. كنية  للمتحولين فقط مثل ما ورد  في رواية المسخ  لفرانز كافكا حيث  استيقظ  التاجر المسافر ذات صباح ليجد نفسه قد تحول الى حشرة بشعة. تحوّل موعود بنهايات مفزعة وجنازة بلا عزاء . فالوعي الأسود وجه آخر للعدم . بذور هذاءات العظمة أو هذاءات الاضطهاد . في ظاهرها إثبات وجود ، وفي باطنها اغتراب عن الذات ومقدراتها،  لتصبح تابعة  لإرادة الشر. وعي عاجز عن إستعاب بما أنه ” في غمرة الموت تستمر الحياة ،في غمرة الكذب تستمر الحقيقة،و في غمرة الظلام يستمر الضوء “. كما أشار لذلك المهاتما غاندي (1869-1948 )

انه ارث برتبة وباء لا يمكن التخلص منه إلا بتعريته تماما  وإدانته و التبرّأ  منه  على رؤوس  الإشهاد. فما  أقبح من أن يكون المرء سيّافا تحت الطلب ، أو فاعلا مفعولا به أو دليلا للتعاويذ السحرية في كتاب الموتى.

 


الهوامش

 

[1]  الخازوق :  وسيلة اعدام و تعذيب تمثل احدى أبشع  وسائل الاعدام فهي ادخال عصى أو رمح  من فتحة الشرج و اخراجها من الكتف بعدها يتم تثبيت الخازوق على الأرض و يترك الضحية معلقا حتى الموت وقد  اشتهرت به  الامبراطورية  العثمانية .

 

-أحمد خليل خليل –مجلة الفكر العربي المعاصر – عدد مزدوج –سنة 1983 ص 19[2]

– انظر مارتن هيدجر – الكينونة و الزمان –ترجمة د. فتحي المسكيني 2012[3]

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: