طُقوس الحب في الشعر الصوفي وصناعتها – دراسة نظريّة وتطبيقيّة

img

الدكتور محمد ماجد الدّخيل

المُلخص

يؤسس النظر الدقيق في طُقوس ظاهرة الحب المُثقف وصناعتها وتجلياتها مراجعة معرفيّة وثقافيّة واديولوجية  للكشف عن سيرة النفس البشريّة المطمئنة ومسيرتها الماضويّة وعلاقتها مع ذاتها، ومع الآخر تارة أخرى، وهي ليست نفساً بسيطة، بل إنّ تلك النفس البشريّة والمطمئنة أنتجت قسماً كبيراً في حقول الفكر والأدب ومعارف الفنّ في ماضيها التليد وحاضرها العتيد ومستقبلها الجديد وبمختلف أشكاله وأنماطه، إلاّ أَنَّ أموراً مثل ” الروح” و” النفس” و “الحدس” و ” الإلهام” وغيرها، ما تزال مدلولاتها غامضة ومبهمة.

أوصت الشرائع السماويّة وقيمها العتيدة والقوانين الوضعية المتعددة بتعميق أواصر المحبة والمودة والرحمة بين بني البشر تارة، وبين البشر والحيوانات تارة أخرى، ونبذت الكراهية الحاقدة وموادها وأدواتها وأساليبها وطرقها ومُتعلقاتها؛ نتيجة لنماء القيم الوجدانيّة وتطوّرها في النفوس البشريّة، ومن خلال عناقيد التربية السمحة والحرص الشديد على الانتماء للآخرين  والتواصل المستمر معهم والتعارف الكامل والشامل بين الشعوب والأمم قاطبة، ونحن بأمس الحاجة إلى التفكير المنطقي بالعقل أولاً في تعميق محبة الخالق العظيم في أرواحنا وأنفسنا وقلوبنا وترسيخ أواصر الحُب العميق لكل ما يتصل بخالقنا العظيم كرسله الكرام ممثلين بشخصية سيدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم – ، في الوقت التي تُحاك فيه المؤامرات ضد قرآن أمتنا العظيمة، والتشكيك به من جهة، والطعن في شخصية سيدنا محمد- صلّى الله عليه وسلّم – وسلوكياته المتنوعة وتشويه صورته وأعماله وأفعاله الخلقيّة من رسوم شائنة في الإعلام الغربي الحاقد وطعن واضح وصريح بسيرته العظيمة عبر مؤلفاتهم وكُبريات مصنفاتهم وصحفهم، مّما يُظهر الكراهية الدفينة من لَدُن الغرب الحاقد على ثوابتنا الراسخة رسوخ الطود في وجه الأعاصير وأشدّ.

سعى الباحثون لإيجاد الحلول المناسبة لمشكلة الإنسان في علاقته مع ذاته أولاً، ومع الآخرين ثانياً، في ظل سلسلة التطوّرات المعرفيّة والأدائيّة في خدمة أهداف النفس البشريّة في محبة خالقها ورسولها الكريم؛ لأن الحب الخالص ينبع من صفاء النفس وثورتها الروحيّة ونقاء سريرتها وعمق تجلياتها، في الوقت الذي كاد شعر الحُب الصوفي وطقوسه وصناعته وصناعه الرُّقي إلى السموات العُلى؛ حُباً وشوقاً ورغبةً للوصول والتواصل مع الذات الإلهية ومعلّقاتها المقدّسة؛ مّما تسبب ذلك الحب الصوفي باندثار مفهوم الكراهية في سجل الآداب الإسلامية الأولى بخاصة والحياة العامة – آنذاك –بعامة؛ لأن مقصد الإنسان – آنذاك- ونيته الخيّرة هي الأساس الذي تنطلق منه أفعاله وتُبنى عليه أخلاقه وسلوكه ، وأن المصدر المباشر للدّين إنما هو مصدر روحي.

المحور الأول – أولويات الشعر الصوفي في الإسلام ومراحله – إطلالة موجزة –

         عُرفت الصوفية قبل الإسلام، عند العرب، وقيل أنها جاءت من اليونانية ” سوفس” أي الحكيم،  وقيل: ” لقد ثار منذ القدم عبدة “باخوس” آلة الخمر أَو”ديونيسوس” في اليونان القديمة على عقل ” المدينة” ونظمها، وذلك بأن يسكروا سُكّراً بدنياً أو روحّياً، يستعيدون فيه غزارة في شعورهم؛ ليروا العالم مليئاً بالجمال والمتعة، ويتحلل خيالهم بغتةً من سجن المشاغل اليومية. وفي مسرحية ” باخي” (Baeehac ) ليوريبيدس (406 ق.م) ترقص عجائز الجوقة على سفح الجبل هروباً من أعباء المدينة وهمومها إلى عالم جماله غير بشري، عالم يتمتعن فيه الطوال/ التي تدوم طوال الليل حتى تغرب النجوم؟/ ترى هل أحس قطرات الندى في حلقي/ومجرى الريح في شعري” (1). والمذهب الأورفي مذهب زاهد، فالخمر عند الأورفيين مجرد رمز، كما كان رمزاً أيضاً بالنسبة للعقائد المسيحية فيما بعد، والسُّكر الذي ينشدونه هو حالة “الوجد” والاتحاد مع الله. وهم يعتقدون أنهم بهذه الطريقة يحصلون على ضرب من المعرفة الصوفية، لا يمكن الحصول عليها بالوسائل المألوفة. ولا شكّ أن هذه قد تسرب فيما بعد إلى اللاهوت المسيحي” (2)، ويُقال أيضاً إنها أي الصوفية ترجع إلى الانتماء إلى ” صوفة” الذي وجد في زمن الجاهلية، وهو لقب لرجل جاهلي اسمه الغوث بن مرّ أصّدقت به أُمه على الكعبة عبداً لها، وعلقت برأسه صوفة، وقيل ألبسته ثوباً من صوف، وانتسب إليه جماعة قطنوا مكة المكرمة، وانقطعوا على عبادة الله تعالى، ويُقال أيضاً- تصوّفوا ، أي لبسوا الصوف الخشن، وانقطعوا عن الحياة الرغدة الناعمة، إلى العبادة وحب الذات الإلهية والنبي محمد – صلّى الله عليه وسلّم-فيما بعد، ويشترك المتصوفة بموقف عام واحد يتخلّص في أنهم ينكرون إنكاراً باتاً أن ” الحقيقة” هي ذلك الواقع الذي يتشبث به غيرهم،ممن هم أقل نضجاً في العقل والروح. أما ما يهدفون إليه ويكرسون حياتهم له، فهو الوصول إلى الحقيقة أو الاتصال بها عن طريق حالة روحيّة خاصة يدركونها فيها إدراكاً ذوقيّاً مباشراً، والدليل على صدق نزعتهم هو استمساكهم بمبادئهم وتشبثهم برسالاتهم، رغم أساليب الاضطهاد والتعذيب و والقتل والسخرية(3). والصوفية ليست فرقة سياسية غايتها الوصول إلى سُلم السلطة الدنيوية والجاه الدنيوي الزائل، إنما هي أحوال روحانية وسُلوكيات ومقامات علويّة مثل” الاعتراض لسلوك سُبل الأولياء، والنزول في منازل الأصفياء ومباشرة حقيقة الحقوق ببذل الروح وتلف النفس واختيار الموت على الحياة…..؛ طمعاً في الوصول إلى المراد؛ لأنها ” سلوك عملي قُصِدَ به كبح جماح النفس، وترويض طبائعها، ونفي خُبثها بتقليل الزاد وتخشين اللباس والنظر إلى الدُّنيا بعين الاعتبار” (5) .

                ظهر في عهد النبي- صلّى الله عليه وسلّم- نماذج حية للزُّهد الشديد، مّما  استدعى انتباه النبي- صلّى الله عليه وسلّم- ومن ذلك – مثلاً عبد الله بن عمر يصومُ النهار، ويقومُ الليل، ويختم القرآن الكريم كله في ليلة واحدة، فينصحه النبي- صلّى الله عليه وسلّم-  ويقول له: ” إن لجسدك عليك حقاً”وعلى أيدي التابعين- أيضاً-وافتنا بشائر الأدب في صورة نثار الأبيات شدّوا بها في مناسبات عبّروا بها عن أحوالهم من تفويض أمورهم إلى الله تعالى، ومن هذه البشائر قول أبي الأسود الدؤلي (ت69 هـ): (6)

وَإذا طَلبتَ من الحَواجِزِ حَاجَةً        فَادعْ الإلهَ وَأحسن الأعمـالا

فَليعطيـّنكَ مَـا أَرادَ بقـدرةِ    فَهو اللطيفُ لَمّا أرادَ فِعَـال

إنّ العِبادَ وَشأنهم وَأمورهـم بيدِ الإله يُقـلّب الأَحْـوالا

فَدعْ العِبادَ وَلاَ تَكُن بِطَالِبهِم          لَحَحَا تُضعْضِعُ العِباد سؤالا

         وبعد هذه الإطلالة الموجزة يمكن أن نُقسّم عصور الشعر الصوفي ونشاطاته وشيوعه  إلى مراحل زمنية متتالية المرحلة الأولى – وهي ” مرحلة الخلافة العباسيّة وما قبلها بقليل أي (100-200 هـ)، وتشمل القرن الثاني الهجري بأكمله، وفيها كان الشعر الصوفي يُكوّن نفسه بنفسه، وينهض بتقاليده الفكريّة والفنية؛ ليؤصلها في أذهان الناس، وكان هذا الشعر الصوفي لمحات دالة أو قليلاً من الأبيات الموجودة، ومن شاعرات هذه المرحلة الشاعرة رابعة العدويّة (ت 185هـ)- شهيدة العشق الإلهي- التي ” تحسست ولا شك الصراعات المتضاربة والحادة في البصرة تلك أذاقتها مرارة الفقر والحرمان أولاً، ثم جرفتها بعد ذلك إلى الهاوية المجون واللهو، ثم أفاقت أخيراً لتجلو عن روحها، ثم أقامت أخيراً لتجلوا عن روحها ما غشيها من إسراف وتأثيم، فاعتزلت الناس وشؤونهم والحياة ومتاعها وعكفت على نفسها تطهرها بالعبادة المتصلة من أدران الفجور والضلال، وتنشد الاتصال الروحي بالله” (7).

ومن شعرها: (8)

         يَا سُروري وَمُنيتي وَعِمادي          وًأَنيسي وَعُدّتي وَمُـرادي

         أَنتَ روحُ الْفُؤاد، أَنتَ رَجَائي أَنْتَ ليّ مُؤنس، وَشَومُكَ زّادِي

         أََنْتَ لوْلاَك َيَا حَياتي وَأُنسـي         مَا تشتّتُ في فَسيح البـلادِ

كَمْ بَدتْ مَنّه، وَكَمْ لَكَ عِنـدي         مِنْ عَطـاءِ وَنِعْمَـةِ وَأَيادي

حُبـّكَ الآنَ بُغيتي وَنَعيمـي            وَجَلاءٌ لِعينِ قلبي الصّـادي

لَيْسَ لِي عَنْكَ مَا حَييتُ بِراحِ          أَنْتَ مِنْي مُمكَّن في السّـواد

أنْ تَكُـنْ رَاضِياً عَليّ فأنـي   يَا مُنى القلبِ قَدْ بَدا إسعادي        

         ونلحظ في هذه الفترة الزمنية قلة عدد الشعراء وقلة الأشعار الصوفية، و ربما يعود هذا إلى عدم تبلّور قضية التصوّف بالشكل الصحيح حتى عند المتصوفة أنفسهم (9) .

المرحلة الثانية– وهذه المرحلة تشمل قرنيين من الزمان: الثالث والرابع الهجريين، وقد كان الشعر الصوفي في هذه المرحلة- في نهضة وازدهار، ومن شعرائه: أبي تراب عسكر بن الحسين النخشبي، وأبو حمزة الخراساني. وتُعد هذه المرحلة بداية التصوّف الحقيقي ودور المواجد والكشف والأذواق” (10) .

ومن شواهد الشعر الصوفي في هذه المرحلة قول (أبو تُراب عسكر بن الحسين النخشبي (ت 245هـ)) (11).

         لاَ تّخْدَعن مَا للحبيبِ دَلائل          وَلديهِ من تُحف الحَبيب وَسَائِلُ

         مِنـْهَا تنعمة بمرِ بَلائِـه               وسرورهِ في كُلٍّ مَا هو فَاعِلُ

فَالمنعُ مِنْه عَطية مقبولة            وَالفقُـر إكرامٌ وبُـرٌ عَاجِـلُ

         المرحلة الثالثة– و ” تشمل القرنين الخامس والسادس، وفيها يتجه الأدب الصوفي إلى الحب الإلهي، ومدح الرسول الكريم- صلّى الله عليه وسلّم- والشوق إلى الأماكن المقدسة ويدعو إلى الفضائل الإسلاميّة،وفي هذه الفترة نشأ الأدب الصوفي الفارسي، وُعدُّ هذا الدور دور الكلام والتحرر” (12) ، ومن ذلك قول البُرعي: (13)

         يَارَاحِلينَ إلى منىً بقيـادي            هَيّجتُموا يَوْمَ  الرّحيل فُؤادي

         سِرْتُمْ وسار دَليلكَم يا وَحْْشتِيَ       الشّوقُ أَقْلقِي وَصَوتُ الحَادِي

المرحلة الرابعة– وتشمل القرن السابع الهجري، وفيه بلغ الشعر الصوفي قمة النهضة، ومن أَعلامه عمر بن الفارض (ت 632هـ) ، ومحي الدين بن عربي (ت 638هـ). ومن شعر هذه المرحلة قول عمر بن الفارض في الذات الإلهيّة: (14)

      يَقُولُـونَ لي صِفْهَـا فَأَنْتَ بِوصفِهَا         خَبْيرٌ أجلْ عِنـدي بأوصَافِـهَا عِلْمُ

      صَفَاءٌ وَلاَ ماءٌ ولُطْفُ وَلاَ هَـوا وَنُورٌ وَلاَ نَارُ وَرُوحٌ وَلاَ جِسْـمٌ

      تقَـدَّمَ كُلٍّ الكَائِنـاتِ حَديثُهَـا               قَدْيماً وَلاَ شَكْلُ هُناكَ وَلاَ رَسْـمُ

المرحلة الخامسة– وتبدأ ” من القرن الثامن الهجري حتى يومنا هذا، و من أشهر أعلام التصوف فيه الشعراني، والنابلسي، وسواهما فقد ” كان التصوف حالاً فصار كاراً، وكان احتساباً فصار اكتساباً، وكان استناراً فصار اشتهاراً؛ اتباعاً للسلف فصار تكلفاً، وكان تخلفا فصارتخلفا، وكان سقماً فصار لقماً، وكان قناعة فصار مجاعة، وكان تجريداً فصار ترديداً” (15) .

المحور الثاني- مفهوم الحُب والتصوف لغة واصطلاحاً وآفاقهما

  • مفهوم الحُب أصل اشتقاقه وآفاقه

اهتم الإنسان منذ كان بالحُب. والحُبُّ عاطفة قوية أو ربط متين بين إنسان وإنسان. وللحب مظاهر شتى تختلف باختلاف الأفراد. وقد عبّر الشاعر العربي عن هذا الحب بمظاهره الشتى، فكان حب الشاعر لولده، وحب الشاعر لأخيه، وحُب الشاعر لآبائه، وحُب الشاعر لنفسه، وحُبّ الشاعر للمرأة، وحُبّ الشاعر لله تعالى ولرسله وملائكته الكرام…إلخ. وقد هلّت الفلسفة في الفكر العربي، وظهر تجاوبها في الشعر العربي، فأخذ الشاعر يُغذي تأملاته، ويرفعها عن المادة، متأثراً بفلسفة الحب الأفلاطوني وكان من قبل، خطا خطوة أو أكثر عند الشعراء العذريين الذين تصوّفوا لحب واحد، وفنوا في سبيله، فلقيت هذه الفلسفة اليونانية في الفكر العربي تربة خصبة وارتقاء إلى حب إلهي مطلق. ونرى أن كلا الحبين: الحُب الأفلاطي والحب الصوفي يقصدان غاية واحدة وهي الوصول إلى المعرفة الكبرى. وللصوفيين سفرٌ روحيٌ طويلٌ، مزودٌ بالتوبة والمجاهدة، والخلوة، والتقوى والورع والزّهد، والصمت والحزن والجوع والصبر والاستقامة، والصدق والإخلاص والحرية وغيرها من الأحوال والمقامات، (16) فالحب عند الصوفيين إعراض عن الدنيا، وإطراح للجسد، ثم إطلاق للروح في سفرها الطويل الشّاق، حتى تبلغ بُغيتها ومرادها، فترى الله وتفنى فيه فناءً مفارقاً، و الصوفيّ يحن للوصول إلى الله، ورؤيته، حتى إذا غمره النور انتشى، وإذا علم، اعتراته غبطة كبرى، وإذا وصل اتحد بالله وفني فيه،وأصبح هو إياه، فهؤلاء المحبّون أحباء بأرواحهم، خالدون،  وفي ذلك قال الشبلي (ت 334هـ): (17)

إنْ المحبين أحياءٌ وَلوْ دُفنوا         في التُرابِ أَو غَرِقوا في المَاءِ أو حُرِقوا.     

قيل: إنّ المحبةَ أصلها من: الصفاء، ذلك أن العرب تقول في صفاء بياض الأسنان ونضارتها: (حبََبتُ الأسنان)، وقيل: إنها مأخوذة من الحُبَاب: وهو الذي  يعلو الماء عند المطر الشديد. فكأنَّ غليان القلب وثوراته عند الاضطرام والاهتياج إلى لقاء المحبوب يُشبه ذلك، وقيل: مشتقة من الثبات والالتزام، ومنه: أحَبَّ البعير، إذا برك فلم يَعُمْ؛ لأن المحبّ لزم قلبه محبوبه، وقيل: النقيض، أي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سُمّي، (القرط)؛ حُباً لقلقه في الأذن، قال الشاعر:

تبيتُ الحيةُ النَضْناضُ منه           مَكَانَ الحَبِّ تستمعُ السّرارا

وقيل: بل هي مأخوذة من الحُبِّ جمع حُبّة، وهي لُبابٌ وأصله؛ لأن القلب أصل كيان الإنسان ولُبّه، ومستودع الحُبّ ومكمنه، وقيل: في أصل الاشتقاق كثير غير هذا، (18) ولكننا نعزف عن الإطالة والإسهاب. ولتعريف الماهية نقول إنّ الحُبَّ هو: الميّل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب حضوراً وغياباً، وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه، والطواعية الكاملة، والذكر الدائم وعدم السلوان، قال الشاعر:

         وَمَنْ كانَ مِنْ طُولِ الهَوى ذَاق سُلْوَةً   فَإنّيَ من لَيلى لَهَا غَيرُ ذائِقِ

         وَأكثرُ شيءٍ نِلتُـهُ مـن وِصَالِهَا        أمانيّ لَمْ تصدق كَلمعَةِ بَارِقِ

    أو عَمّي القلب عن رؤية غير المحبوب، وصَمَمَهُ عن سماع العذل فيه، وفي الحديث النبوي الذي رواه الإمام أحمد تصديق ذلك، إذا قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم-: ” حُبك الشيء يُعْمي ويُصمّ”، أو الحضور الدائم، كما قال الشاعر:

         يَا مُقِيماً في خَاطِـري وَجَنَاني وبعيداً عَنْ ناظِري وعِياني

  أَنْتَ روحي إن كنتُ لستُ أَراهَـا       فهي أدنى إليّ من كُلِّ دانِ

وللحب أسماء ومراحل، فقد قال أحد الشعراء:

خَيالُكَ في عَيني، وذِكْرَاكَ في فَمي    ونجواكَ في قَلبِي، فأينْ تغيبُ؟!

         وقد وضعوا للحب أسماء كثيرة منها: المحبة والهوى والصبوة والشغف والوجد والعشق والنجوى والشوق والوصب والاستكانة والودّ والخُلّة والغرام والهُيام والتعبّد.

وهناك أسماء أخرى كثيرة أمسكنا عن ذكرها التقطت من خلال ما ذكره المحبون في أشعارهم، وفلتان ألسنتهم وأكثرها يُعبّر عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، وسوف نظهر هذه الأسماء بما يلي:

1.المحبة: عَرّف الجُنيد (ت 297هـ) المحبة بأنها: ” محبة المحبة” فمن أحب المحبة فإنه يُثبت في المحبة لا يغيّره ولا يحوّله عنها شيء  من الأَعراض أو الأغراض ولا يرى في الوجود شيئاً غيرها،  ويدور في فلك المحبة. وهناك تصير ذات المحبوب عين ذات المحب عين ذات المحبوب، ويصبح حُبُ الله أساس حياته ومعيار عقله وقلبه ولا يحب شيئاً إلا الله وفي الله. ويحكي ابن الرومي أن محباً جاء لزيارة حبيبه إلى بيته فطرق بابه، فقال الحبيب: من؟ فردّ المحب: أنا، فلم يأذن له بالدخول ، فرجع المحب وساح في الصحارى والوديان ثم رجع بعد مدة وطرق الباب ثانية، فقال الحبيب: من؟  فقال:أنتَ. فقال: أُدخل، وإذا كان الوجود كله كما يقول محمد إقبال: قصة عشق أزلية، فإن الذي كتب هذه القصة هو الذي أعطى للمحبة شعلتها الأولى، وكل محبة ليست إلاّ شرارة من تلك الشعلة (19) . ومن هذه الأسماء أيضاً(20).

  1. 2. الهوى: يُقال إنه ميْل النفس، وفعْله: هَوي، يهوي، هَوىً،وأما : هَوَىَ يَهَوي فهو للسقوط ، ومصدره الهُويّ، وأكثر ما يستعمل الهَوَى في الحُبٍّ المذموم، قال تعالى: ” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{41} ” (النازعات) ، وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالاً مفيداً، منه قوله النبي- صّلى الله عليه وسلم- : ” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هَواهُ تبعاً لما جئت به” – كما صححه النووي- ، وجاء في الصحيحين عن ” عُروة بن الزبير” – رضي الله عنه- قال: ” كانت خولة بنت حكيم: من اللائي وهبن أنفسهن للنبي – صلّى الله علبه وسلّم- ؟، فقالت” عائشة – رضي الله عنها- : ” أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرَّجُل؟ فلمّا نزلت ” ترجي من تشاء منهن” في سورة الأحزاب ، الآية 51، قُلتُ: يا رسول الله ما أرى رًبَّك إلاّ يُسارعُ في هَواك”.
  2. 3. الصبوة : وهي الميل إلى الجهل، فقد جاء في القرآن الكريم على لسان سيدنا “يوسف” عليه- الصلاة والسلام- قوله تعالى: ” َإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ{33} ” (سورة يوسف)، والصبوةُ غير الصّبابة التي تعني شدّة العشق، ومنها قول الشاعر:

تَشكّى المحبونَ الصّبابة ليتني                  تحملتُ ما يقولونَ من بينهم وَحدْي

  1. 4. الشغف: والشغف مأخوذٌ من الشّغاف الذي هو غلاف القلب، ومنه قول الله تعالى واصفاً حال امرأة العزيز في تعلّقها ” بيوسف” عليه الصلاة السلام- ” قد شغفها حُباً” قال ابن عباس – رضي الله عنه- في ذلك :” دخل حُبه تحت شغاف قلبها”.
  2. 5. الوجد: وعُرف بأنه الحُب الذي يتبعه الحُزن بسبب ما.
  3. 6. الكَلف: وهو شدة التعلّق والولع، وأصل اللفظ من المشقة، قال الله تعالى: “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا{286}” (سورة البقرة)، وقال أحد الشعراء:

فتعلمي أن قد كِلفْتُ بِحُبِكم           ثُمّ اصنعي مَا شئت عن عِلمِ

7.العِشق: وكما يُقال عنه: أمرّ هذه السماء  وأخبثها، وقلّ استعمال العرب القدماء له، ولا نجده إلاّ في شعر المتأخرين، عُرف بأنه فرط الحُب، قال الفّراء: العشق نبت لزج، وسُمّي العشق الذي يكون في الإنسان للِصُوقهِ بالقلب.

  1. 8. الجوَى: الحُرقة وشدة الوجد من عشق أو حُزن.
  2. 9. الشّوق: هو سفر القلب إلى المحبوب، وارتحال عواطفه ومشاعره، وقد جاء هذا الاسم من حيث نبوي شريف، إذُ روي عن ” عمار بن ياسر” – رضي الله عنه-: أنّه صلّى صلاة فأوجز فيها، فقيل له: أوجزت يا ” أبا اليقظان”! فقال: ” لقد دعوتُ بدعوات سمعتهن من رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – يدعو بهنّ: ” اللّهم بعلمك الغيب، وقدرتكَ على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، وأسألكَ خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألكَ القصد في الفقر والغنى، وأسألكَ نعيماً لا ينفد،، وأسألكَ قرة عين لا تنقطع، وأسألكَ الرضى بعد القضاء، وأسألكَ بَرَدَ العيش بعد الموت، وأسألكَ لذة النظر إلى وجهكَ، والشوق إلى لقائكَ، وفي غير ضراء مُضرة، ولا فتنة ضالة، اللّهم زّينّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداة مهتدين” ، وقال بعض العارفين: ” لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه، ضرب لهم موعداً للقاء تسكن بهم قلوبهم”.
  3. 10. الوصَب: وهو ألم الحب ومرضه؛ لأن أصل الوصَب؛ المرض، وفي الحديث الصحيح” لا يصيب المؤمن من هَمّ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه” ،وقد تدخل صفة الديمومة على المعنى، قال تعالى: ” وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ{9}” ( سورة الصافات)، وفي موضع آخر قال تعالى: ” وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً {52}” (سورة النحل).
  4. 11. الاستكانة: وهي من اللوازم والأحكام والمتعّلقات، وليست اسماً مختصاً، ومعناها على الحقيقة: الخضوع، قال تعالى: ” َمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ{76}” (سورة المؤمنون)، وفي موضع آخر قال تعالى: ” فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ{146} ” (سورة آل عمران)، وكأن المحب خضع بكليته إلى محبوبته، واستسلم بجوارحه وعواطفه و استكان عليه.

12.الودّ: وهو خالص الحب وألطفه وأرقه، وتتلازم فيه عاطفة الرأفة والرحمة، يقول الله تعالى: ” وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ{14} ” (سورة البروج)، وفي موضع آخر قال تعالى: ” إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ{90} ” (سورة هود).

  1. الخُلّة: وهي توحيد المحبة، وهي رتبة أو مقام لا يقبل المشاركة، ولهذا اختص بها في مطلق الوجود الخليلان: ” إبراهيم ” و ” محمّد” – صلوات الله وسلامه عليهما – وقال تعالى: ” وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً{125} ” (سورة النساء) ، وصح عن النبي-  صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: ” إنَّ الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ” ، وفي موضوع آخر قال – صلّى الله عليه وسلّم -: ” لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن”  ، وقال في موضع ثالث – صلّى الله عليه وسلّم : ” إني أبرأ إلى كل خليل من خلته”.

وقيل: لما كانت الخُلّة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه نبيه ” إبراهيم” – الخليل – يذبح ولده لمّا أخذ شُعبة من قلبه، فأراد سبحانه أن يخلص تلك الشعبة  ولا تكون لغيره، فامتحنه بذبح ولده،  فلما أسلما لأمر الله، وقدّم إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – محبة الله تعالى على محبة الولد، خلص مقام الخُلّة وصفاً من كل شائبة، فدي الولد بالذبح.

ب- مفهوم التصوّف وأصل اشتقاقه ومعناه وآفاقه

         اختلف الدارسون في اشتقاق مصطلح ” التصوّف” ،وندرج أهم ما قيل في مصدر لفظة” صوفي” الآتية: (21)

  1. الصفة : وهي فناء ملحق بمسجد الرسول ” محمد” – صلّى الله عليه وسلّم- بالمدينة المنورة، وسبب اشتهاره هو انتساب بعض المسلمين في عهد النبي – صلّى الله عليه وسلّم – إلى هذا المكان، وهؤلاء لإجماعه فقراء، أخرجوا من ديارهم، لا مال لهم ولا عائلات، أذن لهم النبي – صلّى الله عليه وسلّم- يقيموا فيه، ومّما جاء في القرآن الكريم عنهم قوله تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ {28} ” (سورة الكهف) .

أما عن اشتقاق المصطلح: ” فإن النسبة إلى صفة:  صفي وليست صوفي، ومع هذا لا يمكن إلغاء أثر سلوك أهل الصفة في تحديد منهاج الحياة عند الصوفية في عصور لاحقة” (22) .

  1. الصوفة: وهم كل ولي شيئاً من عمل البيت الحرام قبل الإسلام، وهم الصوفانة، ويُقال: هو رجلُ جاهلي اسمه الغوث بن مُر، اصدّقت به أمه على الكعبة عبداً لها، وعلّقت برأسه صوفة” (23) ، وقيل: ” هم قومُ كان الناس يعتقدون ولايتهم، فلم يكن الحجاج يرمون الحجار إلاّ بحضور رجل منهم، ليتقبل الله منهم” (22) .
  2. الصوف: نسبة إلى الصوف، ودلالة على لبس الصوف، ويقول أبو موسى الأشعري لابنه: ” يا بُنيَّ لو رأيتنا ونحن مع نبينا – صلّى الله عليه وسلّم – إذا أصابتنا السماء وجد منّا ريح الضأن من لباسنا الصوف” (25).

وبهذا يتصل أهل الصفة بصوفة المتصلة بالضأن ” وتشترك الصفة – في الاشتقاق – وصوفة في أن أفراد كلتا الطائفتين كانوا منقطعين إلى الله، وأنّه كان عليهم ما يطيعهم إلى الهدي المسوق إلى الكعبة، وأن أرواحهم كانت في تصرف الله تعالى” (26) ، وعلى هذا كثير من علماء الصوفيّة.

  1. 4. الصفاء والصوف: وهو “من صفاء القلوب ونقاء أسرارها، رغم أن الاشتقاق اللغوي من صفاء صوفي، إلا أن الصوفيين ربطوا التصوف بصفاء القلب والنفس؛ لأن الصفاء القلب لذكر الله تعالى هو سمو روحي عمل النبي – صلّى الله عليه وسلّم – على تعزيزه في قلوب أصحابه”(27) .

والصوفية هي حالة تُعبّر عن نزعة من العشق الإلهي، والتعلّق بالذات الإلهيّة ويسير المتصوف في مجموعة من الأحوال والمقامات حتى يصل إلى درجة الاتحاد بالذات الإلهية” (28). وهذه التجارب الصوفية لا يُعبّر عنها بلغة عامة، وإنما يُعبّر عنها بلغة خاصة بالرمز، لذلك كثرت الرموز في الشعر الصوفي بخاصة، على أن أكثر هذه الرموز بشكل عام هي الرمز الغزلي والرمز الخمري ورموز الطبيعة. وبما أن التجربة الصوفية هي تجربة تقوم بالبحث عن المطلق، لكي تُعبّر عن أعمق ما فيها، إلاّ لأنه يتعذر الدخول إلى عالم المعرفة الغيبي اعتماداً على ظاهر اللغة اللفظي؛ لذلك يتمثل في أن كل شيء فيها رمزاً، كل شيء في ذاته هو وشيء آخر معه. كما ويُنسب الشعر الصوفي إلى طريقة من طُرق التدين الإسلامي” تلك النزعة الروحية التي توهجت عن خاطر الإنسان منذ القدم” (29). وهذه النزعة إيثار وتضحية بالذات والشهوات، وإيثار لما يبقى على ما يفنى، تضحية بالعاجل وإيثار لأجل ومجاهدة للنفس. وهي عكوف وانقطاع عن العبادة، وزهد بالحياة الدُّنيا والابتعاد عن الناس، ففي هذا انقطاع عن الناس وترك الإنسان يعبد الله وحده.”و التصوف رؤية الكون بعين النقص، بل غضّ الطرف عن كل ناقص؛ ليشاهد من هو منزه عن كل نقص” (30).

اختلف بعض العلماء في تعريفهم للتصوف اصطلاحاً، فاصطلحوا على تعريفات كثيرة، اختلفت هذه التعريفات وفقاً للظروف التي أحيطت بالتصوّف، وتبعاً للمرحلة التي مرّ بها، ومن هذه التعريفات الاصطلاحية: ”  العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زُخرف الدُّنيا وزينتها، والزُّهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة والعبادة” (31) .

ولم يتفق بعض العلماء والدارسين على تعريف واحد للتصوّف، و ” أي تعريف من هذه التعريفات لا يفي بالغرض، ولا يعطينا الصورة المتكاملة عن حقيقة التصوّف” (32)، ومن قبَل العلماء والدارسين اختلفت الصوفية أنفسهم في تعريف التصوّف وتحديده اختلافاً بالغاً، حتى أربى ما وضع للتصوّف من تعاريف على المئات،بل إنّ منهم من يرى أن الرؤيا الصوفية لا يمكن أن توصف، وبناءاً على ذلك، فإن أية محاولة لتعريفها تعريفاً منطقياً دقيقاً تبوء بالفشل” (33).

وقد تغنّى الشعراء الصوفيون جميعاً بالحب، حتى أصبح عندهم مذهباً وديناً بعد أن كان شكلاً وجسداً، وسماوّياً مقدّساً بعد أن كان أرضياً وتبذلاً، وأزلياً يدوم بعد أن كان متغيراً لا يدوم.فمن جوهر الحب: الإخلاص والصدق والحقيقة، ومن وحيه الاعتصام بالمثل العُليا والخلاق الساميّة. وقد أصبح الحُب السبيل الوحيد لرّقي الروح البشريّة، فهو للنبي والرسول، والمعلّم والمهذب، وهو الدين الوحيد الذي تقرّب الإنسان من خالقه مباشرة، دون وسيط؛ ليشاركه في المعرفة الكبرى، حتى إذا اتحد به علم حقيقة الوجود وجوهر الكائنات،فأمدها روحاً من روحه، ومحبة من قلبه. وما أعظم من شعور الإنسان بتلك الألوهية؟ وما أعظم من شعور الإنسان بقدرته الإلهية الجبّارة؟ وما أعظم من شعور الإنسان بثقته وقوّته عندما يُشارك الله في تسيير الأكوان، ويُصبح صنوّه وكفوه، فيمنح الكائنات الأرواح؟ حقاً، إنّ الصوفية قد دانت بدين الحُب، وبدين الإنسانية جمعاء. فرفعت من شأن الإنسان، وقدره وقيمته الوجوديّة (34) ، قالت رابعة العدويّة: (35) .

أُحبـكَ حُبين: حُبَّ الهَـوى                 وَحُبّـاً لأَنـكَ أَهْـلٌ لِذاكَـا

فََأَمّا الّذي هو حبٌّ الهَوى             فَشغلي بِذْكرِكَ عمّـن سِواكَا

وَاُمَّا الّذي أَنـتَ أَهْـلٌ لـَهُ                  فكشفُكَ لي الحُجْبَ حَتى أراكَا

فلا الحمِدُ في ذاكَ ولا ذاكَ لي           ولكنْ لكَ الحمدُ في ذَا وذََاكَا

وقالت أيضاً:- (36)

أَنتَ لولاكَ يَا حَياتي وَأُنسي               مَا تشقّيتُ في فَسيحِ البلادِ

حُبـُّكَ الآن بُغْيتي وَنعيمي                 وَجَلاءٌ لَعينِ قلبي الصّـادي

إن الأشياء في التجربة الصوفية مختلفة، ومتناقضة ومتضادة من جميع نواحيها إلاّ أنها تبرز في النهاية متحدة، ومؤتلفة ومتناسقة، فمثلاً اللغة الشعريّة الصوفية تُناقض اللغة الدينية (الشرعية) من حيث إن هذه أي اللغة الدينية تقول الأشياء لما هي بشكل كامل ونهائي، بينما اللغة الشعرية ” الصوفية” لا تقول إلاّ صوراً منها؛ لأن المطلق لا يقال، ولا يوصف، ويتعذر الإحاطة به، ويقصر العقل عن معرفته، ويتولى القلب بالحدس والشوق والانفعالات معرفة الحقائق المراد الاطلاع عليها، ليس اطلاعاً، بل اندماجاً واتحاداً بها؛ لأنها الأصل، فما لا ينتهي لا يُعبر عنه إلا ما لا ينتهي والكلام، وتظل قدرات رمزية “، وسوف يظل القول الصوفي شأن القول الشعري مجازاً ولن يكون حقيقة كمثل القول الديني الشرعي” (37) .لقد التمس الصوفيون ألفاظهم وعباراتهم عن حبهم الإلهي والنبوي من معجم الشعر الغزلي أو الخمري، مّما خلّفه المحبون العذريون والشعراء الخمريون، ومن شعراء المتصوفة الكبار من يسرف في اصطناع ألفاظاً غزلية وخمرية تنساب مناسبة القصيدة وجوّها العام. وقد أدى العجز عن فهم الرموز الغزلية والخمرية إلى التشنيع على المتصوفة، والغضّ من القيم الروحية التي تنطوي عليها وتفسرها بمعانِ مادية دنيويّة،  الأمر الذي عرضهم لسوء الفهم سواء من المستشرقين أو من رجال الدين اتهموا الصوفية بالفُسق والإباحة والكفر والزندقة.

 المحور الثالث- الصورة والرمز الفني في شعر الحُب الصوفي الإسلامي

         التصوير في الأدب داعمة كبرى تكسبه التأثير وتمدّه بضروب الإقناع ، وتمنحه أفانيين من الدقة واللطف والجمال، ويبدو أن الصوفيين قد أدركوا بها لهم من حس دقيق تلك الوظيفة المبدعة للتصوير، ” ومع أن هذا المنهج – التصوير- موجود منذ القِدم عند الصوفيين، إلاّ أن الباحثين لم يثبتوه لهم، كما في قول الشاعرة ميمونة السودان(38).

        قُلوبُ العَارِفين لَهَا عُيـونٌ              تَـرى مَا لاَ يَـراه النَّاظِرونـَا

        وَألسنـةُ بسرٍ قـَدْ تُنَاجِـي               تَغيـبُ عَنْ الكـرامِ الكَاتِبينَـا

        وَأَجنحةٌ تُطيرُ بغيـرِ ريـشٍ              إلـى ملكـوتِ رَبِّ العَالمينـا

       فنسقيها شَرَاب الصَدق صرفاً          وَتشربُ من كؤوسِ العَارِفينـا

         فتكون قد جعلت العرفان بالله تعالى سبحانه تزويد للصوفي بإمكانيات لا تتوافر عند غيره من عيون ما يرى بحاسة البصر العادية، وألسنة تُناجي بلغة لا تدرك، وأجنحة تطير بغير ريش وكؤوس العرفان، ودخول إلى عالم الملكوت، حيث تشرب من صريف الشراب وكؤوس العرفان، وتضامنت مجموعة الأبيات الشعرية؛ لتكون المفهوم الكلي للصورة التي يكون عليها العُرف بالله تعالى.

         أما الرمز كمذهب أدبي هو مذهب غربي، نهج نهجه رامبو (Rampoo) ، وفرلين ( Frleen). أما هذا المذهب فقد نتج عن قدرة الصوفي في  ” وصف مالا يوصف وقول ما لا يُقال، ومرد هذا إلى شعورهم اللغوي الحساس الذي لا يطيق المنطق ولا التحليل العقلي” (39).

يقول أحمد أمين إن من ” خصائص الأدب الصوفي السمو الروحي، والمعاني النفسية العميقة، والخضوع التام لإرادة الله القوية، وبُعد الخيال والشطحات، كما يتصف بالغموض والمعاني الرمزية” (40) .

ونجد – أحياناً- أن الصوفي – يُحاول أن يُفسر ألفاظه الرمزية برمز آخر ، فيزيد من الإبهام، ومن ذلك ما ورد في ” الرسالة القشيريّة” عندما ذكرتْ المشاهدة و ” هي حضورُ الحق من غير بقاء تهمة، فيشعر بأن هذا الكلام فيه إبهام على السامع، ويحتاج إلى تقريب من الإسماع، وذكرت الرسالة القشيريّة” شرحاً، وقالت: ” فإذا أصبحت سماء السرّ عن غيوم الستر، فشمس الشهود مشرقة من برج الشرف، فالقشيري يرمز إلى المشاهدة بأنها حضور الله سبحانه وتعالى من غير أي شك أو تهمة لكن السامع يقف موقف حيرة من هذه المشاهدة، ولكي يُزيل الكاتب هذه الحيرة عن السامع يبدأ بالشرح الذي يزيل الإبهام، مع أن هذا الكلام مُنمقاً بالتشبيهات التي تُضفي على التعبير جمالاً مميزاً.

أما ميادين هذا الفنّ فهي كثيرة، لكن أهم هذه الميادين تلك القصائد التي يذهب ذهن الشاعر لعاشق صبّ يُناجي محبوبه، ومن هذا قول الحلاج (ت 309 هـ) (41).

وَاللهِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ ولاَ غَرٌبَتْ    إلاّ وَحُبُّكَ  مَقـْرونٌ بأنفاسِـي

وَلاَ جَلَسَتْ إلى قوْمٍ أَحَدَّثُهُـمْ إلاّ وَأنْتَ حَديثي بَيْنَ جُلاّسِـي

وَلاَ ذَكَرتُكَ مَخْزوناً وَلاَ فَرِحاً           إلاَّ وَأنْتَ بِقَلْبي بَيْنَ وَسوَاسِـي

ولاَ هَمَمْتُ بِشُربِ مِنْ عَطشى        إلاّ رَأيتُ خَيَالاً مِنْكَ في الكَاسِي

ومن ذلك قول عمر بن الفارض (42)

شَرِبْنَا عَلى ذِكرِ الحَبيبِ مُدامَةً       سَكرنَا بِهَا مِنْ قَبلِ أَنْ يُخلَقَ الكَرمُ

         فهذه الخمرة روحية خالصة شربنا بها، وسكرنا من قبل أن يخلق الكرم أي من قبل أن تهبط روحه من عالم الأمر إلى عالم الحسّ حيث ترتبط وتتصل بالبدن” (43) .وقد أثرى الصوفيون الشعر بهذه الرمزية الصوفية الغامضة إثراء كبيراً، حيث فتحوا له المنافذ، ووسعوا من جوانبه ومذاهبه في التعبير الأداء وطرقهم عالم الروح، يجولون في أسراراه وأنواره، وجهتهم الحقيقة ودافعهم الشوق، والحب ، ورغبة الظفر بالوصل، والمشاهدة فأخذوا من الباطن ومن اللاشعور” (44) .

         ومّما ساعد على أن يكون هذا الرمز في الشعر الصوفي كثرة المصطلحات التي ” عَبَّروا بها عن المذهب المثالي الذي عاشوا فيه، وقد جروا في ذلك مجرى العلماء في اختيار الاصطلاحات، وإن كانت مصطلحات الصوفية غير محددة تماماً؛ لأنها لا ترجع إلى العقل وإنها ترجع إلى العقل” (45) ،ومن هذا قول عمر بن الفارض (34):

وَعَنّيَ بالتّلـوِيحِ يَفْـهَمُ ذَائِـقٌ  غَنيٌّ عَـنِ التَصريح للمُتَعَنّتِ

        بِهَا لَمْ يَبُحْ مَنْ لم يَبُحْ دَمَهُ وفي الـ    إشَارَةِ مَعْنَىً مَا العِبارة حَدّتِ

فابن الفارض نفسه يؤكد لنا أن أُسلوب الرمز لا التصريح حتى يكون الفهم لأصحاب الذوق الرفيع والحس المرهف.

         وهتف ابن عربي باسم الحُب بملء قلبه، وملء صدره، ونادى به ديناً وإيماناً. فالحُب وحده في قلبه الصور المختلفة، والأديان العديدة، والحب قرّب إليه كل كائن وكل مذهب، فقال: (47)

         لَقَدْ كُنتُ قبلَ اليوم أنكر صاحبي      إذا لَمْ يَكُنْ ديني إلى دينهِ دَاني

 لَقَدْ صَارَ قَلبي قَابلاً كُلّ صورة       فمرعى لغزلانٍ ودير لرهُبَانِ

وَبيـتِ لأوثـانِ وَكعبة طَائِـف وَألواح توراة وصحف وقرآنِ

أُدينُ بدينِ الحُبِ أنَّـى توجهت        رَكَائبُـه، فالحُب ديني وَإيماني

المحور الرابع- موضوعات شعر الحُب الصوفي الإسلامي

         هناك حُبان عند المتصوفة: الحب الإلهي والحُب النبوي، فالحب الإلهي يتخذ فيه المحب موضوع حبه من الذات الإلهية، ويتحدث فيه عن الحب المتبادل بين الله والإنسان. أما في الحُب النبوي فيتخذ المحب موضوع حبه من النبي محمد – صلّى الله عليه وسلّم- أو من الحقيقة المحمدية التي هي عند الصوفية أسبق في الوجود على كل موجود بعامة، وعلى وجود سيدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم- بخاصة، ويتباين تعبير الصوفية عن الحب، فهو تارة صريح مرسل مطلق من كل قيد من قيود الرمز الألغاز، كقول رابعة العدوية:  ” إلهي إن كنت أعبدك رهبة من النار فأحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وإما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك، فلا تحرمي يا إلهي من جمالك الأزلي” ، وفي تارة أخرى يصطنع المتصوفة أسلوب الإشارة والتلويح الذي يعمدون فيه إلى الإغراب” (48) .

ومن موضوعات شعر الحب الصوفي الإسلامي:

  • الحب الإلهي

ما إن ظهر التصوف مكتملاً متخذاً معناه الاصطلاحي حتى وافانا شعر المتصوفين في الحُب الإلهي متسامياً عن المادية البشرية، وترفعوا في حبهم عن المرأة، واتجهوا بكل مشاعرهم وعواطفهم وجهة علوية قدسية حيث شغلوا بحب ربهم وامتلأ شعرهم وجداً وهُياماً به”(49) ، على أن رابعة العدوية كانت أول من دعا إلى حب الله لذاته، لا لرغبةٍ في الجنة، ولا لخوفٍ من النار، ومن شعرها: (50)

 إنّي جَعلتُكَ في الفؤادِ مُحدِّثي        وَأَبحتُ جسمي من أَرادَ جُلوسي

فَالجسمُ مني للجليسِ مؤانـس        وَحبيبُ قلبي في الفؤادِ أَنيسـي

ولعل عمر بن الفارض أكثر الصوفيين شعراً، هو الذي غَنَّى الحُب، وهو الذي جمع المحبين تحت لوائه، وجنَّدهم تحت قيادته. وله في الحلم علم، هو إمامه، فالحُب يفقّه الإنسان، ويرفعه. والحب ينقذه من ظلمات الجهل، والحب هو الحياة، والحياة هي أن ترى الله، وتحدد به، لذلك كان الحب ملّته. فإن مال عنه يمل عن حياته كلها. فالحُب هو دينه وعقيدته وجوهره، وهو سبيله إلى المعرفة الكبرى، والوصول إلى الله ثم الاتحاد به حتى يصبح هو إياه. وفي ذلك انشد ابن الفارض، مُخاطباً الله: (51)

كُلُ مَنْ حَمَالَ يَهْواكَ لكـن            أنا وَحدي بِكُل من في حِمَاكَا

يُحشَرُ العَاشقون تَحتَ لوائي                  وجميعُ الملاح تحـت لِواكَـا

كما يجد نفسه إمام العاشقين؛ لأنه عالم فيه: (52)

نَسختُ بِحُبي آيةِ العشقِ من قبلي      فأهلُ الهَوى جُندي َوَحُكمي على الكُلِّ

وَكُلُ فتىً يَهـوى فَإني إمَامـه    وَإني برئٌ مـن فتى سَامـع العِـذْلِ

وَلي في الهوى عِلمٌ تجلٌ صِفاته         وَمَنْ لَمْ يفقّهه الهَوى فهـو في جَاهلِ

وقال- أيضاً-: (53)

بمن اهتدى في الحُبِ لَوْ رُمتُ سَلوةً          وَبي يَقتدي في الحُبِ كُلٍّ إِمامِ

فالغرام في حقيقة الحياة، كما أَنه مذهبه ، فقال : (54)

وّإذا سَألتُكَ أنْ أراكَ حقيقـة فاسمحْ ولاَ تجعلِ جَوابي لَنْ تَرى

إنّ الغَرامَ هُو الحياةُ فمتْ بهِ                  حُبّاً فحقُـكَ أَن تمـوتَ وتعـذرا

وقال- أيضاً-: (55)

         وَعَنْ مَذْهَبي في الُحبِّ مَالي مَذهَبٌ  وَإنْ ملت يَوماً عَنْه فَارقت ملّتي

         وقد يَزداد حُب ابن الفارض، حتى يبلغ درجة الإسراف، فيجب بكل ذرة منه، وبكل عضو حتى تتحد أعضاؤه وتتوحّد حواسّه، فقال: (56)

         وفي كُلِّ عِضـوٍ فيّ كُـلّ صَبَابة        إليهَا وشوق جَاذب بزمامي

         وفَلَوْ بسطتُ جِسمي رأت كل جوهر    بهِ كُلّ قلب فيه كُـلّ محبة

         وهذا هو سفر الروح، وهذه هي المكاره والمشقات التي تجتازها الروح للبلوغ إلى غايتها الكبرى. وهذا هو الحنين والبكاء والأنين، وهذا هو الجسد السقيم الذي يضعف ويفني من فرط الحب، غير أن هذا الحب سامٍ مجرّد، ينفلت عن الجسد سابحاً في السماء، يبحث دوماً عن الله، فيُزيل الحُجب ليرى النُور، وتمتزج روحه بذات الله؛ ليصبح هو إياه، فيرى روحه في جميع الكائنات، وتعتريه نشوة الظفر بالمعرفة والقدرة على كل شيء قبل المفارقة، فقال ابن الفارض: (57)

وَمَا زِلتُ إياها وَلإياي لَمْ تَزَلْ         وَلاَ فرق بل ذاتي لذاتي أحبّت

وَلولاي لَمْ يوجد وجود، وَلم يكنْ                شهودٌ ولم تعهد عهود بذمـة

فأشهدتني كـوني هناك فكنـته                  وشاهدته إياي والنور بهحتـي

ويمكن القول إن ” عناية الصوفي بمسألة المحبة ودراستهم لها بلغت شأواً بعيداً في القرن الثالث للهجرة، حتى إن أحدهم وهو المحاسبي المتوفي سنة 243هـ وضع فيها فصلاً خاصاً هو أشبه ما يكون برسالة، تحدّث فيها عن أصل حب العبد للرب، وأن هذا الحب منه إلهية أودع الله بذرتها في قلوب محبيه، كما تحدّث عن اتحاد المحب بالمحبوب، وكشف أسرار الوجود عن طريق هذا الاتحاد” (58) . وهل يختلف الحُب الصوفي عن الحُب العذري؟.

         ذَهَبَ بعض الأدباء إلى أن الحب الإلهي هو ” سمو بالحب العذري في الإسلام، وتطوّر له. هذا الحُب الذي نطق به مجنون ليلى، وغنّى له قيس بن ذُريح، وجميل، وكثير، وسواهم من الشعراء، والإسلام يبعث على السمو الروحي، والتأمل العاطفي، وحياة الصحراء توحي بالغناء بالحب،وتقديسه، كذلك حياة الصوفيين في الفلوات والجبال” (59) . إن سلّمنا بأن الحب الإلهي في البذل والتضحية، وإن جاراه فيها.فالعاشق الصوفي فناؤه واضح في محبوبه أضناه ولن يتحول عنه، فابن الفارض قال: (60)

         أَخذتُهم فُؤادي وَهو بَعْضِي فَمَا الذي          يَضُركُم أن تتبعوه بجملتـي

         كَأنـَّي هلالُ الشكِ لَـولا تَأوجـي                 خفيتُ فَلَمْ تهدْ العيونُ لِرُقيتي

         فبينما يسعد ابن الفارض أن يجهز عليه محبوبه، يأخذ باقيه من بعد أن أخذ قلبه، نجد جميل بثينة عن العزاء لقلبه والسلو عنها، فقال: (61).

         أَلا مَنْ لقلبٍ لا يملْ فيذهلُ          أُفق التعزي عن بثينة أجمل

     أمّا العاشق العذري يمارس تجربته في الحب، وهو على أتم ما يكون شباباً وقوةً وعفواناً ويبدأ بمركز قوة وينتهي بالضعف. أما العاشق الصوفي فيمارس تجربته في سلوك طريقه مريداً مضطرباً مرتعشاً غير مُسبينٍ موضع خطره ثم ترسخ قدمه بعد أن يتوضح حقيقة أمره يبدأ بضعف ينتهي بقوة ، ” وفي الأدب العذري يتم الالتزام من الأديب بالحدود والرسوم التي تواضع عليها الناس من مفاهيم الألفاظ والتراكيب وفي الأدب الصوفي غير الانطلاق دون وقوف عند حدّ الرسم المتواضع عليها واختاروا لأنفسهم ما ارتضوه من أساليب التعبير” (62).

         ولعل أقوى مظاهر الحُب في الشعر العربي القديم هو الشعر الذي تغنّى فيه الشاعر بالمرأة، وأروعه الشعر العذريّ الذي يطوي في صدره عميق الحب والإخلاص، الممزوجين بالألم والحزن. وقد رفع الشاعر العذريّ المرأة بعاطفته النبيلة، فارتفع حُبُه لها إلى درجة نيّرة من القداسة والتألّه، حتى إن قيس بن ذُريح يَحار بأيِّ نوع من الحُب يحب زوجته الحبيبة ” لبنى” ،فيجمع لها أصناف الحب الذي يعرف وأنواعه، ثم يُخاطبها: (63)  .

         أُحبكِ أصنافاً مِن الحُبِ لَمْ أجدْ       لَهَا مثلاً في سَائِر النّاس يوصف

         وبعد هذا يُعدّد ” قيس بن ذُريح” أنواع الحُب واحداً واحداً، فيذكر حُب الرحمة، وحُب التفاهم، وحُب القلب، وفوق كل هذه الأنواع يدل على حُب النفس والروح: (64)

         فمبهنّ حُب الأنواع للحبيب ورحمة     بمعرفتـي منـه بما يتكلـفُ

         ومنهنَّ ألاَّ يعرض الدهر ذكرهـا       على القلب ألاّ كادت النفس تتلف

         وحُب بَدا الجسم واللونُ ظاهـرٌ       وحُبٌ لى نفسي من الروح ألطف

         وإن بعض الدارسين عزى مشاعر الحرمان في الشعر العُذري إلى أن هذا الشعر لامس في جوهره الروح الصوفية، وبهذا يكون العذاب الذي يكتنف الشاعر العذري عذاباً يعود إلى العشق الإلهي الذي أرّقه، فبات يطلب اللقاء لشدة الشوق، بل والتماهي مع المطلق، حتى ليغدو المحب والحبيب شيئاً واحداً. وبهذا تكون المرأة مجرد رمز كما ستكون عند الصوفيين، فلكي يُعشق المطلق ر بُدّ للحُجب أن يُحجب في شيء ما، وكانت المرأة هي الجسد الأمثل كي يُعشق الصوفي من خلاله الذات الإلهية، وبهذا كان يرتفع من حُبٍّ الجسد إلى الحب الروحي الإلهي. ففي ” مثل هذا الحُب، تعود الحبيبة كائناً فردياً متخفياً، وإنما تتحوّل إلى فكرة، وتصبحُ رمزاً للمطلق، وتُنتج عن ذلك ثلاثة أمور، الأول هو أنّ الحبيبة تُحَبُّ لذاتها  كما يُحبُّ الله لا رغبةً ولا رهبةً، لا طمعاً باللقاء ولا خوفاً من الغياب. والثاني هو أنّ الحب لا يعود يستمتع بالحاضر بل بالمستقبل. والثالث هو أنّ الحبَّ يفلت من سيطرة المحب فلا يعود يستمع بالحاضر بل بالمستقبل. والثالث هو أنَّ الحبَّ يفلت من سيطرة المحب فلا يعود قادراً أن يواجهه، ويصبح عاجزاً في الوقت نفسه عن تفسيره” (65) .

         ويرى هؤلاء أن الشعر الصوفي الذي ظهر في مرحلة تالية متا هو إلاّ وليد تطوّر عن هذا الشعر العذري الذي لاقاه في كثير من الملامح ” فما الحب الصوفي إلاّ حُب عُذري تطوّر تحت تأثير عوامل دينية وفلسفية. وكلاهما خاضع لتأثير الدين ونصوصه بعد تأويل. وكلاهما صدر عن العقيدة، وفيها كليهما لم يُهمل الجانب الجسدي إنْ كان حب المتصوفة… سبيلاً إلى الله عن طريق التأمل في الجمال الجسدي” (66) . وبهذا يرى بعض النُّقاد أَن الحب العذري حب ارتقى من الاكتفاء بالحب الجسدي إلى حُب ما وراء الجسد أو خالق الجسد. وهم يُبرهنون على هذا التطوّر والارتقاء بظهور رابعة العدوية في عهد قريب من العذريين والتي دعت إلى التقرب إلى الله عزّ وجلّ حُباراً لا رهبةً، وهذا التقارب يُعزز في رأيهم التطوّر الذي وصل قمته في ظهور رابعة العدويّة التي بلغت الغاية المُثلى من الحب، وهي العشق الإلهي.

         وخليق بنا القول إن الحب العذري هو ” لون من العشق يحب فيه العاشقون حُباً حالماً يلتزمون فيه العفة والطهارة طابعاً في حبهم، وأفنوا العمر مُقتصرين على محبوبة واحدة، واستعذبوا كل مشقة وصعب، وتحملوا صنوف العذاب في سبيل هذا العشق، حيث تحوّل قيود تقليديّة متوارثة دون الزواج بمن يحب. والحب الإلهي أخص خصائص التصوف الإسلامي ولا يصله المريد إلاّ بعد تمام نفسه” (67) ، و ” في الغزل الصوفي يستعير الصوفي لغة العذريين فينشدون شعرهم ويتمثلونه وينشئون على منواله، فما أشد القرب بين اللونيين، وما أدق الفوارق بينهما، ويتميز الشعر الصوفي فوق ذلك كله بأنه تعبير عن وجدان الشاعر وعن ذاته وأعماق نفسه، فهو أدب وجداني خالص، وهو مذهب رومانسي حالم، وهو إشراقي  النزعة ، روحي الهوى” (68) .

وفي بعض قصائد ابن الفارض تتجلّى الذات الإلهية بجمالها الحقيقي والمطلق، ويستغرق هذا الشعور وتلك الصورة الجمالية بالانجذاب إلى جمال الذات الإلهية عنده استغراقاً جعله يشهد محبوبه الحقيقي في كل معنى وفي كل مظهر، فقال: (69)

تَراه أن غَابَ عنّي كُل جارحـة         في كُلِّ معنى لطيفِ رَائِق بَهجِ

         في نعمةِ العودِ وَالنّاي الرخيـم إذا     تَألَفا بَين ألحانٍ مـن الهـزجِ

وفي التثامِي ثَغر الكَاس مُرتَشِفاً        ريقَ المُدامـةِ في مستنزهِ فرجِ

     لقد ظلت أُمنية ابن الفارض رؤية هذا الحبيب، حتى اللحظة الأَخيرة من حياته، وقد حكى بُرهان الدين إبراهيم بن معضاد الجعيري  (ت 687هـ) المعاصر لابن الفارض حكاية احتضار الشاعر الصوفي، وما وقع له من تمثّل  للجنة، فقال: ” رأيت الجنة قد تمثّلت له، فلما رآها قال: آه، وصرخ صرخةً عظيمةً، وبكى بكاءً شديداً، تغيّر لونه، وقال: (70)

         إنٍ كَانَ منزلتي في الحُبِ عندكم        ما قد رأيتُ فقد ضَيّعتُ أَيامي

        أمنية ظَفِرَتْ روحـي بها زمناً     واليومَ أحْسَبُها أضغاثَ أحلامِ

   وَيُتابع برهان الدين الجعيري: فسمعت قائلاً يقول بين السماء والأرض  أسمع صوته، ولا أرى شخصه: يا عمر ماذا تروم، فقال: (71)

         أَرومُ وَقَدْ طَالَ المدى منكَ نَظرةً             وَكَمْ من دِماءٍ دُونَ مَرْمَاي طُلَّت

ثم تهلّل وجهه وتبسم، وقضى نحبه فرحاً مسروراً، فعلمت أنه أعطى مرامه.

    2- الحب النبوي (المدائح النبويّة)

      يُعدُّ الحُبُ النبوي (المدائح النبوية) أشهر باب من أبواب الشعر الصوفي ” حيث تُعدُّ (المدائح النبويّة) تطوّراً  جليلاً لشعر المدح العربي” (72)، ومّما اشتهر بالمدائح النبوية من الشعراء: البوصيري (ت 694 هـ)، ونجم الدين أبي البركات الأندلسي ، وغيرهما، ومن المدائح النبوية ما قاله البوصيري: (73)

         كَيْفَ تَرقـى رُقيّـكَ الأنبياءُ            يَا سماءَ مَا طَاولتَها سَماءُ

         لَمْ يُساووكَ في عُلاكَ وَقَدْ حال       سَناَ مِنكَ دونهُم وَسَنـاءُ    

         إنمـا مثّلـوا صِفاتكَ للنّـا             سِ كَمَا مثّل النُّجوم الماءُ

    وتمتاز المدائح النبوية بعامة” بصدق العاطفة وحرارة الشعور وسعة التناول” (74). وقد تجلّى النور المحمدي عند الحلاج، ففي نظريته أنه أصل الوجود و عماده، ولولاه ما كان شمس ولا قمر ولا نجوم ولا انهار. وعن الحلاج تطوّرت هذه النظرية على أيدي الصوفية في العصور التالية حاملة أسماء مختلفة مثل: (الإنسان الكامل) أو القطب ، فقال: (75)

                عِقْدُ النُّبُوَّةِ مِصْبَاحٌ مِنَ النُّور         مُعَلَّقُ الْوَحْي في مِشْكَاةِ تامُورِ

         بِاللهِ يَنْفَخُ الرُّوح في خَلَدِي           بِخَاطِرِي نَفْخَ إسْرافِيلِ في الصُّورِ

         إَذَا تَجَلّىَ لِطُورِي أَنْ يُكَلٍّمنَي          رَأَيْتُ في غَيْبَتي مُوسَى على الطُّورِ  

  • شعر حُب الآخرة والانصراف عن الدُّنيا (الزُّهد)

          يُعرّف الزُّهد على أنّه ” حركة تقشف، وانصراف عن الدنيا، واكتفاء بالضروريات من وسائل العيش والحياة، وان يُخلي الرجل قلبه مما خلت من يداه” (76) .

          الزُّهد موجودٌ في كل زمان عند المسلمين، وعند غيرهم ” وبين حلقات الزُّهاد المسلمين نشأت الصوفية ونشأ التصوّف” (77)، و ” قد نشأ بين الشعراء جماعة اتخذت الزهد مذهباً لها في الحياة، ودعت إليه، ونعت على الناس والخلفاء إغراقهم في الانصراف إلى الدنيا وإلى المال. ومن شعراء الزُّهد أبي العتاهية (ت210 هـ) الذي دعا إلى التعليل والبرهان والقياس، مّما يدل على نزعة تفكيرية عنده” (78) ، فقال: (79)

          رَغِيفُ خُبْزٍ يَابسٍ           تَأكُله فَـي زَوايـهْ

          بغرفـةٍ ضيقـةٍ    نَْفسـُكَ فِيها خَاليـة

         أَو مَسْجِدٍ بمعزلٍ            عن الورَى في نَاحِية

       خَيرٌ مِن الساعاتِ في         فيءِ القُصورِ العاليةِ

  إن أبا العتاهية مثّل الأنموذج الذي تجتمع فيه بواعث الزهد الشخصية والاجتماعية معاً… حتى ليعد أبا الشعر الديني في أدبنا العربي” (80)، وتتضح في هذه الأبيات الشعرية ” الزُّهديّة” العناية الشديدة بالمعاني والانصراف عن الجمال اللفظي، وإن “الأشعار التي رويت عن متصوفة الزُّهاد هي في عمومها ذات غرض أخلاقي تعبدي أكثر منها ذات نزوع روحي باطني” (81). يقول الشلبي: (82)

          ليت شعري كيف ذكري               عنـد من يعلـم سري؟

          ليت شعري كيف حالي               عند إحضاري وحشري؟

          أجمـيلٌ لأم قبيــحٌ           أبخيــر أم بشــر؟

          أتـرى يقبل قولـي            أم ترى يشرح صدري؟

          ليت شعري أين أمضي               لنعيـمِ أم لجمــر؟

  • شعر السُّكر الصوفي

          وهو تلك النشوة العَارمة التي تفيض بها نفس الصوفي وقد امتلأت بحب الله حتى غدت قريبة منه كل القُرب، وقد عبّر الصوفيون بكلمات متقابلة عن حالات هذه النشوة ودرجاتها،كالغيبة، كالحضور والصحو، والسُّكر، و الذوق والشُرب وغيرها” (83) ، ومن ذلك قول الحلاج: (84)

          وَسُكّرٌ ثُم صَحو ثُمّ شَوقٌ   وَقُرّبٌ ثُمّ وَصلٌ ثُمّ أَنسُ

          وقبضٌ ثُم بسطٌ ثُمّ مُحوٌ    وفرقٌ ثُمّ جمعٌ ثُم طَمسُ

    وإن الشراب الصوفي ليست خمرة تُدير الرأس وتثقل الحواس وتضرب غشاوة على القلب، بل هي على العكس، توقظ النفس، وتنعش الوجدان، وتجلو عن البصيرة، وتفتح أمام القلب أرحب الآفاق، وقال الشلبي: (85) :   الغيُم، رَطْبٌ يُنادي:         يَا غَافِليـنَ الصَبّـوحِ

          فَقلتُ أَهـْلاً وَسَهْلاً مَـادَامَ في الجسمِ روحِ

          وتحدّثوا منذ وقت مبكر حديث الكأس والشراب، فلقد شوهد داود الطائي (ت 164هـ) مبتسماً، فلما سُئل عن دواعي ذلك قال: ” إعطوني صباحاً يٌقال له شراب الأنس، فاليوم عيد، أسلمت نفسي للابتهاج فيه” (86)، وكتب يحيى بن معاذ الرازي إلى أبي زيد يقول: ” سكرتُ من كثرة ما شربت من كأس محبته”، فكتب إليه أبو زيد: غيرك شرب بحار السموات وما روى بعد، ولسانه خارج على صدره، وهو يصيح: العطش، العطش، ويُنشد، قائلاً: (87) :

                 عَجبتُ لِمَنْ يَقُول: ذكرتُ رَبيّ        وَهَلْ أَنسى فاذكرِ ما نسيتُ؟

          أمـوتُ إذا ذكرتُك ثُمّ أَحيـا            وَلَوْلاَ حُسن ظنّي مَـا حييتُ

          فأحيا بالمنى وأموتُ شوقـاً فكمْ أحيا عليكَ وَكمْ أمـوتُ؟

          شربتُ الحبَ كأساً بعد كأس                  فما نفد الشراب وما رويت

          والسُّكر الصوفي حال من الدهش الفجائي يعتري العبد فيذهله عن كل حس غير حضور الحبيب، ويغمر نفسه بنشاط دّفاق يوقد فيها الوله والهيمان، وما كان ذلك ليحدث بالطبع لولا امتلاء القلب بحب الله، فالسُّكر، كما قال الشلبي، ثمرة المحبة: (88)

          إنّ المحبةَ للرحمن يُسكرني                   وَهَلْ رأيت مُحباً غيرَ سَكْرانِ

    وقد كان هذا التغني بالسُّكر الروحي والاستعانة بالخمرة الحسيّة في توضيحه لأذهان الآخرين باباً نفذ منه الطاعنون على الصوفية، فاتهموهم بالعربدة والعكوف على شرب الخمر المعصورة من العنب، كما كانت استعانتهم بالمعاني الحسية في الغزل معنا رموا من خلاله بالحب الشهواني الرخيص وقارئ الشعر الصوفي لا يعوزه في أغلب مقطوعاته القرائن الواضحة على أن الصوفية إنما سَكروا سُكَّراً روحيّاً حين مطالعتهم روعة الجمال الأزلي المطلق” (89). ويُعدُّ الشعر الصوفي بموضوعاته سمواً بالشعر العربي سواء أكان ذلك في الحب الإلهي أم في الحب النبوي ( المدائح النبوية) أم في شعر حب الآخرة والانصراف عن الدنيا (الزُّهد) أو في شعر السُّكر الصوفي.

المحور الخامس- نص شعري ودراسة تحليلية تطبيقية: قصيدة ” الخمرية” للشاعر الصوفي عمر

 ا بن الفارض – سلطان العاشقين-:

  • النّصّ: الخمريّة (90)

1شَرِبْنا على ذِكْرِ الْحَبيبِ مُدامَـةً         سَكِرْنا بِها مِنْ قّبْلِ أنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ

2- لَهَا الْبَدْرُُ كَاْسٌ وَهْيَ شَمْسٌ يُدِيرُها    هِلالٌ وكَـمْ إذا مُـزِجَتْ نَجْـمُ

3- وَلَوْلاَ شَذَاها مَا اهتديْتُ لِحَانِهَـا         وَلَوْلا سَناهَا مَا تَصّورَهَا الْوَهْمُ

4- وُلُمْ يُبقِ منْْهَا الدّهرُ غَيَرَ حُشاشـَةٍ  كأَنَّ خَفَاها في صُدُورِ النُّهىَ كتْمُ

5- فإنْ ذُكِرت في الحَيّ أَصْبَح أهّلُهُ        نَشَاوَى ولا عارٌ عَلَيْهمُ ولا إثّـمُ

6- ومِنْ بين أحْشاءِ الدّنانِ تَصَاعَدَتْ      ولَمْ يَبْقَ  مِنْها في الحقيَقَة إلاّ اسْمُ  

7- وَإنْ خَطَرتْ يَوْماً عَلى خَاطِر ِامرْىءٍ   أقامَتْ بِهِ الأفْراحُ وارَتحَلَ  الْهَـمُّ

8- وَلَوْ نَظَرَ النُّـدْمانُ خَتْمَ إنائهَـا           لأسكَرَهُمْ مِـنْ دُنِها ذَلـِكَ الخَتَـمُ

9-وَلَوْ نَصَحُوا مِنْهَا ثَرىَ قَبرِ مَيتٍ           لَعَادَتْ إلِيهِ الرَّوحُ وانتَعَشَ الجِسْمُ

10-وَلَوْ طَرَحُوا في فَىْءِ حائِطِ كرْمِهَا       عَلِيلاً وَقْدْ أَشْفَـى لَفَارَقَهُ السّقـمُ

11- وَلَوْ قَرَّبُوا مِنْ حَانِها مُقْعَداً مَشَى      وتَنْطِقُ من ذِكْرىَ مذاقتها البُكـمُ

12- وَلَوْ عَبِّقتْ في الشَرقٍ أنْفاسُ طِيبها   وفي الغَرْبِ مزْكُومٌ لَعَادَ لَهُ الشَّمُ

13- وَلَوْ خُضِبَتْ مِنْ كأسِهَا كفّ لاَمِسٍ    لما ضَلَّ في لَيْلٍ وفي يَدِهِ النّجْـمُ

14- وَلَوْ جُلِيَتْ سِتراً على أكمه غَدَا       بَصِيراَ وَمِن رَاوُوقُِهَا تَسْمَعُ الصّمُّ

15- وَلَوْ أنَّ رَكْباً يمموا تربَ أرْضِهَا        وفي الرّكْبِ مَلْسوعُ لَما ضرّهُ السُّمُ

16- وَلَوْ رَسَمَ الرّاقي حُرُوفَ اسْمها على   جَبينِ مُصابِ جُنَّ أبْـراهُ الرَّسـْمُ

17-وَفَوْقَ لِواءِ الجَيشِ لو رُقِمَ اْسُُمها   لا سْكَرَ مَنْ تَحْتَ اللّوا ذلك الرّقْمُ

18-تُهذّبُ أخْلاقَ النَّدامى فَيَهْتـدي         بِها لطريقِ العزمِ من لاَ لَهُ عـزْمُ     

 19-وَيَكْرُمُ من لم يَعرِفِ الجودَ كَفُّهُ        وَيَحلُمُ عِنْدَ الغيظِ مـن لا له حِلـْمُ

20- وَلَوْ نَالَ فَدْم القـومِ لَثْمَ فِدامِها         لأَكْسَبَـهُ مَعْنـىَ شَمَائِلهَا الّلثْـمُ

21-يَقُولُونَ لِي صِفْهَا فَأَنتَ خَبيِرٌ          بِوَصْفِهَا أجَلْ عِنْدي بأوصافها علمُ

22- صَفاءٌ وَلا مَاءٌ وَلَطْفٌ وَلاَ هَواً         ونـورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسـمُ

23- تَقَـدّمَ كُـلَّ الكَائِناتِ حَديثُهَا             قَديماً وَلاَ شَكْـلٌ هُنَاكَ وَلاَ رَسْـمُ

24-  وَقامَتْ بها الأشْياءُ ثَمَّ لحِكمِةٍ        بِهَا احَتَجَبتْ عَنْ كُلِّ مَنْ لاَ له فهمُ

25-وَهَامَتْ بِهَا رُوحِي بِحيْثُ تَمَازجا اتـ     حَـاداً وَلاَ جَـرْمٌ تَخْلّـلُه جِـرْمُ

26فَحَمْـرٌ ولا كـَرْمٌ وآدمُ لـي أبٌ    وكَـرمٌ ولا خَمْرٌ وَلـي أُمُّهَا أمُّ

27-وَلطْفُ الأواني في الحقيقةِ تابعٌ        لِلُطْفِ المَعَاني وَالمَعَاني بِها تَنمْوُ

28-وَقْد وَقَعَ التفْريقُ والكلُّ واحـدٌ فَأَرْوَاحُنَـا خمرٌ وأَشْبَاحُنَا كـرمُ

29- ولا مَثْلَها قَبْلٌ ولا بَعْدَ بَعْدِهـا وَقَبليَّةٌ الأبعَـادِ فهـي لها قَتـْمُ

30- وَعصْر المدَى مِن قَبْلِهِ كان عَصْرَهَا            وَعَهْـدُ أبينا بَعْدَها ولهَا اليُتّـمُ

31-مَحَاسِنُ تَهْدي المَادِحيـنَ لِوَصْفِهَا               فَيَحْسُنُ فيها مِنْهُمُ النثْرُ والنطـْمٌ

32-وَيَطْرَبُ مَنْ لم يدْرِهَا عِنْدَ ذِكْرِهـا                 كَمشتاقِ نُعْمٍ كُلّما ذكِـرَتْ نُعْـمُ

33- وَقَالوا شَرِبْتَ الإثمَ كـلاَّ وإنمـا                   شَرِْبتُ التي في تَرْكِهَا عِنديَ الإثمُ

34-هنيئاً لأهل الدّيـرِ كـمْ سَكِرُوا بها                وما شربـوا مِنْها ولكنـهم همّوا

35- وعنديَ بها نشـوةٌ قبْلَ نشأتـي                  معي أبداً تبْقَـى وَإنّ  بَلِيَ العَظـمُ

36- عَليكَ بِهَا صَِرْفَا وإن شئتَ مَزْجَهَا            فعد لكَ عن ظَلْمِ الحبيَبِ هُو الظلْمُ

37- فدونكها في الحَان وَاسْتَجِلِّهَا بِـهِ               عَلى نَغَمِ الألحانِ فهي بها غُنـْمُ

38- فما سَكَنْت وألهَمَّ يومـاً بَمٍوّضـعٍٍ               كَذلكَ لَمْ يَسْكُـنْ مَعَ النّغَمِ الْغَـمُّ

39- وَفي سَكْرَةٍ مِنْها وَلَو عَمْرَ سَاعَـةٍ              تَرَى الدَّهرَ عَبْداً طائعا  ولكَ الحُكْمُ

40- فَلاَ عيَش في الدُّنيا لمَنْ عَاش َصَاحياً                   وَمَنْ لَمْ يَمُتْ سُكراً بِهَا فَاتَهُ الحَزْمُ

41- عَلى نَفْسَهِ فَلْيَبْكِ مَنْ ضَاعَ عُمُـرهُ              وَلَيْسَ لَهَ فيها نَصِيبٌ وَلاَ سَهْـمُ

الدراسة التحليلية التطبيقيّة:

1- شَرِبْنَا عَلى ذِكْـرِ الْحَبيبِ مُدَامَـةً                 سَكِرْنَا بِهَا مِنْ قَبْـلِ أَنْ يُخْلَقَ الْكَرَمُ

2- لَهَا الْبْدرُ كَأْسٌ وَهْيَ شَمْسٌ ُيُدِيرُهَا               هِـلالٌ وَكَـمْ يَبْدو إذْا مَزِجَـتْ نَجْـمُ

3- وَلَـوْلاَ شَذَاهَـا واهتَديْتُ لِحانِهَـا          وَلَولاَ سَنَاهَا مَـا تَصـوَّرَهَا الْوَهْـمُ

4- وَلَمْ يُبْقِ مِنْها الدَّهْرُ غَيْرَ حُشِاشـةٍ                كَأَنْ خَفَاهَـا في صُدورِ النُّهى كَتْـمُ

5- فَإنْ ذْكِرَتْ فِي الْحيّ أَصْبَحَ أَهْلُـهُ                نَشَـاوَى وَلاَ عَـادَ عَليهِمْ ولا إثـم     

6- وَمِنْ بَيْنَ أَحْشاءِ الدّنانِ تَصَاعَـدَتْ              وَلَمْ يَبْـقَ مِنْهَا فِي الحقيقةِ إلاَّ اسْـمُ

7- وَإِنْ خَطَرَتْ يَوْمَاً عَلى خَاطِرِ امِرْئٍ               أَقامَتْ بِـهِ الأَفْـراحُ وَارتَحَل الْهَـمُّ

    يعد البيت الأول مفتاح القصيدة، لما فيه من مُفارقة تقوم القصيدة بعدها على صحة فهمه. إن نظرة عابرة إلى هذا البيت تأخذنا إلى أن الشاعر متيمٌ في محبوبته التي أحبها، ويتطلع إلى مزيدٍ من الاعتراف في حبها لما لها من صفات جمالية تسلُب العقل والفكر . ولكن أي نوع من الخمر تلك التي لم تُعتصر من الكروم؟ فالمفارقة في حدوث السُّكر قبل وجود السُّكر. إذاً فهذه الخمرة ليست من الكرم، وإنما هي خمرةٌ أخرى، هي قديمة سبقت خلق المادة الأولى، فبدا لنا إنما هذه الخمرة ليست إلا رمزاً يُعّبرُ به الشاعر عن المعرفة الإلهية وذاتها الأزلية. فهذا الوجود الأزلي يتقدم الموجودات كلها،و يسلك الشاعر في معرفتها بلغة مُحمّلة بدلالات رمزية مستوحاة من لغة الخمريين، فالسُّكر : هو المعرفة الإلهية، والكرم: هو الكرم بحد ذاته، ولكن يُنظر إليه إلى معنىً أبعد من هذا إذ لا يقصد فقط الكروم بذاتها، وإنما الخلق أجمع، وإن اقتُصر الشراب وعصره من الكرم فقط.

إنّ والوجود الإلهي له تجليات مختلفة تراه في الكأس ، و في البدر والشمس والقمر،فالله سبحانه وتعالى يتجلّى لنا من خلال مخلوقاته فكل ما يُشَاهد من مظاهر هو دليل على وجود الله تعالى، وسبيل لمعرفته،وذلك من خلال الفعل ( يديرها هلال) و(كم يبدو وإذا مزجت نجم)، ولكن هذه المعرفة تجلّت وظهرت كاملة لدى محمد- صلّى الله عليه وسلم- فكأس هذه المحبة الإلهية المكنّى عنها بالخمر، هو الإنسان الكامل ( النبي محمد- صلّى الله عليه وسلّم)، وأُشيَر إليه بالأبيات بالبدر (لكماله)، إذ هو ممتلئ من ربه إشراقاً ونوراً كما ينعكس ضوء الشمس في جماله وكماله، وهو (هلالٌ) إذا ما احتجب بظهور نفسه عن إظهار بقية النور كما يحجب ظل الأرض جزء من القمر. وهو (نجمٌ) إذا نظر إلى غيره. ( أي مقارنة بالبِنية التي تميزه عن الخلق من صفاته).

        فما الذي جعله يتصوّر هذه الخمرة أو هذه المعرفة الإلهية؟ . إن استخدام حرف الشرط (لولا) هو ما يسندنا إلى الإجابة، فامتنع الجهل بمعرفة الله لوجود (شذى) المحبة الإلهية، إن المحبة تجذب السالكين في مذاهب التصوّف إليها، ومن الملاحظ انه يضفي على هذه المحبة صوراً معنوية فإما هي (شذا) أو (سنا) وهو النور، ويعني به نور العقل الإنساني، فصورة (شمية وأخرى بصرية، أو لونية).فهذه النشوى العارمة، وهذا السنا المضيء، وهو ما يسكرهم ويجعلهم يغيبون عن الظاهر إلى الباطن، وسنلاحظ الإغراق في هذه النشوى يأخذ بهم إلى أبعد من ذلك، سوى أنه يتدرج في معرفة ذات الله، متسلسللاً إلى نهاية القصيدة، وسأشير إلى هذه الأحوال كل في موضعها.

        وبعد ذلك يُشير إلى قِدَم المحبة الإلهية،، فهي مخلوقةٌ مع الدَّهر، وهي قديمة في قلوب الناس، ولم يبق فيها إلا بقية من روح ويعرفها المتعلقين بالذات الإلهية، وإذا ذُكرت في الحي أصبح أهله نشاوى ولا إثم يلحقهم، إذ ينفي أي صفة غير حميدة يوسمون بها أو أي إثم يحاسبون عليه فيما بعد، فإن لم يكن في معاقرتها أي جانب شيء ، فلا بدّ أن يكون الشمل بها هو الأفضل. ومن شدة تعلقهم بالله أصبحوا سُكارى، واانتابتهم  النشوى إلى ذكر الله حتى الصباح.

        وهنا إشارة إلى طِباع هؤلاء المتصوفة الغارقين في إرادة  معرفة الله، لا يتوقفون ويستمرون في الذكر المتواصل؛ لشدة حبهم لله سبحانه وتعالى، الذين ارتبطت محبتهم بإيثار المحبوب على ما عداه.

        واكتشفت المعرفة الإلهية للمتصوفة بعد أن كانت مستورة في (الدّنان)، فالذي تصاعد من أحشاء (الدنان) هو الخمر هي اسمها خمر، ولكن حقيقتها ليست كذلك. فكان الدنان بمثابة الحُجب التي تحول بين الإنسان والمعرفة الإلهية فإذا واظب على طريق التصوّف انكشفت له هذه المعرفة.

فالأبيات من (1-7) تربطها رابطة واحدة، لتدلل على أن الشاعر يريد تقريب ماهية هذه الخمرة، و الشاعر يتوصل بما هو محسوس للتعبير عمّا هو غير محسوس، بما هو مادي للتعبير عمّا هو روحي.

        وفي هذه الأبيات مازال المتصوف يبحث عن طريق المعرفة حتى يبدأ في  مشاهدة صفات المحبوب شهوداً يُسكر المحب، والحُب عندهم مرتبط بالشوق، والشوق الذي تخلل الشاعر في هذه المجموعة الشعرية (1-7)، شوق إلى الكرامة والفضل، ورضوان الله بداية، حتى يوجب السُّكر الغيبة عمّا سوى المحبوب؛ من أجل الوصول إلى المحبوب، بعد معرفة تامة به وبصفاته، فبعد أن شده الجمال، جمال المظاهر المادية، أو جمال الإنسان الكامل المتمثل في رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- وما جاء به من ظهور وإشراف ورغبة ورهبة، وخوف ورجاء تمثلت في ذكر كلمة (عار) وكلمة (إثم).

         وما تخلل وتمكن من قلبهم من مشاعر الفرح والانتشاء، وارتحال الهموم يحثهم إلى متابعة المسير، فإلى أين سيوصلهم ذلك؟ هذا ما يتخلل أعماق هذا المتصوف. هو لا يكتفي بجمال المظهر ولا يجد فيه حقيقة يتوقف عندها، وإنّما يحاول الكشف عن جمال المخبر، عن العمق، عن الحقيقة، عن الذات ، ذات الله، بعد أن يتدرج في إنفاء ذاته قائلاً:

        8-وَلَوْ نَظـَرَ النُّدْمَانُ خَتّمَ إِنائِهـَا                  لأَسْكَرَهُمْ مِـنْ دُونِهَا ذَلِكَ الخَتُّـمُ

        9-وَلَوْ نَضَحُوا مِنْهَا ثَرَى قَبرِ مَيتٍ               لَعاَدَتْ إِليهِ الرُّوحُ وانْتَعَشَ الجِسْمُ

        10-وَلَوْ طَرَحُوا في فَيءِ حَائِطِ كَرْمِهَا           عَليلاً وَقَدْ أشْفَـى لَفَـارَقَهُ السُّقّـمُ

        11-وَلَوْ قَرَّبُوا مـِنْ حَانِهَا مُقْعَداً مثنـى           وَتَنْطـقُ مِنْ ذِكـْرَى مَذَاقَيهَا البُكـُمُ

        12-وَلَوْ  عَبقَِتْ في الشّرقِ أَنْفاَسُ طِيبِهَا     وَفي الغَرْبِ مَزْكُـوْمٌ لَعَادَ لَهُُ الشَّـمُّ

        13– وَلَوْ خُضَبَتْ مِنْ كَأْسهَا كفَ   لاَمِسٍ       لَمَا ضَلَّ فـي لَيْلٍ وفـي يَـدهِ النَّجْمُ

       14- وَلـوْ جُليَتْ ستراً عَلـى أكْمهٍ غَدَا  بَصيراً وَمـنِ راؤوقها تَسْمَـعُ الصُّمُّ

        15-وَلَوْ أنَّ رَكْباً يَمّمُوا تُـرب أرْضِهَـا   وَفي الركب مَلسُوعُ لَمَا ضَرّهُ السُّمُّ

    – في هذه الأبيات وما يتبعها من مجموعة- يستخدم الشاعر جملة الشرط في امتناع جوانب الشرط لامتناعه. وإن في تكرار هذه الصيغة ؛ لتهويل وتبشيع لسوء الحال التي عليها هؤلاء العامة من الناس حتى يصل بالمعنى إلى غايته المرادة، وحُسن تلطف في إيصال النصح  إليهم مع عدم إيذاء مشاعرهم بمواجهتهم بالذنب والعقوبة، بل هو يُرغّبهم عن طريق ذكر صفات الله –جلّ وعلاّ- وانفتاح المجتمع. بجميع مستوياته لإيقاظ الروح فيهم، بفضل الذوق الصوتي الهادف إلى ترقية الأمة بأسرها.

        ولو نظر ندامى الخمرة السالكين في طريق الله إلى  (الإناء دون معاقرتها لكفاهم النظر انبساطاً، مما يدل هذا التعبير الكنائي عن انتشاء النفس الإنسانية وتجلّيها الخاص بها في جميع أحوالها.

        ولشدة حبهم بها ومعرفتهم لها و لتعلّقهم بالذات الإلهية، فلو وضعوها على تراب قبر ميت لعادت الروح والحياة إليه وانتعش جسمه، نشط، ودخل السرور والنشوى والسعادة إليه، وترجع الروح إليه بعدما خرجت منه وعادت الحياة إلى جسمه، فما بال هؤلاء الذين يظنون أنفسهم على أرض الحقيقة، وفي ذاتهم يدركون أن هناك شيء أعمق من ذلك كله، ولا يسعون أو يراودهم شعور بمعرفته، فهم كالموات دون حواس تبصرهم، وقلب يدرك ذواتهم.

        وأشار (بالفيء) إلى خيال الإنسان الكامل. و إلى(حائط الكرم) إلى  جدار بين الدُّنيا والآخرة. وإلى  (المقعد) إلى من لا تعرض له إلاّ معرفة ربّه، وإلى(ونطق الأبكم) أي:  تكلمه بالعلوم الإلهية، والحقائق الرّبانية ، وإلى (الكفّ اللامس) هي  يد المريد الصادق، و(الخضاب) اتصال المدد الرباني بالمريد الفاني.

        فإذا ما وضع المريد الصادق يده في يد الإنسان الكامل المرشد المحمدي، فلا يسقيه بغير ذلك إلا أن يبيع نفسه في عبادة الله. والنجم هو كل ما يهدي الإنسان إلى طريق المعرفة الإلهية، فعلى السالكين إلى الطريق الذات الإلهيّة ومُريديه اتباع هذا النجم.

        ولقد تجلّت هذه المُدّامُة أي انكشفت هذه الحقيقة الوجودية أمام (الأكمه) الغافل المحجوب بنفسه عن معرفة تجليات ربه، فإنه متى ما تبدو له حقيقة ينشق فجره بعد ظلمة ليله. ورمز الشاعر بـ  (الراووق) إلى المصفاة الخاصة بالعقل والمتعلقة بالإنسان الذي – أنه يُصّفي مدركاته من الكدر والتعب لقلة المعرفة.

        ورمز الشاعر بتُرب أرض المُدامة إلى الصور الجسمانية التي نبتت فيها الصورة الروحانيّة الامرية  في هذا البيت يُشير إلى الأزلية والقدم في عظمة الذات الإلهية، وإلى أن الوجود إنما هو هو، وجميع ما سواه أثارٌ تدل على وجوده، فلا وجود إلا لله، ولا بقاء إلا لوجوده الأزلي، وكل ما سواه من ذات الإ له، ولا بُدّ أَن يعود إليه باختيارٍ منه أي (الإنسان)؛ لأنه منحه ما لم نيله سواه، فوجب عليه البحث المتواصل، والاندماج الكلي في ضرورة معرفة ما لم يكن هو دونه.

        16-وَلَوْ رَسَمَ الرَّاقِي حُرُوفَ اسْمِهَا عَلى        جَبِينِ مُصَابٍ جُنَّ أَبْرأهُ الرَّسْـمُ

        17-وَفَوْقَ لِوَاءِ الْجَيْشِ لَوْ رُقِمَ اسْمِهـَا لأَسْكرَ مَنْ تَحْتَ اللّوا ذَلك الرَّقْمُ

       18-تُهـذَّبُ أَخْـلاَقَ النَّدامـى فَيَهْتَـدِي    بِهَا لِطَرِقِ الْعَزْمِ من لاَ لَهُ عَزْمُ

       19- وَيَكْرُمُ مَنْ لَمْ يَعْرِف الجُودَ دَكَفُّـهُ           وَيَحْلُمُ عِنْدَ الْغَيظِ من لاَ لَهُ حِلْمُ

        20-وَلَوْ نَالَ فَدْمُ الْقَـومِ لَثْم فِدَامِهَـا             لأَكْسَبَـهُ مَعْنَى شَمَائِلِهَا اللّثْـمُ

        فكل من يتجاهل المعرفة الإلهية، ولا يهتم بها وبذاته، فهو كالمجنون لا يستطيع أن يدرك أو يعرف شيئاً عن سر هذا الكون. إن حالة الجنون هذه لا تكون إلا في الصحو الأول للإنسان، وما يبقيه على حاله هو  ملازمة الجنون له، ولا يسعى لمعالجته والتخلص منه، فكل شيء لديهم لا يمكن أن يسير وطريق الصواب لا معنى له، مع دون وصل الله له، فطريق الصواب بالنسبة للصوفيين هي الوصل والوصال مع الذات الإلهية.

        وما زال الشاعر في حالة السُّكر الأولى؛ لأنه ما زال يربط الواقع في الحاضر الذي يعيش، وما زال يميز ذاته عن ذات الله، وما زال يوسع دائرة المشاركة الإنسانية والوجدانية تعاطفاً مع هذه العالم؛ ليُضيف إلى مشاعرنا ما به تزهو؟ وتتكامل متجهة صوب الأرفع، والأسمى، والأطهر، يريد أن يُجرد نفسه من شوائب المنفعة والزيف، ويدفع كل ما يعوق تطوّر نفسه (ذاته) الروحي.

        إنّه يُريد أن يجمع كل من على الكرة الأرضية تحت لواء جيش الصوفية، ذاك اللواء الذي يُسكر قلب كل عارف لله وينعشه، فتزداد المحبة إليه والتلاشي أمامه، فالمحبة العامة لا يَعُّد لها مكاناً عندهم، إذ هي متولدة من إحسان الله إليهم؛ لأن القلب مفطور على حُب ومن يُحسن إليه، وهذه حالة الشرب أو المذاق الأول للسكر، وحين يشعر بجماله يشتد إليه، حتى يَسكرَ تماماً كما هم (الصوفيون) الآن في البيت التالي، فهم ما زالوا يعيشون في حالة من الهذيان والقلق والرغبة في الوصول إلى المحبوب بعد تحققهم من غناء الله وجلاله وعظمته وعلمه وقدرته، و بعد صفاء أصاب العقل بعد حالة الجهل الذي كان يعيش بها (فدم المدامة)، وهو غطاؤها إلى حجابها، وهو العقل الإنساني في حالة الجهل حالة ،وحالة الصحو التي تسبق المعرفة الإلهية ، وهو من صفاتها في حال العلم بها،وأشار إلى لثم ذلك (الفدام)، إلى العلم بالتجلّي، بمعنى شمائلها إلى ما يظهر للعبد من منافي الأخلاق الإلهية والصفات الرّبانية، فمازال هُناك محب ومحبة ومحبوب، ولكن هنا يبدأ المُحِبُ بنزع حجاب المحبة حتى يصل إلى محبوبه دون حاجزٍ يمنعه من ذلك، بعد ذلك؟.

          يُبرز الشاعر في  البيتين (تهذب أخلاق الندامى…/ ويكرمُ من لم يعرف الجود) بشكل  واضح مدى التأثر الصوتي أو السالك الصوفي في طريق معرفة الله، إلى تغيّر يطرأ على ذاته، فيصبح ذا خلق عظيم وخير وفير، وصاحب عزيمة وبأس، وفعال ومؤثر وعازم دون رجعة أو تردد في القدوم، إذ هو سالك بكل إرادته وكل ما يستطيع دلّتنا على ذلك كلمة (عزم) مبدأ التلاشي شيئاً فشيئاً بتغير يطرأ على صفاته، إذ هو يؤسس أخلاق الفتوة الصوفية والبطولة الدينية النابعة من الحب والإيثار النازعة إلى الخير المحض. إذ هو يبصر بجماله يتجاوز و الأغراض الفانية؛ لأن الجمال الحق هو الكائن في باطن الشيء لا في ظاهره، فتتخلص النفس بذلك من كل مراء وعجز، وتصبح صفاته صفات ألوهية، لا تنتظر منفعة مبطنة أبداً، هي تلك مرحلة التلاشي والذوب في الله، في تحول الصفات بداية،وفي فناء الذات، وعدم الشعور بها، فهذا الفناء هو فناء كل النفس، والصفات بالفناء بصفات الحق. فبعد أن فنى عن الأفعال. فهو الآن فانٍ عن الصفات إذ يتجرد هو من صفاته الإنسانية فيبقى شيء، ويبقى آخرُ يفنى البُخل ويُفضّل الكرم، ويعني الغلظ لوجود الحلم، ويفنى الجهل لوجود العلم. فهذا الفناء هو فناء بقاء لا اندثار، وفناء الإنسان بوجود الله، فهو بذلك باقٍ بصدق رجوعه إلى الله، واستمر قائلاً:

        21-يَقُولُونَ لِي صِفْهَا فَأَنْتَ بِوَصْفِهَا   خبيرٌ أَجْل عِنْدِي بِأوصَافِهَا عِلْمُ

        22-صَفاءٌ وَلاَ مَاءٌ وَلُطْفٌ وَلاَ هَوا      ًوَنُورٌ ولاَ نارٌ وَرَوحٌ ولاَ جِسـْمٌ

        23-تَقـَدَّم َ كُلَّ الكَـائُنَاتِ حَدِيثُهَـا        قَديمَاً وَلَا شَكْلٌ هُنَاكَ وَلاَ رَسْـمُ

        24-وَقَامَتْ بِهَا الأشْيَاءُ ثَمَّ لِحِكْمـةٍ     بِهَا احتَجبَتْ عَنْ كُلّ مَنْ لا لَهُ فَهْمُ

        ونتيجة لإغراقه واندماجه في معرفة الذات الإلهية يسأل السالك عن وصفها بالضمير المتصل (الهاء) العائد على المدامة، فيصفها عن علمٍ وخبرةٍ ومعرفةٍ تامةٍ بصفاتها، فهو يصف هذه المدامة متجرّداً عن ذاته إلى الاندماج في ذات الله لعشق صفاتها وولعه بها، فهو ينفي عنها أي صفة مادية ملموسة؛ لأنها زائلة فهي ليست ماء، ولا هواء، ولا نار، ولا جسم، بل تخرج عن هذه الماديات إلى أنقى وأعذب صفاتها مع الفارق، وإن كان الماء صافياً، وأعذب ما في الهواء لطفه، وأبرز ما في النار من جمال هو نورها، وأنقى ما في الجسم هو روحه، إلا أنها هي الصفاء بذاته واللطف، والنور، والروح الخالصة لها دون منازع، إذاً أجمل ما في هذه الماديات هي المعاني المستمدة عن صفات هذه المدامة.

        والحديث عنها ليس جديداً فهي قديمة منذ الأزل التي سبق وجودها وجود الكائنات في حضرة عدمية الأشكال لا أشكال الرسوم أي (الكائنات). وقد ذكر الشكل والرسم إذ هي لا وجود لها، وإن كانت موجودة بالنسبة إلى ذاتها فهي كالمعدومة كما كانت سابقاً لا معنى لها إلا بإرادة من الله، واستعمل لفظة ” الأشياء”؛ ليدل بها على الكائنات؛ لأنه في تلك لا يرى نفسه ولا يشعر بذاته، إنّما هو مندمجٌ اندماجاً حلولياً وكلياً نفسه ولا يشعر بذاته، إنما هو مندمج مع الله  سبحانه وتعالى، والأشياء شيء مجرد لا يعني شيئاً بحضرة الإله، شكّلها الله سبحانه وتعالى إذ هي لا وجود لها من نفسها. فكثرة هذه المخلوقات هي تشكيل من الله أي واحد الذي قام عليها. وهذه الكثرة في النهاية هي واحدة عائدة إليه، ولا يمكن أن تكون ذاتها واحدة. فالوحدانية والوجود والبقاء، هو كله لله أبدع هذه الأشياء، ولم يعد عنها لتأوب في النهاية إليه.

        إنّ الشاعر- الآن- في حالة صحو تام، يتحدث عن الله، و يتحدث عن الذوات وينكرها إذ هي حجرات لا تعني شيئاً إلا أن الله قام على تشكيلها، فهو غائب بذلك تماماً عن ذاته، مندمج و متحد مع الإله، فكيف يكون حالة صحو وهو غائب؟ إن حالة الشُرب قد انتهت؛ لأنه يتخللها عودة إلى الظاهر أو إلى الذات، وهو الآن في حالة ارتواء تام غير منقطع في هذه المدامة حتى تخلت الذات (ذات الشاعر) عن حقيقتها الوجودية، وقويّ حبه واشتد حتى وصل إلى نهايته لا وجود للمحب ولا للمحبة ولا للمحبوب، إنما هي اتحدت وتلاشت بظهورها جميعاً في المحبوب القائم منذ الأزل أو الوجود الحق. وهذه مرحلة الحُب النهائي، حُب الواله النازع إلى الفناء، وهو شوق عادم إلى الأبدية، كما هو صحو قائم على مداومة الشُرب،فهو يصحو بالحق إذ صار الشرب بالنسبة إليه كالغذاء لا يصبر ولا يتوانى عنه. و يتضمن هذا كله البيت الشعري الذي يلي هذه المجموعةالشعرية:

        25-وَهَامَتْ بِهَا رُوحِي بحيث تمازجا اتـ حَاداً ولاَ جْرمٌ تَخلّله جِرْمُ

    بعد أن وصل الشاعر إلى المرحلة التي يريدها، وهي مرحلة البقاء والاستقرار مرحلة الأمان، والسعادة والانتشاء ، وصل الاتحاد بالذات الإلهية فما زال يصفها وصفاً دقيقاً، قائلاً:

        26-فَخَمْرٌ وَلاَ كَرْمٌ، وَآدمُ لي أَبٌ                وَكَرمٌ ولاَ خَمـرٌ، وَلـِي أُمّهَا أُمُّ

        27-وَلُطْفُ الأواني في الحقيقةِ تَابعٌ            لِلُطْفِ المَعَاني، وَالمَعَاني بِهَا تنْموُ

        28-وَقَدْ وَقَعَ التّفْريقُ والكلُّ وَاحِدٌ               فارْوَاحُنَا خَمرٌ، وأَشْبَاحُـنَا كَـرْمُ.

        فخمرٌ موجود وهي المدامة،مع انتفاء وجود الكرم والخلق أجمع، وكرم موجود ولا خمرٌ موجود، و هذه الخمر منسوبة إلى الشاعر الصوفي، فالأنبياء جميعهم أبناء آدم من حيث الصورة، وأبوهم من حيث المعنى.

        وأشار إلى أن المعاني الإلهية إذا غلبت على الكائنات كشفاً وشهوداً كان الكل لطيفاً في نظر العارف لربه، دوناً عن الغافل الجاهل، ويرقى ويسمو ذلك الإنسان بقدر المعرفة، التي لا بدّ وأن تؤثر به.

        وإن تعددت الأرواح  والأجسام، فالأرواح هي الخمر التي تُسكر العقول بما يلقى إليها من العلوم والحقائق العرفانية. وفي نظره أن الأشباح هي الكرم أو الصورة العدمية التي لن ترقى إلا بإدراك حقائق الأشياء، دون التسليم لظاهرها، .

        فكل هذه الأشياء واحدة، وإن تعددت وكثُرت، من واحد لا أكثر فالمطلق والمقيد وجهان لحقيقة واحدة، فهي في الأزلية مطلقة، ومقيدة  واتحادها بالأشياء التي ما كانت أن تكون دونها، واستمر قائلاً:

        29-وَلاَ قَتْلَهَا قَبْـلٌ ولا بَعـْدَ بَعْدَهَـا                وَقَبْليّةُ الأَبْعَادِ فهـي لَهَا خَتْـمُ

     30-وَعَصْرَ المَدَى مِن قَبْلِهِ كَانَ عَصْرَهَا         وَعْهَدُ أَبينَا بَعْدَهَا، وَلَهَا اليُتْـمُ

        31-مَحَاسِنُ تَهْديَ الْمَادِحينَ لِوَصْفِهَا           فَيَحْسُنُ فِيهَا مِنْهُمُ النَّثْرُ وَالنَّظْمُ

        32-وَيَطْرَبُ مَنْ لَمْ يَدْرهَا عِْندَ ذِكْرِهَا           كَمُشْتَاقِ نُعْمٍ كُلَّمَا ذُكِرَتْ نُعْـمُ

        فهذه المجموعة الشعرية تابعة لما سبقها من إدراك لا يخلو من ذهن الشاعر الصوفي بالتركيز على الوجود المطلق، الذي لا يدركه إلا القلة الواعية من أتباعهم. فلا قبل هذه المدامة شيء؛ لأنه إذا وجدت كُثرة قبل (الواحد) كان الواحد من كُثرات، ولا يمكن أن يكون الواحد كذلك، وكذلك هو الحال بعدها سوى أنهم أي ما نتج عن هذا الواحد من مخلوقات تزول وتتفانى بعرضها إليه، فالمعنى واضح عند قراءة الأبيات سوى أن التكرار للفظ الواحد من (قبل، وقبلها، وقبيلة) ، و (بعد ، وبعدها، والأبعاد) جعلت التعبير أعمق إلى إشارات أرادها، وأنه لا يمكن اعتبارها ميلاً إلى إعمال الفكر من أجل إدراك المعنى.. بدلاً من الكشف الواضح الذي يمكن أن يكون في التعبير عن معانٍ مطلقة، فالوجود إذاً كله واحد، وكذلك الذي يليه، فالفكرة واحدة، واليتم لا يكون إلا إذا فُقدت معرفتنا بهذه المدامة.

        إنّ محاسن هذه الخمرة وشدة جمالها تبعث في نفوسهم السرور بمطالعة الجمال أي الجمال العلوي المجرد من عوارض ما هو جزئي، الذي هو قَيّضَ من الحيز الأول المحض الذي أشار إليه في الأبيات السابقة، الذي ينتعش فيه ويُظفر بالحقيقة التي لقيها بالأقوال الغربية الجميلة سروراً منه بشهود الجمال الذي ما نَالَ منه، وما طرب بهذه الأقوال (النثر والنظم الصوتي)، وما تعلّق بعواطف وخصوصيات ما كانت أن تدرك لولا شدة الشوق العارم الذي أداء اكتنفهم عند الوصول إلى هذه الحقائق كل من السلوك في هذا الطريق، واستمر قائلاً:

        33-وَقَالُوا شَرِبْتَ الإثمَ كُلاً وإنمـا               شَرِبْـتُ التي في تَرْكِهَا عنْدِي الإثْـمُ

        34-هَنيئاً لأهلِ الدَّيْرِ كَمْ سَكِروا بها               وَمـَا شَرِبُـوا مِنْهَا وَلكِنَّـهُمْ هَمُّـوا

        35-وَعِنْدِي مِنْهَا نَشْوَةٌ قَبْلَ نَشْأتـي               معـي أبـداً  تَبْقَى وَإنْ بَلِـىَ الْعَظْـمُ

        هنا يبدأ في مرحلة اللامبالاة؛ لأنه وصل إلى ما لا يستطيع غيره أن يصل إليه؛ لجهلٍ بهم، ثم تبدأ مرحلة اللوم، ولكن من يقصد بهم، هل هم عامة الناس؟  لايمكن أن يكونوا عامة الناس ؛ لأنهم يحتاطون من الوقوع في الإثم، إذ هو يخاطب أصحاب الشريعة،إذاً هم الذين الفرقة الصوفية وتوجهاتها ،وعَدَّ البعض منهم أنها من قبيل الإلحاد،و إمّا لاستعمال الممنوع والمكروه من الألفاظ بالتعبير عن الذات الإلهية، أو اعتقادات ناشئة عن الأفكار التي تأخذ بالإنسان إلى أن يتخذ بالذات الإلهية فيصبحون شيئاً واحداً، وقد نفينا فكرة حدود العبد مكان المعبود، إذ لا وجود لموجود دون أصل الوجود، وهذا ما ذهب إليه الصوفية في التعبير عن توجهاتهم، ولا يرى أمامه شيء أسمى ولا أطهر من ذلك، ومن لا يتبعها فهو آثم عندهم إذ هو أي ( الصوفي ) ليس متطرفاً في أفكاره، وإنما هو متطرف في إنكار أي مذهب أو طريقة سواها لعبادة الله.

        إذ هو آثم من لم يشرب من هذه المدامة التي سَكِرَ بها أهل الدين، فكم شربها صرفاً دون أن يمزجها، واحتسى على نغم الألحان  تلك التي تبدد الهموم والأحزان، وتجعل الدهر عبداً طائفاً لمن يشربها ، كما هو في نهاية الأبيات الشعرية من هذه القصيدة.

        وفي البيت الخامس والثلاثين من هذه المجموعة الشعرية يتجلّى كل ما أراد تحقيقه عمر بن الفارض، وينكشف له إذ ينتشي الشاعر بها. وتزول الصفات الإلهية، ومن يتجلّى الله للعبد في مشاهدته بوصفه الموجود المطلق الذي ليس له علاقات ولا صفات ولا أسماء، إذ لا يشعر هنا الثاني بنفسه وإن بلى عظمه. فبذلك يكون الإله في أصله ( أي قبل خلق الكون)، قائلاً:

        36-عَلْيكَ بِهَا صِرْفَاً، وَإنْ شِئْتَ مَزْجَهَـا          فَعْدَلكَ عَنْ ظُلْمِ الحَبِيبِ هُو الظلْـمُ

        37-فدونكها فـي ألحـانِ، واستَْجَلَهَـا بـهِ       عَلى نَغَمِ الألحانِ فَهـي بِهَا غُنْـمُ

        38-فَمَـا سَكَنَتْ وَالْهَـمَّ يَوماَ بِمَوْضِـعٍ   كَذَلِكَ لَمْ يَسْكُن مَـعَ النَّعَـم الْعَنمُّ

        39-وَفي سَكْرةٍ مِنْهَا وَلَوْ عُمْرَ سَاعَـةً  تَرى الدَّهرَ عَبْداً طَائِعَاً ولَكَ الْحُكْمُ

        40-فَلاَ عَيْشَ في الدُّنيا لِمن عَاشَ صَاحِياً      وَمَنْ لَمْ يَمُتْ سُكّراً بِهَا فِيهَا الحزمُ

        41-عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبكِ مَنْ ضَـاعَ عُمُرُهُ وَلَيْـسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ وَلاَ سَهْـمُ

        وفي نهاية هذه القصيدة نستشف مدى العشق المستقر في نفس الشاعر للذات الإلهية، ومدى الرُّقي الصوفي في الأخلاق، إذ لا يستأثر بهذا الجمال لنفسه فقط،  بل يرغب في أن يعيش كل من لا يسلك هذا الدرب ولو ساعة واحدة في نفس الأجواء الروحانية التي عاشها عاقر خمرته،حتى يرى مدى التأثير الذي سيُبعث في النفس البشرية، ويلاحظ إشراق شعاعها حتى تبدو وكأنك تحكم هذا العالم ، وينفي أي جوع للعيش  أو أي حال ما لم يكن على طريقة العالم الصوفي، وهو لا ينفي فقط بل يبدأ منه، والصحو المقصود في النص هو العيش في الواقع لا صحو الصوفي. وهذا هو حال العاشق سوى محبوبه لا يريد أن يرى سواه إطلاقاً.

طُقوس الحب في الشعر الصوفي وصناعتها – دراسة نظريّة وتطبيقيّة

 


الإحلالات والهوامش:

        1- برتداند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، القاهرة ،1954م، ص1، ص 46.

       2- المرجع السابق ص 47.

3- يُنظر الموقع الإلكتروني /nbanews/62/229.htm http://www.annabaa.org، ويُنظر، ابن هشام، سيرة ابن هشام، ج1، مصر، 1955م، ص ص 119-120.

4- أبو النصر السراج، اللمع، تحقيق د. عبد الحليم محمود، الطبعة الأولى، 1960م، ص30، ويُنظر للمزيد، ابن هشام، سيرة ابن هشام،مصر، 1955م، ص 315، ويُنظر للمزيد، أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ ناصر الأَلباني، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ص 388.

  • د. عاطف جودة نصر، شعر عمر بن الفارض- دراسة في فنّ الشعر الصوفي- الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1982م، ص10.
  • د. عامر الحافي، محبة الإنسان في الإسلام، جريدة الدستور، العدد4811، عّمان، ص 17، ويُنظر للمزيد، زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم العراقي، المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار، الطبعة الأولى، دار الحلبي للطباعة والنشر والتوزيع، 1348هـ، ص 110، وما بعدها ،ويُنظر للمزيد، رينولد نيكولسون، في التصوّف الإسلامي وتاريخه، تحقيق د. أبو العُلا عفيفي، الطبعة الأولى، 1956م، ص88، ويُنظر للمزيد، عبد الوهاب الشعراني، لطائف المنن،الجزء الثاني،، الطبعة الأولى، 1357هـ، ص 171، ويُنظر للمزيد، أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، الرسالة القشيرّية، الطبعة الأولى، 1376هـ /1948م،ص ص 56-57، ويُنظر للمزيد أبي النصر السراج، المصدر السابق، ص ص 72-73.
  • د. محمد عبد المنعم خفاجي، الأدب في التراث الصوفي، مكتبة غريب، القاهرة، ص 167و ما بعدها، ويُنظر،د. عبد الرحمن بدوي، شهيدة الحُب الإلهي، مطبعة مصر، القاهرة، ص ص 43-48.
  • الشيخ الحرتفيش، الروض الفائض في المواعظ والرقائق، القاهرة، 1886م، ص 117.
  • ويُنظر،د.حسن عاصي، التصوّف الإسلامي- مفهومه وتطوّره ومكانته من الدين والحياة، مؤسسة عزّ الدين، بيروت، 1994م، ص 61، ويُنظر، أبو العُلا عفيفي، التصوف، الثورة الروحية في الإسلام، القاهرة،1963م، ص 96،ويُنظر، نيكلسون، تذكرة الأولياء،ج1، ترجمة فريد الدين العطار، لندن 1905م، ص 233.

10-د. حسن عاصي، المرجع السابق، ص 61.

11-د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 168.

12-د. حسن عاصي، المرجع السابق، ص 61.

13-عبد الرحمن البُرعي، ديوانه، مطبعة الفجالة الحديثة، الطبعة الرابعة، مصر،1967م، ص 193.

14-د. حسن عاصي، المرجع السابق، ص 62، ويُنظر، عمر بن الفارض، ديوانه، تحقيق إبراهيم السامرائي، دار الفكر، عمان، 1985م، ص 83،ويُنظر، قمر كيلاني، في التصوف الإسلامي، في بيروت، 1962م، ص 51.

15- د. نظمي عبد البديع محمد، في الأدب الصوفي،القاهرة، ص 194.

16- د. ثريا عبد الفتاح ملحس، القيم الروحيّة في الشعر العربي (قديمه وحديثه)-حتى منتصف القرن العشرين-1950، مكتبة المدرسة ودار الكتب اللبناني للتوزيع والنشر والطباعة، بيروت، د.ت، ص ص 87-97، ويُنظر، القشيري، المصدر السابق، دار الكتب العربية الكبرى،1330هـ، ص45-100.

17- د. ثريا عبد الفتاح ملحس، المرجع السباق، ص98،ويُنظر، داود الأنطاكي، تزيين الحقائق ومجموع الرقائق في صريح المواجيد الإلهيّة، مطبعة بولاق، مصر، 1270هـ، ص 29.

18-ابن منظور، لسان العرب، مادة (حَبَبَ)، ويُنظر، د. كامل الشيبي، رأي في اشتقاق كلمة “صوفي”، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد الخامس، مطبعة بغداد ، نيسان1962م، ص 191.  ويُنظر، الموقع الإلكتروني:

htto://www.4uarab.com/vb/ showthread.php?p=353563

19- ويُنظر، الموقع الالكتروني الوارد في الاقتباس رقم (18) السابق.

 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26، يُنظر، الموقع الإلكتروني الوارد في الاقتباس رقم (18)، ويُنظر، ابن هشام، المصدر السابق، صص119-120.  .

27- نظمي عبد البديع محمد، المرجع السابق، ص 27، ويُنظر ، أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، المصدر السابق، ص 126، ويُنظر ، أبي السراج، المصدر السابق،ص 41، ص 47.

28- د. حسن عاصي، المرجع السابق، ص 13.

29- ابن خلدون، المقدمة، دار صادر، بيروت، ص 467.

30-أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، القاهرة، 1953م، ص 278.

31- عبد الرحمن عميرة، التصوّف الإسلامي منهجاً وأسلوباً، نشر مكتبة الكليات الأزهرية،ص7.

32-أدونيس، الصوفية والسريالية، ص 24،  ويُنظر، هانز شيدر، الإنسان الكامل في الإسلام، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، ص 53، ويُنظر، د. محمد غنيمي هلال، الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية، دار نهضة مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1960م، ص 33، ويُنظر، عبد الرازق الكاشاني، كشف الوجوه الغرّ لمعاني نظم الدّر، الجزء الثاني، ص ص 15-16.

33- ويُنظر، The Encyclopedia Britannica (mystical), New Yourk, 1966.

34- د. ثريا عبد الفتاح ملحس، المرجع السابق، ص103.

35- محمد بن علي أبو طالب المكي، قوت القلوب في معاملة المحبوب، المطبعة الميمنية، مصر، 1310هـ، ص 57.

36- د. عبد الرحمن بدوي، المرجع السابق، ص 161، ص 163.

37- نظمي عبد البديع محمد، المرجع السابق، ص 26.

38- المرجع السابق، ص 194.

39-المرجع السابق، ص194.

40- د. أحمد أمين، ظهر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ص 170.

41- الحلاج، ديوانه، تحقيق د. كامل مصطفى الشيبي، بغداد، 1984م، ص 113.

42- د. محمد مصطفى حلمي، ابن الفارض والحب الإلهي، دار المعارف، مصر، ص 93.

43- عمر بن الفارض (ديوانه)، المصدر السابق، ص 6.

44- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص177.

45- د. علي الخطيب، اتجاهات الأدب بين الحلاّج وابن عربي، دار المعارف، ص 166 وما بعدها.

46- ابن الفارض (ديوانه)، المصدر السابق، ص 46.

47- محي الدّين عربي، تُرجمان الأشواق، مطبعة لندن، لندن، 1911م، ص 19.

48- يُنظر، الموقع الإلكتروني الوارد في الاقتباس رقم 3.

49- د. نظمي عبد البديع محمد، المرجع السابق، 94.

50- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 201.

51-عمر بن الفارض، المصدر السابق (ديوانه)، ص 93.

52- المصدر السباق، ص 101.

53- المصدر السابق، ص 96.

54- المصدر السابق، ص 99 .

55- المصدر السابق، ص 27.

56- المصدر السابق، ص46، ص 97.

57- المصدر السابق، ص38، ص 61، ص 68.

58- د. محمد مصطفى حلمي، المرجع السابق، ص 98.

59-د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 203.

60- المرجع السابق، ص 204.

61- المرجع السابق، ص ص 203- 204.

62- د. نظمي عبد البديع محمد، ص 71 وما بعدها.

63-أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، دار الكتب المصرية ، 1936، ص 9، ص 251.

64- يُنظر مراتب الحُب: شهاب الدين أبي حجلة المغربي، ديوان الصبابة على هامش تزيين الأسواق بتفضيل أشواق العُشّاق، الجزء الأول، مطبعة بولاق، مصر، 1291هـ، ص 23، ص 17.

65-أدونيس، الثابت والمتحول،بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، ج1، دار الساعي، ص 230.

66-د. محمد غنيمي هلال، الحياة العاطفية بين العذريّة والصوفية، دار نهضة مصر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1976م، ص 38.

67- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 178.

68- المرجع السابق، ص 243.

69- د. عاطف جودة نصر، المرجع السابق، ص ص 64-65.

70- المرجع السابق، ص ص 64-65.

71- المرجع السابق، ص 65.

72- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 243.

73- البوصيري، ديوانه، تحقيق محمد سيّد عيلاني، الطبعة الثالثة، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ص 114.

74- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 244.

75- الحلاّج، المصدر السابق، ديوانه، مقطوعة رقم (21).

76- المرجع السابق، ص 194.

77- ابن الجوزي، تلبيس إبليس، مصر، 1928م، ص 171.

78- د. محمد عبد المنعم خفاجي، المرجع السابق، ص 198.

79- أبو العتاهية، ديوانه، طبعة لويس شيخو، بيروت، 1927م، ص 304.

80-عدنان حسين العَوادي،الشعر الصوفي حتى أفول مدرسة بغداد وظهور الغزالي، دار الشؤون الثقافية العامة، 1967م، ص 131.

 81- المرجع السابق، ص 159.

82- الشلبي، ديوانه، تحقيق كامل مصطفى الشيبي، بغداد، د.ت، ص 110.

83- عدنان حسين العَوادي، المرجع السابق، ص 199.

84- الحلاج (ديوانه)، المصدر السابق، ص 57.

85-الشلبي، المصدر السابق (ديوانه)، ص 114.

86- نيكلسون، المرجع السابق، ترجمة أبو العُلا عفيفي، ص 21.

87- القشيري، المصدر السابق، ص 221، ص 620.

88- الشلبي، المصدر السابق(ديوانه)، ص 129.

89- د. عبد الحكيم حسان، التصوّف في الشعر العربي نشأته وتطوّره حتى آخر القرن الثالث الهجري، مطبعة الرسالة، 1954م، ص 296، ويُنظر للمزيد، عدنان حسين العوادي، المرجع السابق، ص 203.

90- عمر بن الفارض، ديباجة الديوان من شرح ابن الفارض، الجزء الأول، جمعه رشيد بن غالب من شرحي البوريني والنابلسي، المطبعة الخيرية، 1310هـ، ص 145 وما بعدها، ويُنظر الإشارات التوضيحية  للنص عند، د. عاطف جودة نصر، المرجع السابق، ص ص 137 – 138.


قائمة المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

  1- د. أحمد أمين، ظهر الإسلام، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة،د.ت.

  2- أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ ناصر الأَلباني، مؤسسة  قرطبة، القاهرة، د.ت.

    3- أدونيس، الصوفية والسُريالية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1987م.

4- أدوني، الثابت والمتحوّل، – بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الساعي، د.ت.

5- براترند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، القاهرة، 1954م.

6- البوصيري، ديوانه، تحقيق محمد سيد عيلاني، الطبعة الثالثة، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، د. ت.

7- د. ثريا عبد الفتاح ملحس، القيم الروحيّة في الشعر العربي قديمه وحديثه، حتى منتصف القرن العشرين 1950م، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والتوزيع والنشر، بيروت، د.ت.

8- جلال الدين السيوطي، حُسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة، الطبعة الأولى، 1292هـ.

     9-  ابن الجوزي، تلبيس إبليس، مطبعة مصر، 1928م.

10- د.حسن عاصي، التصوّف الإسلامي – مفهومه- وتطوّره ومكانته في الدين والحياة، مؤسسة عزّ الدين، بيروت، 1994م.

      11- الحلاج، ديوانه، تحقيق. كامل مصطفى الشيبي، بغداد، 1984م.

    12- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار صادر، بيروت- لبنان.

     13- داود الأنطاكي، تزيين الحقائق ومجموع الرقائق في صريح المواجيد الإلهية، مطبعة بولاق، مصر، 1270هـ.

    14- رينولد نيكولسون، في التصوّف الإسلامي وتاريخه، تحقيق د. أبو العُلا عفيفي، الطبعة الأولى، 1965م.

   15- زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم العراقي، المُغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار، الطبعة الأولى، دار الحلبي للطباعة والنشر والتوزيع، 1348هـ.

16- الشلبي، ديوانه، تحقيق د. كامل مصطفى الشيبي، بغداد، 1967.

17- شهاب الدين أبي حجلة المغربي، الصبابة على هامش تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق،، ج1، مطبعة بولاق، مصر ، 1291هـ.

18- الشيخ الحريفيش، الروض الفائق في المواعظ والرقائق، القاهرة، 1886م.

19-د.كامل الشيبي، رأي في اشتقاق كلمة ” صوفي”، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد الخامس، مطبعة بغداد، نسيان 1962م.

20- عاطف جودة نصر، شعر غمر بن الفارض – دراسة في فنّ الشعر الصوفي، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1982م.

21- د. عامر الحافي، مقال: محبة الإنسان في الإسلام، جريدة الدستور الأردنية، العدد11 48، مطابع الدستور، عمان.

22- د. عبد الحكيم حسّان، التصوّف في الشعر العربي نشأته وتطوّره حتى آخر القرن الثالث الهجري، مطبعة الرسالة، 1954م.

23- د. عبد الرحمن بدوي، شهيدة الحُب الإلهي، مطبعة مصر، القاهرة.

24- عبد الرحمن البُرعي، ديوانه، مطبعة الفجالة الحديثة، الطبعة الرابعة، مصر 1967م.

25- أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، القاهرة، 1953م.

26- عبد الرحمن عميرة، التصوّف الإسلامي منهجاً وأسلوباً، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، مصر، د. ت.

27- عبد الرازق الكاشاني، كشف الوجوه الغُر لمعاني نظم الدُّر، الجزء الثاني، د.ت.

28- عبد الوهاب الشعراني، لطائف المنن، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، 1357هـ.

29-  أبو العتاهية، ديوانه، طبعة لويس شيخو، بيروت، 1927م.

30- عدنان حسين العوادي، الشعر الصوفي حتى أفول مدرسة بغداد وظهور الغزالي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق، 1967م.

31- أبو العُلا عفيفي، الثورة الروحيّة في الإسلام، القاهرة،1963م.

32- د. علي الخطيب،اتجاهات الأدب بين الحلاّج وابن عَربي،دار المعارف، القاهرة.

33- عمر بن الفارض، ديوانه، تحقيق إبراهيم الشامرائي، دار الفكر عمان، 1985م.

34-عمر بن الفارض، ديباجة الديوان من شرح ابن الفارض، الجزء الأول، جمعهُ  رشيد من شرحي البوريني والنابلسي، المطبعة الخيرية،1310هـ.

35- أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، دار الكتب المصرية، 1936م.

36- فريد الدين العطّار، تذكرة الأولياء، ج1، ترجمة وتحقيق نيكلسون، لندن، 1905م.

37- قمر كيلاني، في التصوّف الإسلامي، بيروت، 1962م.

38- محمد بن علي المكي، قُوتُ القلوب في معاملة المحبوب، المطبعة الميمنية، مصر، 1310هـ.

39-  د. محمد عبد المنعم خفاجي، الأدب في التراث الصوفي، مكتبة غريب، القاهرة.

40-  د. محمد غنيمي هلال ، الحياة العاطفية والصوفية، الطبعة الثانية، 1960م.

41- د. محمد مصطفى حلمي، ابن الفارض والحب الإلهي، دار المعارف، القاهرة بمصر.

42- محي الدين ابن عربي، تُرجمان الأشواق، مطبعة لندن، لندن، 1911م.

43- ابن منظور ، لسان العرب، دار صادر ، بيروت.

44- د. نظمي عبد البديع محمد، في الأدب الصوفي,القاهرة .

45- هانز شيدر، الإنسان الكامل في الإسلام، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، د. ت.

46- ابن هشام، سيرة ابن هشام، مصر، 1955م.

     ثانياً- شبكة الموسوعات و الإنترنت:

1- The Encyclopedia Britannica (mystical ), New yourk,1966.

2-http://www.a nnabaa .org/nbanews/62/229.htm

3-http://www.4uarab.com/vb/showthread.php?=p =353563

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.