صديقي المشاكس-زهرة مراد ،تونس

img

صديقي المشاكس-زهرة مراد ،تونس

(تحصّل هذا النّصّ على الجائزة الثّالثة في الدّورة 14 للملتقى الوطني للقصّة القصيرة بمساكن فيفري 2018)

كنّا صديقيْن متآلفيْن تجمعنا الرّفقة. وكان الفصل صيفا واللّيل يُغري بالسّهر. عاد زوجي، كما في كلّ مساء، متعبا من العمل. ما إن اغتسل وتناول العشاء حتّى التحق بالفراش في غرفة ابنتنا المسافرة خارج أرض الوطن. نام نوما عميقا وبقِيتُ بمفردي.

أغراني النّسيم بالسّهر في حديقة البيت. كنت أستمتع بروائح الإكليل والزّعتر والياسمين والفلّ. مغمضة العينين، تذكّرت وردّدت، بيني وبين نفسي، أغنية الفنّان الهادي الجويني “تحت الياسمينة في اللِّيل… نسمة والورد محاذيني”. لم يكن ينقصُنيإلّا رفقة تؤنسُ وحدتي.

فتحتُ عينيّ فجأة حين شعرتُ بشيء يلامسني… ها صديقي أتى وكأنّه سمع نداء قلبي الخفيّ… فرحتُ بقدومه كثيرا. كنت محتاجة إلى رفقته. تحادثنا قليلا… ثمّ تسلّلنا وصعدنا إلى السّطح… حيث بالإمكان أن نرى كلّ شيء ولا أحد يرانا. هناك، ناجينا القمر وغازلنا النّجوم… داعَبْته فاستطاب ذلك وطلب المزيد… لاعبْته وشاكسني كثيرا…

جلست أتأمّل القمر المنير في سمائه الواسعة، وقد زانتها النّجوم متلألئة كأنّ النّدى قد علاها فزادها سحرا ولمعانا. ما أبهى القمر حين يسكن اللّيل، وما أروع اللّيل حين يسكن ولا يبقى منه إلّا الأحلام. تناولت هاتفي وبحثت عن أغنية عبر النّات فجاء صوت فيروز يتهادى ” سَكَنَ اللّيلْ وفي ثوب السّكونْ… تَخْتَبِي الأحلامْ… وَسَعَى البدرْ وللبدرِ عُيُونْ…” وأحسست فجأة بأنفاسه في رقبتي…

كانت نسائم الصّيف مغريةً، إلاّ أنّني أحسست بتثاقل أجفاني. قلت له مداعبة:

– هيّا… عزيزي…لننزل.

فتبعني في هدوء. اعتزمت الدّخول إلى البيت فلحق بي… كأنّه يرفض مفارقتي… قلت له برفق:

– الآن عليّ أن أدخل البيت لأنام ولا يجوز أن تدخل معي. هذا أمر لا جدال فيه.

 وهممت بفتح الباب. لكنّه لم يُعر ما قلتُ اهتمامًا. ظلّ ملتصقا بي. قلت في حزم لأثنيَهُ عمّا يدور في خَلَده:

– يكفي الآن. اِرحل. وإن شئتَ، غدا نذهبُ سويّا إلى البحر. عند الفجر، يكون الشّاطئ شبهَ خال، إن لم يكن خاليا تماما من النّاس. سوف نلعب بالرّمل ولن نتعب. وسنسبح قدر ما نشاء ونريد.. سنمرح سويّا… أعدكَ بذلك…

كان ينصت باهتمام، وهو يحرّك رأسه تارة إلى اليسار، وتارة أخرى إلى اليمين ناظرا إليّ باستغراب شديد كأنّه يسألني كيف أرفض رفقته الآن وقد كنّا قضينا معا وقتا ممتعا في الحديقة وعلى السّطح.

فتحت الباب برفق حتّى لا أوقظ زوجي من النّوم. فسبقني مرافقي إلى غرفة نومي. لم أكن أستطيع إحداث أيّ صوت خشية أن يستفيق زوجي. حاولت اللّين ليغادر المكان فأبى. وحين منعت عنه فراشي… استلقى على زربيّة قرب السّرير. فلم أجد بدّا من تركه هناك حتّى الصّباح. وقضى اللّيل بكامله حذوي.

لا أدري كيف انقضت تلك اللّيلة. لكنّني استيقظت صباحا على صوته، وهو يقرّب وجهه منّي ليوقظني. نهضت من سريري مسرعة. وبادرت بفتح باب الغرفة وباب الدّار لأسمحلصديقي بالخروج. كان زوجي في الحديقة يشرب قهوة الصّباح بين الرّياحين حين ارتمى عليه صديقي المشاكس… اندلقت القهوة على ملابسهوهو يمدّ يديه محاولا الدّفاع عن نفسه…

انتبهت لصوته وهو يتساءل: “أين كان هذا؟ من أين خرج؟” أسرعت إليه أساعده… ثمّ أعدنا “Diego” إلى بيته وأنا أشرح ما حدث أثناء اللّيل.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: