طارق الشيباني : كينونة النص بين هلوسة السرد والمسكوت عنه في رواية اللجنة لـ صنع الله ابراهيم

img

 

رواية اللجنة ـ  صنع الله ابراهيم

كينونة النص بين هلوسة السرد والمسكوت عنه

بقلم : طارق الشيباني 

لا يمكننا الحديث عن المسكوت عنه والمُغيّب سواءا في الأدب أو العلم دون المُرور بعالم النفس الألماني سيجموند فرويد ودروسه النفسية التحليلية. جبل الثلج، الذي أغرق التيتانيك.  التيتانيك سفينة، قال عنها بنّاؤوها آنذاك: “إنّها السفينة التي لا تغرق”، هو جبل يقع ثلاثاه تحت قاع البحر.

هلوساتنا وزلاّت لساننا وأحلامنا الأكثر غموضا وتعمية، تحوّلت مع فرويد إلى مُعرّفنا الأكثر أهميّة. أفلتت ذواتنا من سيطرة وعينا وأفلتت مصائرنا من تحكّم عقولنا الصاحية.

لم يجرح فرويد وحده نرجسيّتنا كجنس عاقل مالك لزمام أمره، بل عالم الفلك كوبرنيك، تولى هو الآخر زعزعة نرجسيّة كوكبنا الارض بأكمله، فجعل منه كرة صخريّة تدور مع مجموعة أخرى من الصخور المدوّرة حول المركز ـ الشمس ـ

ينسحب هذا الأمر كذلك على النص أو الرواية، كما ينسحب على بقيّة الفنون الأخرى أو التعبيرات الوجودية المختلفة للانسان.

السرد العربي هو مجال خصب للمسكوت عنه والمقصى أو المختفي بوعي من السارد أو حتى من دونه.

 

 

 

“أغلق الباب من فضلك”…اندفع الدم حارا الى وجهي واستدرت الى الباب، فأمسكت مقبضه بيدي اليسرى ودفعته الى الخارج، لكنّه لم ينغلق. كان المصراع قديما يتطلّب قليلا من الضغط. وكانت يدي اليمنى مشغولة بالحقيبة، فاستخدمت ركبتي للضغط عليه، بينما تصبّب العرق على جبيني. عندئذ سمعت نفس الصوت النسائي الرقيق يقول : “ضع الحقيبة على الارض واستخدم يديك الاثنتين”

وأدركت أنّي خسرت الجولة الأولى…”[1]

يصف الكاتب في هذا المقطع، لقاءه الاوّل  باللجنة. لجنة غامضة مُبهمة. تتكوّن ككلّ اللجنات من أعضاء، سوف يصفهم الكاتب تباعا. وككلّ اللجنات أيضا، سوف تتولى هذه اللجنة مهمّة إصدار قرار ما. قرار مهمّ بالنسبة للمترشّح. قرار تتعلّق به آماله أو حتى حياته بأسرها وهنا تكمن براعة صنع الله ابراهيم، فمن خلال السرد لا يعرف القارىء ماهية هذه اللجنة بالذات؟ وبماذا تتعلّق قراراتها؟ وماذا تريد من المترشحين؟ أو بالأحرى ماذا يريدون هم منها؟

كلّ ما سيعرفه القارىء، هو احساس الاضطراب والخوف والتوجّس من لجنة. هكذا “لجنة” في المطلق دون تحديد أو تعريف. لجنة تمتلك تبعا لذلك، سلطة مطلقة غير محدّدة وغير معرّفة. هذا النوع من السلط هو أخطرها وأكثرها شمولا ووحشيّة. حين يحدّد الانسان مصدر السلطة، فإنّه يخفّف من حدّتها ويعرف بالذات مصدر خوفه وهو أمر يساعد منطقيّا على مواجهة الخوف أو التقليل من شناعته أو حتى على الأقلّ التعايش معه. ولكن حين يكون مصدر الخوف مجهولا وينطلق من سلطة مجهولة، فإن المرء يفقد السيطرة على كلّ شيء في حياته. يفقد تحديد موقع العدو ويتحوّل بذلك هذا العدو إلى ما يشبه التعريف الفيزيائي للذرّة، حيث يوجد إلكترون غريب، ذلك الإلكترون، الذي يدور حول النّواة بسرعة جنونية، فلا يمكن تحديد مكانه أو موقعه، فيتواجد في نفس الوقت في كل موقع وكلّ مكان.

سوف نتابع بعد ذلك وعبر فصول الرواية السلطة المطلقة، التي تمتلكها اللجنة وسوف يخالجنا ذلك الشعور المزعج، أنّنا نحن بالذات، من نمدّ السلطة بقوّتها وعنفوانها ونجعل منها تسيطر علينا سيطرة مطلقة وذلك عبر خوف الشخصية الروائية واضطرابها وخضوعها لكلّ أوامر اللجنة.

تذهب الشخصيّة لامتحان اللجنة دون، أن تعرف ماهي هذه اللجنة وفي ماذا تريد أن تمتحنها؟  ورغم ذلك تعدّ الشخصيّة نفسها لجميع أنواع الاسئلة المحتملة. تعدّ وتستعدّ إستعدادا كاملا لكلّ المواضيع الثقافية والعلميّة والعمليّة والفلسفية وحتى الوجوديّة وتسلّم نفسها للجنة مجهولة وقرار مجهول. تشعر بالخوف منذ البداية. هذا الخوف الذي يجعلنا نستسلم كليّا، نستسلم ذهنيا وجسديا للسلطة المجهولة، التي تراقبنا وتسألنا وتمتحننا وتحكمنا أو تحكم علينا بالفشل أو النجاح أو حتى تحكم علينا بالموت أو الحياة. منذ البداية نحن مهزومون أمام السلطة / اللجنة. منذ البداية يشبه وعينا جبل الثلج، الذي أغرق التيتانيك، فثلاثاه: هُما لاوعينا الغارق في الخوف.

” وأدركت أنّي خسرت الجولة الأولى” وذلك فقط لأنّه لم يستطع إغلاق باب وراءه وانطلق صوت أنثوي رقيق يعرّفه على كيفيّة التصرّف من أجل إغلاق باب مقبضه عتيق صدأ لا يُغلق بسهولة. تفصيل الباب ومقبضه الصدأ. تفصيل القهوة التي يحملها الراوي بيده وحقيبته. تفصيل الصوت الانثوي الآمر والمساعد في الظاهر على غلق الباب. كلّها أشياء تبدو من تفاصيل السرد الصغيرة الخفيفة للوهلة الأولى ولكنّ في الحقيقة هي من الاهميّة والثقل بحيث أنّ اجتماعها يعطي للسلطة وعلاقتنا بها كلّ معناها وكل قوّتها وكلّ صرامتها: أن تنتظر في بهو الادارة ذلك الانتظار القلق. أن تحصي عدد مربعات البلاط في الأرضيّة الباردة. أن تراقب الساعة السوداء الكبيرة المعلّقة على الحائط المقابل. أن تراقب وجوه المنتظرين الآخرين أو تتابع حركات حارس المبنى أو ساعي الادارة. أن تدخل أخيرا لمقابلة الموظّف أو الموظّفة. أن تظلّ صامتا وهو يتصفّح ملفّك أو يجيب على الهاتف وهو يبتسم لك ابتسامة صفراء. أن يسمح لك بالجلوس أخيرا إلى مكتبه أو لا يسمح . كلّ هذه الأشياء، كلّ هذه التفاصيل هي أدوات للسلطة. أدوات تمارسها علينا. أدوات تجعلنا في قمّة الخوف والخضوع. تجعلنا نسعى لاسترضائها مهما كان الثمن. تجعلنا عبيدا معاصرين نلعق أحذية أسيادنا المعاصرين كذلك. أسيادنا، الذين يمتلكون علينا السلطة الذريّة والمُذرّات في كلّ اتجاه وكلّ تفصيل.

هذا تقريبا ما ضمّنه صنع الله ابراهيم في سرده وأشار إليه اشارات خفيفة، ليسكت عن أغلبه، عن ثلثيه تقريبا. ثلثيه الغارقين تحت الماء. الغارقين في اللاوعي.  وهذا فقط في الجولة الاولى. جولة الدخول ومقابلة اللجنة. معنى المسكوت عنه هنا في الحقيقة، هو لعبة الجمال في السرد، الذي ينحى منحى الشعر، فيلمّح ولا يصرّح. إنّه يوحي من خلال الاشارة ولا يقدّم درسا في التحليل النفسي.

 

أن تكون اللجنة مجهولة الهويّة وأعضاؤها ضبابيّين، قد يسمع عنهم المرء في الأخبارغير الدقيقة، التي تتناقلها الصحف أو يتناقلها الناس شفويّا، هو اختيار دقيق وبارع من السارد. اختيار يجعلنا في مواجهة لجنة خفيّة وسحرية وذات سلطة لا تُرى. سلطة العصر الحديث، ذات الطبيعة الزئبقيّة. سلطة نحسّ ثقلها فوق أجسادنا ولكننّا لا نراها ولا ندرك كنهها. “وعندما سعيت لجمع المعلومات عن أعضائها، لعلّي أستطيع تكوين فكرة عن اتجاهاتهم وميولهم، وجدت ستارا من السريّة المحكمة قد أسدل على أسمائهم ومهنهم. وكان كلّ من سألته عنهم، يتطلّع إليّ في وجوم وإشفاق بالغين…”.

يقدّم لنا الكاتب بعد ذلك معلومات عن أعضاء اللجنة عندما يقابلهم وجها لوجه. معلومات في الحقيقة لا تزيد الموقف إلاّ غموضا واضطرابا. في اللجنة ثلاثة عسكريين. في اللجنة عانس تعرّفها الكاتب وندم على أنّه لم يغازلها ولو مرّة واحدة في حياته. في اللجنة أعضاء، لم يتمكّن من إحصاء عددهم. فيها رجل اشقر وعجوز شرّير لا يسمع بإحدى أذنيّه. فيها رجل قبيح. فيها أعضاء يضعون عوينات سوداء.

في اللجنة ثمّت كلّ شيء وفي اللجنة لا يوجد أحد. ثمّت فقط سلطة موزّعة على رموزها. سلطة متشظّية يمثّلها الجميع ويعبّر عنها الجميع وتنطلق من الجميع. هي نقاط قوة ترسل شعاعا من السيطرة على نقطة واحدة ضعيفة يمثّلها البطل الراوي.

اللجنة لا تتحدّث العربيّة وهو الأمر، الذي جعل الراوي يفسّر لهم نوعية شهائده وقيمتها العلميّة محادثا إياهم بلغة اللجنة. وما سكت عنه هنا صنع الله ابراهيم، هو كونيّة اللجنة وبُعدها العالمي. إنّه لا يواجه سلطة عربيّة واضحة. واضحة برئيسها ووزيرها وشرطيّها وأستاذها وصولا حتى موظّفها السامي والبسيط. إنّها السلطة في معناها المطلق المتجاوز للجنسيّات واللغات. السلطة التي تحاصر الانسان معرفيا ولغويّا ووجوديّا. السلطة على الانسان المعاصر، الذي هو أبعد ما يكون عن وصف نيتشة وتحسّره على ذلك   ” الانسان الحرّ المتجوّل”.

وإمعانا في الكارثة، فإن اللجنة التي يحكيها الكاتب، لا تجيء إليك، بل أنت الذي يذهب إليها ويتوسّلها كي تقيّمه وتحاسبه…”خاطبني قائلا: في بداية هذا اللقاء، أحبّ أن أسجّل تقديري…لاختيارك المجيء إلينا…في هذا العصر يتمتّع كلّ انسان بحريّة تامة في الاختيار…”

“حريّة تامة في الاختيار؟؟؟ وفي هذا العصر؟؟؟”…جملة قالها أحد أعضاء اللجنة/السلطة للشخصية الروائية. جملة سرديّة أشبه بلغم بحريّ في طريق سفينة، يضعها الكاتب أمام القارىء. إن واصلت الإبحار بين السطور ولم تنتبه، سوف ينفجر أمامك هذا اللغم السردي ويغرقك في لجّته ويبعدك عن المعنى والدلالة.

فخّ السلطة المعاصرة، التي لاتصطدم بك اصطداما مباشرا، كما في العهود الغابرة، بل تجعل منك انتحاريّا مُغرّرا به، يتوسّل بمحض إرادته الانفجارعلى عتباتها وهو يعتقد أنّه ذاهب الى الحرّية. جملة سرديّة تشبه قطعة حلوى ملوّنة، يكفي أن تضعها بين أصابعك حتى تتسمّم، كما تسمّمت شخصيات رواية “اسم الوردة” لامبيرتو إيكو وهم يلمسون بأناملهم الحبر المسموم للكتاب الخطير وهم يتصفحونه، لاعقين أطراف هذه الأنامل.

ويتفاقم الأمر مع امتحان اللجنة ومع تتابع السرد المشوّق حتى الاختناق في هذه الرواية. إنّهم يسألونه عن أهمّ ما ميّز التاريخ الحديث، فيستبعد كلّ الاكتشافات والحروب والاختراعات، ليتوقّف عند اختراع  الكوكا كولا، ذلك المشروب، الذي غيّر حسب رأيه ملامح القرن بأكمله. تاريخ الكوكاكولا، الذي تبهرنا فعلا قراءة الراوي له. قراءة صنع الله ابراهيم لتاريخ القرن المُنصرم من خلال معنى ودلالة مشروب الكوكا كولا.

يطلبون منه أن يريهم براعته في الرقص، فيرقص. يرقص دون ايقاع أو موسيقى. يرقص، كما ترقص امرأة ويهزّ ببطنه ويديه وقد ربط ربطة عنقه حول حزامه. يطلبون منه أن ينزع ثيابه، بعد أن وجدوا في تقريرهم عنه، أنّه عجز عن ممارسة الجنس مع إمرأة. يضعون إصبعهم في مؤخرته ويطالبونه، بأن يسعل، ثمّ يلاحظ أحدهم قائلا: “ربّما كان عنينا” ليردف آخر:” هو في الغالب…”.

هذه هي السلطة، حين تتسرّب الى مسام الجسد وتنضح منه وتحيط به من كلّ الجهات. سلطة ناعمة وخشنة في نفس الوقت، كأشدّ ما تكون الخشونة. سلطة تمسّ كلّ حميم في الانسان جسدا وروحا ووجودا. هذا ما عبّر عنه السرد في رواية “اللجنة” بطريقة غير مباشرة عبر الحدث والوصف وتسرّب من لاوعي الكاتب، كما من وعيه أيضا من خلال الحركة ومن خلال المقاطع الحواريّة المفعمة بالرموز والدلالات.

بطل صنع الله ابراهيم هو بطل خرج أيضا من تحت عباءة أخيل. لم يصرخ “هكتور…هكتور…” مطالبا بالنزال يوم الوقيعة. بطل أبعد ما يكون عن أسوار طروادة ومجدها وأساطيرها ومحاربيها الشجعان. بطل كافكاويّ بامتياز. بطل العصر الحديث، الذي يركض حتى تنقطع أنفاسه في سباق الحواجز والمسافات الطويلة للسرد العربي الحديث. بطل يأخذ بعده الانساني والعالمي ويمسّنا بمنطوقه ومسكوته ويحدث فينا وقع القراءة، فنتفاعل معه ويصعب علينا تجاوزه أو نسيانه أو حتى تناسيه.

 

 

 


 

[1] مقطع من رواية “اللجنة ” لصنع الله ابراهيم

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: