طارق الشيباني : رواية العطر “باتريك زوسكيند” ملكة الخيال أو ملكة الجنون

img

 

 

طارق الشيباني : رواية العطر “باتريك زوسكيند” ملكة الخيال أو ملكة الجنون

حين يتحوّل الرب نفسه الى رائحة…

 

 

ورد في لسان العرب لابن منظور  في حرف الخاء الجزء الخامس التعريف التالي لكلمة خيال: “خيل: خال الشيء يخال خيلا وخيلة وخيلة وخالا وخيلا وخيلانا ومخالة ومخيلة وخيلولة: ظنّه، وفي المثل: من يسمع يخلّ أي يظنّ ، وهو من باب ظننت واخواتها التي تدخل على الابتداء والخبر…”

وسمّت العرب قديما كذلك السحابة، التي توحي بالامطار ولا تُمطر بالمخيلة أو المخيل. وطبعا هناك الكثير من التعاريف اللغويّة لهذه الكلمة وجذرها في هذه اللغة الاشتقاقيّة الثريّة.

ولكنّنا لن نتوقف عند هذا المستوى اللغوي على أهمّيته، بل سنسعى الى تعريف الخيال  في مفهومه الفلسفي والنفسي والعلمي، تعريفا أقرب منه الى عالم الادب والسرد والذي هو مجال هذا البحث.

يعتبر علماء الانثروبولوجيا اليوم ، أن ما ميّز الانسان في رحلته التاريخية  عبر الحياة هو تلك القدرة على الترميز وانتقاله من المعطى المادي البحت، الذي توفّره الطبيعة إلى وضع شفرة لهذا المعطى وجعله خاضعا لمجموعة من العلامات. علامات صوتيّة لغويّة وأخرى تعتمد الألوان وثانية تعتمد الرقص وحركات الجسد مرورا بالنحت وصولا حتى العلامات الرياضيّة…وهي كلّها رموز تخيّلها الانسان وجعل منها ما يشبه شبكة الصيّاد يمسك بها العالم والطبيعة.  صنع لنفسه وعبر خياله علامات على مقاسه، تمكّنه من الاحاطة بما يحيط به.

ولعلّ عالم الفيزياء العبقري ألبرت آنشتاين، لم يجانب الصواب حين قال:” الخيال أهمّ من المعرفة”

والباحث في اكتشافات هذا العالم الفيزيائيّة، يلامس قطعا تلك القدرة الرهيبة لديه على الخيال، فقد تجاوز نظرية الجاذبية عند الفيزيائي الشهير إسحاق نيوتن وفنّد كلّ استنتاجاته  وتجاوز بذلك معضلة الفيزياء الكلاسيكية بأكملها، ليمنح العالم نظريّة النسبيّة الخاصّة والاخرى العامّة، اللبنة الاولى للفيزياء الحديثة.

ولا يشذّ عالم الادب والرواية عن هذه القاعدة، ففي أكثر القصص واقعيّة نلامس الخيال، كأشدّ ماتكون الملامسة.

في رواية العطر للألماني باتريك زوسكيند، يكتب الروائي قصّة قاتل متسلسل. قصّة يعدّها القارىء للوهلة الاولى حكاية واقعيّة بسيطة، تنزل حتى الى مستوى الادب البوليسي أو ما يسمى ب”الكريمي”. ولكنّنا سرعان ما نتورّط مع هذا البطل الشنيع “جون باتيست غروني” في بعد آخر للكتابة وبعد آخر للخيال.

معطى الرائحة، الذي ارتكز عليه بناء الرواية أو تلك الثيمة، التي استعملها الكاتب ليحيك الاحداث والشخصيّات والحبكة والاطار المكاني ـ فرنسا ـ والاطار الزماني ـ القرن الثامن عشر ـ ثيمة الرائحة، قلّ ما فجّرها كاتب ما، ذلك التفجير الذرّي ليبلغ نواة الخيال المتناهية في الصّغر والتعقيد. الرائحة هي الحدث في هذه الرواية وهي أيضا الشخصيّة الرئيسية. إنّها تقود البطل الروائي. تتحكّم في تصرّفاته، بل تملي عليه أفكاره وأحاسيسه وتدفعه حتى للقتل المتعمّد المتكرّر.

يتخيّل الكاتب شخصيّة ما، محور حياتها هي الروائح ولها القدرة منذ الولادة على استيعاب العالم من خلال الروائح، التي تنبعث منه. كل شيء قد يخاتل، الصوت الصورة وحتى اللغة ولكنّ الرائحة لا تكذب لا تخون، إنّنا نستنشقها ونزفرها مع كلّ نفس من أنفاسنا وندخل بها في ذواتنا وأجسادنا حقيقة العالم والأشياء.  عبرهذه الفكرة، التي تبدو واقعيّة ومنطقيّة يبحر بنا الكاتب في عالم من الخيال. خيال يحسبه الذي يراه، لايتعدى حدود الظنّ أو التوهّم ولكنّه نُسج بطريقة قد تغيّر نظرتنا للكثير من الاشياء. نظرتنا للتاريخ والمجتمع والدين والسياسة والعلم وحتى لمفهوم العبقريّة والجريمة. ” في القرن الثامن عشر عاش في فرنسا رجل ينتمي الى اكثر كائنات تلك الحقبة نبوغا وشناعة وهي حقبة لم تكن لتفتقر الى أمثال هذه الكائنات…{ سان جوست، دوساد، فوشيه، بونابرت..}…عبقريته {غروني} وطموحه قد انحصرا في ميدان لا يخلّف وراءه أثرا في التاريخ أي ملكوت الروائح الزّائل…”[1]

من نافلة القول، أنّ نذكر أنّ رواية العطر بيعت بملايين النسخ وترجمت إلى عشرات اللغات، كما تمّ تحويلها الى فيلم هوليودي، طغت فيه نظرة المخرج على نظرة الكاتب، فلم يلق ذلك النجاح الباهر، الذي حقّقه السرد على حساب الصورة.

ويعود ذلك إلى ملكة الخيال. تلك الملكة الجامحة، التي لايمكن أن تؤطّرها لا الصور الضوئية ولا أداء الممثلين البارعين. ملكة الخيال هي سرديّة بالأساس أو شعريّة. للالوان جمالها وللاصوات أيضا جمالها وطاقتها التخييليّة ولكن طاقة الخيال الموجودة في حكاية العطر، مشحونة جدّا بالتفاصيل ومشحونة جدا بالروائح والأفكار. يصعب إخراجها في شكل تعبيري آخر، غير الرواية.

يصل الأمر بالراوي في هذا العمل إلى جعل بطله يمتلك تحت سلطة أنفه روائح وعطور كل الاشياء الموجودة في العالم. إنّه يميّز آلاف الروائح انطلاقا من رائحة صخرة رطبة في قاع النهر مرورا برائحة الحديد والخشب وصولا إلى روائح ملكيّة متوّجة، روائح لا تحيط بجمالها العين ولا تستوعب ذبذباتها الأذن. روائح تمتلكها بعض الفتيات الصبايا العذروات. عطور يسعى هذا البطل الورقي المجنون إلى تجميعها في عطر واحد يضعه في قارورة صغيرة يغلقها بسدادة فلّين فيرتاح وينتهي. ولذلك يضطرّ إلى قتلهنّ ويسرق منهن أرواحهنّ، بالمعني الحرفي للكلمة وليس المجازي ويضعها في قنينة عطر.

ويجمح خيال الكاتب، فيجعل من بطله ملك الروائح، لا يمتلك رائحة في حدّ ذاته… ” وضع سبّابته ووسطى يسراه تحت أنفه وتنشّق ظهريهما. شمّ هواء الربيع الرطب المبهّر برائحة الشقائق لكنّه لم يشمّ من إصبعيه أي شيء. قلب كفّه وتشمّم باطنها، أحسّ بدفئها، لكنّه لم يشمّ شيئا. ضمر أكمام قميصه الممزّق ودفن أنفه في بطن كوعه، كان عارفا بأنّ هذه هي النقطة التي تفوح منها الرائحة الخاصة بكل شيء. لكنّه لم يشمّ شيئا. جرّب تحت إبطيه وتحت كتفيه وأقدامه وحاول جهده ليقرّب أنفه من عضوه ومع ذلك فإنّه لم يشمّ شيئا. كانت المفارقة مذهلة: فهو غروني، القادر على التقاط رائحة اي انسان على مسافة أميال لا يستطيع شمّ رائحة عضوه…”[2]

خيال جامح وسط الخيال نفسه والمفارقة لا تكمن فقط في أنّ بطل الروائح ليست له رائحة، بل تكمن في هذا الوصف الدقيق الواقعي المفصّل للخيال. وتلك الملكة، التي لدى الكاتب لينسج مخططا لإحداث ثقب في الماء، ثمّ يورّط القارىء في ذلك المخطّط، فيجعل منه يحسب ويقيس ويجمع ويطرح أبعاد هذا الثقب المُزمع إحداثه في الماء. يجعله يبحث عن طول الثقب وعرضه ومساحته ومحيطه. وفي الخيال أو به يقودنا الراوي الى المعرفة خفية أو خلسة عنّا. المعرفة بمستوياتها المختلفة، المعرفة بعلم الكيمياء والفيزياء، المعرفة بالفلسفة واللاهوت وعلم الاخلاق وحتى علم التاريخ. وهو فعلا ما يعاينه القارىء في الرواية.

وهنا بالذات يأتي التعريف العميق والدقيق لملكة الخيال لدى اكتافيو باث حين يقول: ” إنّ انبعاث الخيال كان دائما مسبوقا وممهّدا له بالنقد والتحليل…”[3]

خيال زوسكيند هو خيال ممهّدا له حقا بتخطيط ومعرفة. ممهّد له بنقد للاخلاق والفنون والمعارف المتواضع عليها وكذلك بتحليل عميق للنفس الانسانيّة. تلك النفس التي نجدها في الشخصيّات الاخرى للرواية مثل شخصية الراهب وشخصية بائع العطورات السيد بالديني أو حتى شخصيّة مرضعة البطل غروني وشخصية أمّه، التي ولدته تحت طاولة بيع السمك النتن وأرادت قتله باهماله وتركه ليموت في كومة النفايات وشخصية الصبّاغ غاليمار…وغيرها.

ويلاحظ القارىء، أنّ في الرواية قاتلان وليس قاتلا واحدا. القاتل الورقي شخصيّة البطل “جون باتيست غروني” هذا الذي يقتل الصبايا الجميلات، ليستخلص منهنّ روائحهن ويصنع منها “العطر” الأخير، العطر الملكي أو هو العطر الالاهي. ولكن هناك أيضا القاتل السارد للحدث. القاتل بالخيال ومن خلال الكلمات: الكاتب نفسه. كلّ شخصيّة تتقاطع مع الشخصيّة الرئيسية وتعترضها وتسعى لرفضها أو عرقلتها أو تجعل من حياتها صعبة شيئا ما، فإنّ صاحب البطل يقتلها دون تردّد. يقتلها بكلّ شناعة.

بداية من صرختها الاولى بعد الولادة، تقتل شخصيّة “غروني” شخصيّة الأمّ. هذه الأمّ، التي ارادت التخلّص من وليدها، تُعدم في الصفحات الاولى من الرواية. شخصيّة المربّية، التي جعلت من حياة الطفل غروني صعبة وباعتها بعد ذلك للصبّاغ، تموت هي الاخرى ميتة شنيعة. تموت كل يوم في انتظار الموت، الذي لايأتي وتدفن كجيفة حيوان فطسة الى جانب جثث أخرى وتدفن في مقبرة جماعية، حيث لا شاهدة ولا دليل، ليموت الصبّاغ بعدها سكرانا غارقا في النّهر ويموت العطّار السيد بالديني بعد ان انهار الجسر الذي يقع فوقه بيته ومحلّ عطارته وتموت كذلك شخصيات أخرى في الرواية فقط لمجرّد التقائها ببطلنا. وفي النهاية يموت البطل نفسه.

هذا الخيال، الذي نسجته دقة الوصف والمعرفة معا، هو في النهاية ما ميّز رواية “العطر” وأعطاها نكهتها كعمل أدبي مختلف جماليا. عمل أدبي يقع بين خيالين وواقع، كبيت شعر بين جملتين نثريّتين.

يذهب بعض النقّاد الألمان أنفسهم إلى اعتبار “العطر” رواية خيال. ولكن ميزة هذا الخيال أنّه مدروس له بعناية كبيرة. ممهّد له بكثير من الحرفيّة والدقّة. هو خيال ميكانيكي عمليّ كعمل مهندس وليس كعمل فنّان أديب وهي أخيرا أمور أقرب لنوعيّة العقل الالماني الفعّال والعملي حيث يصعب على الخيال المنطلق الحرّ أن يوجد أو يتواجد.


[1] مقطع من رواية العطر لباتريك زوسكيند

[2] نفس المصدر

[3] شاعر وأديب مكسيكي. حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1990 حيث قالت عنه الاكاديمية السويديّة : فاز أكتافيو باث بالجائزة لا لعمل معيّن من أعماله الأدبيّة والشعريّة ولكن تكريما له على مجمل أعماله المتّقدة بالعاطفة والتي تتسم بآفاق ثقافية واسعة وتتميّز بذكاء وطاقة انسانيّة وقّادة

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: